مهران موشيخ
كاتب و باحث
(Muhran Muhran Dr.)
الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 08:00
المحور:
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
ديمقراطية الانتخابات في العراق
حصاد في الريح.. انها مجرد سراب
الجزء الثاني والاخير
د. مهران موشيخ
لقد جلب غزاة تسعة نيسان لنا ديمقراطية من طراز جديد، ديمقراطية هجينة ديمقراطية لا صلة لها ببذرة الديمقراطية التي غرسها آرسطو لاول مرة في اذهان شعوب العالم مئات السنين قبل ظهور الديانة المسيحية. "المحررون الامريكان" جلبوا لنا ديمقراطية جوفاء لا تحمل من معاني ولا من مضامين مصطلح الديمقراطية الحقة غير الترجمة اللغوية للكلمة، جلبوا لنا معهم جرثومة لتفتيت وحدة الشعب، جرثومه لها ارضية خصبة للانتشارفي جسد القيادات الاسلاموية التي جلبتهم الى الحكم بعد تدجينهم واستيعابهم كليا على مدى عشرين عاما تقريبا قبل الغزو، جرثومة تم تلقيح القيادات الاثنية والاسلاموية بها حيث اصيبوا بمرض طفيلي يعتاشون من خلاله على ثروات البلد ومن دم ولحم الجماهير، جرثومة تنتمي الى فئة الاوبئة الاجتماعية الفتاكة، اسم هذه الجرثومة - البكتريا هو " الديمقراطية التوافقية ", التي لا ذكر لها لا في مناهج كتب الدراسات الاجتماعية والسياسية ولا في تأريخ المجتمع البشري التي تدرس في جامعات العالم بما فيها العراق، ولا وجود لها في بنود منظمة الامم المتحدة ولا في مسلة حمورابي.
أن مصطلح " الديمقراطية التوافقية " المزعوم متوفر فقط على لسان قادة الاحزاب المنافقين واتباعهم المرتشين وكذلك على لسان الجهلة اعوان وخدم القادة، وهم يرددون كالببغاء ما يصل الى مسامعهم في لقائاتهم اليومية المدفوعة الاجر في وسائل الاعلام. الفضائيات التي تتبع جميعها للاحزاب الحاكمة و تتعامل مع سفارات دول الجوار تبشرمن جانبها وتناصر" الديمقراطية التوافقية " وتقرعلى انها خارطة طريق لاعادة بناء العراق. لقد جرى حقن فكرة الديمقراطية المزيفة " الديمقراطية التوافقية " في عقول السذج والجهلة وبالنتيجة اصبحت " الديمقراطية التوافقية " منهاج عمل الطبقة السياسية. هذه الطغمة السياسية التي غرست "الديمقراطية التوافقية " باشرت باقتسام كعكة المحاصصة الطائفية بعد ان سلمت ثروات البلاد الى الامريكان وايران وآخرين
رواد ما يسمى بالعملية السياسية لا زالوا، ومنذ 22 عاما، يستأنسون و يتغزلون " بالديمقراطية التوافقية" لانها سبيلهم الوحيد في الثراء الفاحش عبر تقاسم كعكة خيرات البلد على حساب ملايين الجماهيرالمظلومة والفاقدة لابسط متطلبات الحياة.
