سعد شاكر شبلي
الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 20:49
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
يمثل النقد الثقافي الأداة الفكرية والمنهجية التي تحلل النصوص ليس كمنتجات فنية جمالية فحسب، بل كوثائق تكشف الأنساق الثقافية الخفية والخطابات الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية التي تتبناها. ويهدف إلى تفكيك المسكوت عنه، وبيان إذا كان المنتج الثقافي يخضع للهيمنة الفكرية والثقافية التي تكرسها جهات معينة من خلال تلك النصوص في الوعي الجمعي. ويُطبق هذا المنهج النقدي على الكتب التي تحمل أبعاداً تاريخية ودينية وحضارية وإنسانية،
تأتي هذه الورقة النقدية لتسبر أغوار كتاب " المغطس .. كنز كنوز الأردن شهادة حية على أصالة الوئام الديني والعيش المشترك (مجموعة مقالات).. لمؤلفه القس سامر ناصر عازر، هذا الكتاب الذي هو المولود (السابع) الجديد الذي لم تتعسر ولادته بل كانت طبيعية ليضاف إلى ما سبقه من كتب أفرحت الوالد (المؤلف) ومحبيه .. وقد تغيض بعض المتنطعين(المغالون في الأقوال والأفعال ويتجاوزن حدود الوسطية والاعتدال) وغير المحبين من ذوات الأغراض المسبقة، وعليه سنسعى أن نكون في مرتبة الناقد الموضوعي الذي لا تقتصر مهمته على الإشادة بالجهود الفكرية والتوثيقية المهمة التي حملها هذا الكتاب بين ثنايا أوراقه.
ورغم ذلك لا يسعنا في هذا المقام إلا أن نقدم التهنئة والتقدير إلى صديقنا الكريم، سعادة القس سامر عازر أبو ناصر الأكرم ... مؤلف هذا الكتاب الذي اشتمل على مجموعة مقالات شكلت مادة هذا الكتاب القيم، الذي لم يقتصر على سرد الوقائع التاريخية والدينية المجردة، بل تعمق ببصيرة نافذة في جوهر الرسالة الإنسانية لصرح إيماني كبير في نفوس جميع المؤمنين بقيم السماء وشرائع الدين الإلهي إلا وهو المغطس.
لقد استطاع الكاتب بمهارة واقتدار أن يصوغ رؤية متكاملة، تستند إلى مجموعة من الأفكار العامة حملها ذهن القس سامر عازر، راعي الكنيسة اللوثرية السابق في عمان، الذي تتمحور أفكاره حول تعزيز القيم الإنسانية، وتوطيد الوحدة الوطنية، وبناء جسور التقارب بين الشرائع، فهو يربط في مقالاته وكتبه بين التعاليم الروحية والواقع المعاش من خلال ركائز أساسية تشتمل على:
1. القيم الأخلاقية والإنسانية: يشدد القس سامر على أن الجوهر الحقيقي للإنسان يكمن في مدى نفعه وعطائه لمجتمعه ودوره في صنع الخير والمحبة، ويحذر من مخاطر الفلسفات المادية التي تتجاهل البعد الروحي.
2. الوئام والتقارب الإنساني: يسعى لإبراز أهمية العيش المشترك والتسامح وقبول الآخر، إلى جانب دعم المبادرات العالمية مثل "أسبوع الوئام بين الأديان" لتعزيز السلام العالمي .
3. الانتماء والوحدة الوطنية : يتبنى الدعوة المستمرة لتوحيد الصفوف، والدفاع المشترك عن المقدسات، والتأكيد على أن قوة الجبهة الداخلية هي أساس مناعة الأوطان.
4. الأصالة والهوية العربية الربط بين العقيدة والانتماء، يركز على التمسك بالتراث والعادات والقيم العربية التي تعكس التاريخ والهوية .
