أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب














المزيد.....

قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب


اسعد عبدالله عبدعلي

الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 21:57
المحور: الادب والفن
    


جلس ملاصقاً لزجاج نافذته، يتأمل العابرين في الشارع , في تلك اللحظة، هبّت من تلافيف ثيابه ريح مادية باردة ذكّرته بخواء جيوبه الموحش، ليتزامن ذلك مع صوت المذياع وهو يزفّ للأمة نبأ العثور على آلاف مليارات الدنانير مكدسة في مغارات وبيوت الساسة الأشاوس. يا للمفارقة الفلسفية الساخرة! فالكون الذي يتسع لملياراتٍ يبتلعها جوف رجلٍ واحد، يضيق ذاته عن تحقيق حلم بائس لا تتجاوز قيمته خمسة آلاف دينار؛ حلمٌ يتلخص في "شيشين" من الكباب التائه، وقطعة خبزٍ دافئة، ورأس بصلٍ لوّحته النار. إنها الحياة، تراجيديا مغلفة بمهزلة، وسيركٌ كبير يديره القدر بعبثية لا تُطاق.

كان المطر ينهمر بغزارة، والمارة يهرولون كمن يفر من سياط السماء. وفجأة، اخترق السكون مشهدٌ عبثي: دراجة نارية يقودها شاب أهوج، يطارد كلباً مشرداً باستماتة، مصمماً على سحقه تحت عجلاته دون أي سبب كوني مقنع. هنا، تحركت في نفس صاحبنا نخوة الفيلسوف الغاضب؛ فتح النافذة، وامتدت يده مدفوعةً بـ "أدرينالين" الإنسانية نحو أثقل كتاب في مكتبته— مجلدٌ ضخم لـ "ابن كثير"—وقذفه بكل ما أوتي من جوع صوب صاحب الدراجة. طار المجلد في الهواء مسافةً تليق بالعدالة المطلقة، وهبط بدقةٍ متناهية على رأس الشاب، ليسقط أرضاً في وحل الشارع، مستغلاً الكلب تلك الفجوة الزمنية ليفر بجلده نحو الخلود.

نهض صاحب الدراجة يترنح، يتلفت يمنة ويسرة، باحثاً ببلاهة عن مصدر هذه القذيفة المعرفية، ولما أعجزته الحيلة، صبّ جام غضبه على كتاب "ابن كثير"؛ فمزق أوراقه وداس عليها بحنكة الجهلة، ثم مضى لحاله. عاد صاحبنا إلى سريره، مغلقاً نافذته، فيما كانت بطنه تقيم صلاة الاستسقاء وتصرخ بضجيجٍ يطالب بالطعام، دون أن يسمنها كتاب أو ينقذها طرد الكلب.

وفجأة، دكّ الباب دكاً خفيفاً أيقظ أحشاءه الصارخة. فتحه، فإذا بطفلٍ مبتسم يحمل صينيةً تفوح منها رائحةُ ما يسد رمق فيلسوفٍ أوشك على الانقراض جوعاً. نظر الصغير إليه بعينين بريئتين لم تلوثهما بعد فلسفات الأرض، وقال ببراءة: "عمو، هذا الطعام ثوابٌ لروح جدي، أرسله أبي إليك، هنيئاً مريئاً، ولا تنسَ الفاتحة".

أغلق الباب وضَمّ الصينية إلى صدره كنزاً ثميناً. وفي تلك اللحظة الفاصلة بين العدم والامتلاء، فرّت من عينه دمعة حائرة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة الفرح، لينظر إلى السماء متمتماً بأدبٍ جم وعمقٍ واثق: "يا لَرحمة الله الواسعة.. يارب كم أنتِ دقيق الميزان، وسريعة الحساب؛ فما كان الكتاب الذي قذفته إلا رسالةً كُتبت بالنيابة عن مظلومٍ صامت، وما كانت هذه الصينية إلا مكافأةً فورية صيغت بلغة الغيب.

إنها معادلة الوجود الأزلية: حين تجود بما تملك لإنقاذ كائنٍ لا يملك نفعاً ولا ضراً، يأتيك المددُ من حيث لا تحتسب، لنعلم ان الشفقة دائرة مغلقة؛ تُقذفُ من النوافذِ كُتباً، فتعودُ عبر الأبوابِ خبزاً وكبابا وسلاماً".



#اسعد_عبدالله_عبدعلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- شيزوفرينيا واشنطن: الجلاد الأميركي يرتدي ثوب الضحية هرباً من ...
- قصة قصيرة / فاتورة المحاولة
- زلزال طهران المليوني: حشد المئة دولة يصفع أوهام الغرب
- المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)
- قصة قصيرة / على رف الانتظار
- قصة قصيرة / حين يذوب الحب في التيزاب
- فلسفة حضور النساء والاطفال في النهضة الحسينية
- قراءة في دوافع الهجرة الحسينية إلى العراق
- قصص قصيرة / خيبات تحت سماء العراق
- قصة قصيرة / صك الحياة وطابور القيامة
- قصص قصيرة // في شباك السرد: وجوه وسكاكين
- خطر وصول تقنية الطائرات المسيرة إلى داعش والقاعدة
- الرافديني الثائر: غازي السعودي وحداثة الجدار
- قصص قصيرة/ خطوات معلقة بين زمنين
- غدير خم: الضربة القاضية لرهانات الثالوث الخبيث
- غدير خُم.. ميثاق حماية الرسالة
- قصتان قصيرتان// ملحمة الرغيف ونعيق في حزيران
- من هرمز إلى الجوع: السلاح الخفي الذي يهدد أمن الغذاء العالمي
- ثورة الطائرات المسيرة في العراق: معادلة الردع الذكي والاقتصا ...
- الحرب الإلكترونية: المعركة التي لا نراها


المزيد.....




- من صدمة الثقافة إلى الانتماء.. كيف واجه ثنائي أمريكي صعوبة ا ...
- التعليم العالي: بدء تنسيق طلاب الشهادات الفنية اليوم.. والتس ...
- 16 رواية في القائمة الطويلة لجائزة غونكور 2026
- فنان مصري شهير يتعرض لحادث مروع
- لا حفلات قريبة لجورج وسوف في سوريا.. ومصادر تنفي ما يتداول ب ...
- -طائرة الجدة وأحلام النزع الأخير-.. قصص إنسانية خلف التوابيت ...
- سفارة موسكو بالجزائر تحيي يوم السينما
- تونس: السلطات توقف الصحافي البارز محمد اليوسفي الصوت الناقد ...
- اشتباك فكري حول -مستقبل صناعة النشر في عصر الذكاء الاصطناعي- ...
- كوميدي تركي يواجه السجن لأكثر من 9 سنوات بتهمة -إهانة- أردوغ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسعد عبدالله عبدعلي - قصة قصيرة/ كتاب طائر وكباب مستجاب