الجماهير التي تعاني من مشقة الحياة لم تعد قادرة على تحمل مصاعب الحياة اليومية بسبب سلوك " الديمقراطية التوافقية " مما حدى بالكثيرين منهم نساء ورجال شبابا وكبار الى تعاطي المخدرات والى ممارسة جرائم السرقة والسطو وحتى القتل في محاولة يائسة لاشباع اطفالهم الجياع. كل هذا وعلماء الدين السنة ومرجعيات الشيعة وبضمنهم الامام السيستاني يعيشون في سكون عميق، دخلوا في سبات اجتماعي ابدي لا تهمهم معاناة ومشقة الحياة اليومية والمستقبل المجهول للملايين
لقد سعى "الديمقراطيون التوافقيون" الطفيليون الى تعزيز قواهم السياسية والامنية المسلحة عبرمنح العشائرجزء من مال الدولة المسروق وعبر منح عقود عمرانية وتجارية مربحة لهم (واحيانا بالشراكة)، وبالنتيجة افلحت هذه القيادات الحزبية والدينية الاسلاموية في ادخال فئات بشرية غريبة عن مؤسسات الدولة المدنية الى موقع فاعل ومؤثر وصوت مسموع في النشاط السياسي والاقتصادي للدولة، هؤلاء هم رؤساء العشائرلهم مقاتلين و جميع انواع الاسلحة بما فيها الثقيلة. لا بل العشائراصبحت تمتلك سلطة قضائية تفوق سلطة قضاء الدولة
لقد تعودنا على سماع مواطنين مستقلين وكذلك نواب يظهرون امام عدسات الكاميرا وهم يهددون بعضهم البعض، من انه سيلجئ الى االعشيرة وثم القضاء لنيل حقوقه !!!. اية مهزلة سياسية هذه وما هذا الحضيض المؤسساتي للدولة المدنية التي وصلت اليه الدولة العراقية !!!. من يحكم من؟، واين هي الشرعية الدستورية للحكومة المكلفة حصريا في احقاق الحق بمنتهى العدالة؟
هل يجرأ عاقل ان ينعت او يصف انتخابات بغياب اكثر من نصف عدد الناخبين؟، انتخابات تجري فيها شراء اصوات الناخبين الجياع علنا وباعتراف قادة اجميع الاحزاب، انتخابات لا تمارس فيها المنافسة المبدائية المستندة على برنامج شامل واضح المعالم. اية ديمقراطية في انتخابات وقودها التنافسي هو شراء اصوات العاطلين عن العمل مقابل وعود كاذبة بتعيينهم بعد الانتخابات او منحهم البطاقة الاجتماعية؟، اية ديمقراطية في انتخابات يتخللها بيع وشراء نواب ومقاعد برلمانية ووزارات سيادية وغير سيادية ناهيك عن الرئاسات الثلاث؟!. الانتخابات الديمقراطية هي تلك التي تمنح الفائزين الحق الدستوري في تمثيل ارادة الاغلبية وتشكيل الحكومة والخاسرون يحتفظون بمواقعهم في البرلمان على كرسي المعارضة لحين الانتخابات القادمة بعد اربعة سنوات، والطرفين يجاهدون باقصى ما يملكونه من ارادة حقيقية و قدرة وامكانات في تقديم افضل الخدمات للشعب وحماية سيادة الدولة
ان مهزلة الانتخابات " الديمقراطية التوافقية " لا تنتهي بانتهاء عملية التصويت وظهور النتائج، بل يبدء الطور الثاني من مسرحية " الانتخابات الديمقراطية التوافقية" المتظمن اختيارالرئاسات عبرالعديد من الجلسات والاجتماعات المحلية والاقليمية والتباحث واستشارة ملوك ورؤساء دول مثل السعودية وقطر والكويت وايران وتركيا وآخرين من خلف الكواليس لغرض استكمال تشكيل الحكومة الجديدة بعد مشاورات توافقية بين الاخوة الاعداء
ان اللقاءات والحوارات بين جميع الاحزاب تستمربعيد الانتخابات وهي لا تحمل صفة توافقات وانما مساومات تهدف حصول كل طرف شارك في الانتخابات على اكبر قطعة ممكنة من كعكة الحكومة.
في نهاية المطاف وبعد سلسلة طويلة من المسرحيات الهزيلة وضجة اعلامية واسعة تستمر اسابيع بل اشهراحيانا يتم خلالها الحديث عن تسريبات تقول ان فلان الفلاني وليس فلان من سيكلف بتشكيل الحكومة، لان الاخير لم يحضى بمقبولية المرجع الاعلى...، ثم تنقلب الآية او تتغير كليا بظهور اسماء جديدة ستكلف بتشكيل الحكومة!. هكذا كانت مجريات انتخابات " الديمقراطية التوافقية " الخمس الماضية والسادسة التي نحن نعيش اجوائها الغير المحسومة لحد الان في اعلان اسم رئيس الوزراء الذي سيكلف بتشكيل الوزارة الجديدة
حقيقة الامر تكمن في ان اسم المرشح بتشكيل الوزارة واسماء اعضاء تشكيلته الوزارية موجود في جعبة مارك سافايا وهومن سيقوم بتسليم قائمة اسماء الحكومة الجديدة في الوقت المناسب حسب تقديرات ادارة ترامب. هكذا كان الامر بعيد انتخابات " الديمقراطية التوافقية " قبل عشرين عاما حينما سلمت وزيرة خارجية امريكا كونزاليزا رايس ثم بعدها وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون وثم نظيراتهن اسم رئيس الحكومة ( شيعي حصريا) واسماء اعضاء الحكومة من المدنيين والعسكريين وسماء قادة اجهزة الامن والقضاء والبنك المركزي
من المفيد التذكير هنا من ان اختيار رئيس الجمهورية الذي يلزم ان يكون كورديا ومن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني دامت في الانتخابات البرلمانية السابقة سنة كاملة. وفي الانتخابات الاخيرة (عام 2025 ) انفصل احد النواب القياديين قبل اسبوع من الانتخابات من كتلة "سنية" وانتقل الى كتلة " سنية " اخرى منافسة!. ان القفزمثل الارانب من كتلة لاخرى ومنها لكتلة ثالثة ثم العودة مجددا الى الكتلة " الام " دليل واضح على غياب تام لبرنامج عمل وغياب القاعدة الحزبية وغياب نظام داخلي للحزب، انه دليل على ان تشكيلة هذه الاحزاب تشمل زمرة من اصحاب رؤوس اموال – مليونيرية يتسلقون العملية السياسية للاغتناء اكثر واكثرعبر ممارسة عمليات الفساد المالي، انه دليل قاطع على الغياب التام للديمقراطية في برلمان "الديمقراطية التوافقية "
بتسليط الضوء على السيناريو الهزيل الذي يسود و يهيمن على ما يسمى بالعملية السياسية في العراق منذ السقوط وبادوات " الديمقراطية التوافقية " يستنتج ببساطة بان " الديمقراطية التوافقية " التي تقرها وتتباهى بها الطغمة المشبعة بروح الطائفية الاثنية والاسلاموية المذهبية المقيتة هي بمثابة غربال يحاولون به تغطية نور الشمس. " الديمقراطية التوافقية "هي بوق مثقوب. اية ديمقراطية هذه التي تقرمن ان رئيس الجمهورية يجب ان يكون كرديا و من حزب محدد، ورئيس الوزراء عربيا شيعيا، ورئيس البرلمان عربي سني ونائبيه احدهما كردي والاخرعربي شيعي؟. لقد سبق لنا و حذرنا في جريدة بغداد منذ اول انتخابات للمجلس الوطني قبل عشرين عاما، حذرنا من الوقوع في مستنقع (لبننة العراق) ولكن دون جدوى. صدى هذا التحذير ترجم بالاقصاء التام ومع سبق الاصرار والترصد من تبوء المسيحيين والصابئة المندائيين والازيديين منصب الرئاسات الثلاث. هذا الاجحاف بحق مواطنة المسيحيين والصابئة المندائيين و الازيديين هو اغتصاب المواطنة من مواطني البلد الاصليين الذين قطنوا بلاد ما بين النهرين قبل ظهور الاسلام بآلآف السنين. ان هذه الحقيقة المرة والمخزية هي و صمة عار على عمامة كل من يقربهذا النهج العنصري المرادف للفكر الصهيوني
مضت اسابيع والاطار التنسيقي منشغل يوميا في اختيار رئيس الوزراء القادم المالكي ام السوداني، والاثنين شانهما شأن جميع قادة الشيعة والسنة جيوبهم خاوية من برنامج عمل. امام هذه الحقيقة الدامغة والمخزية اتسائل ما هي الاسس التي سيتم الاستناد اليها لاختياراحدهما او شخص ثالث رئيسا للوزراء، بعد موافقة مرجعية السيستاني طبعا؟. لقد اثبتت تصريحات ترامب وسافايا هذه المرة ايضا من ان الانتخابات " الديمقراطية التوافقية " للاحزاب الاثنية والاسلاموية في العراق هو كرنفال سياسي للاحزاب الفاشلة ، وهي عملية حصاد في الريح ، انها ركض ماراثوني للسراب
لا يوجد مكان للديمقراطية في الواحة المسماة " بالديمقراطية التوافقية "، وجميع الحكومات " الديمقراطية التوافقية" التي جثمت على صدورابناء الشعب في العراق المغتصب لم تكن سوى سلاح لمحاربة سنبلة الديمقراطية التي كان العراقيين يتطلعون اليها و ناضلوا واستشهدوا من اجلها منذ شباط عامة1963 الاسود
#مهران_موشيخ (هاشتاغ)
Muhran_Muhran_Dr.#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