لقد تجلى في هذا الكتاب أبعاد الوئام الديني والعيش المشترك بشكل واضح وجلي، حينما أكد أن المغطس ليس مجرد موقع أثري، بل هو النموذج الأردني الأصيل في التسامح والتعايش، وحاضنة لقيم المحبة والسلام التي دعا إليها المسيح عليه السلام. ومن خلال إطلاعنا على ما حواه الكتاب أمكن لنا التعرف على الأبعاد الآتية التي حملها هذا المطبوع النفيس:
أولا: البعد التاريخي والأثري: شواهد من أعماق الزمن
لقد استمد الكتاب من النصوص الإنجيلية أن موقع "بيت عنيا عبر الأردن" هو المكان الذي كان يوحنا المعمدان يبشر ويعمد فيه. وقد أثبتت الحفريات الأثرية التي بدأت عام 1996 على امتداد "وادي الخرار" أن هذه المنطقة هي ذاتها المذكورة في الإنجيل.فقد تم اكتشاف دير بيزنطي في موقع تل الخرار، إلى جانب كنائس تعود للفترة البيزنطية، مما يؤكد أن هذا الموقع كان مقصداً للحجاج المسيحيين منذ القرون الأولى للمسيحية.
يمتد الموقع على مساحة شاسعة تضم منطقتين أثريتين رئيسيتين: تل الخرار (المعروف أيضاً باسم جبل مار إلياس)، ومنطقة كنائس القديس يوحنا المعمدان. وتشير المكتشفات الأثرية إلى وجود ثلاث برك تعود للعهد الروماني، إحداها في المنحدر الغربي السفلي للتل يعود تاريخها إلى القرنين الثالث والرابع بعد الميلاد.
ثانيا: البعد الديني والروحي: مهد الرسالة المسيحية
أوضح الكتاب بأن المغطس يشكل قلباً نابضاً للتاريخ المسيحي، فهو المكان الذي انطلقت منه رسالة المسيح العلنية. وتتجلى قدسيته في كونه أحد أقدس ثلاثة مواقع في المسيحية، حيث يعتقد المسيحيون أنه موقع معمودية السيد المسيح. وقد دُشّن عام 2000 كمحطة رئيسة على طريق الحج المسيحي.
وتمتد القيمة الدينية للمنطقة إلى ما هو أبعد من موقع المعمودية، فهي تحتضن مدناً ذكرت في الكتاب المقدس مثل سدوم وعمورة وصوغر. فعلى مقربة منه يقع الكهف الذي لاذ إليه لوط وابنتاه، في منطقة تدعى صافي ("صوغر" بحسب الكتاب المقدس).
ثالثا: البعد الحضاري والإنساني: رمز للوئام والعيش المشترك
كشف الكتاب أن أهمية المغطس لا تنبع من كونه موقعاً أثرياً أو دينياً فحسب، بل لأنه يجمع في ثناياه أبعاداً روحية وحضارية وإنسانية ووطنية ومسكونية، جعلت منه رمزاً عالمياً للحوار والوئام الديني والعيش المشترك. فقد أكد البطريرك بييرباتيستا بيتسابالا أن المغطس يحمل رسالة الوحدة والمحبة، مشيراً إلى أن "الأردن أرض مقدسة ترحب بالحجاج من جميع أنحاء العالم".
ويجسد المغطس بصورة حيّة قيم العيش المشترك والتسامح الديني التي يقوم عليها الأردن، ويعكس الدور المحوري للمملكة في صون الإرث الديني. وقد تم تدشين أكبر كنيسة في الشرق الأوسط قرب المغطس، في رسالة واضحة للتسامح الديني والعيش المشترك بين مختلف الأديان والمذاهب.
رابعا: البعد الوطني والوصاية الهاشمية
أوضح الكتاب أن المغطس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدور التاريخي للأردن والوصاية الهاشمية على المقدسات. فقد أولت القيادة الهاشمية اهتماماً خاصاً بهذا الموقع المقدس، انطلاقاً من مسؤولياتها التاريخية في رعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية. وتتجلى هذه الرعاية في الافتتاح الملكي لجامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية في موقع عماد السيد المسيح، وفي دعم بناء الكنائس وتطوير البنية التحتية للموقع.
ومنذ ذكرى اليوبيل الفضي لعيد الجلوس الملكي، تأكدت مكانة المغطس كأحد الرموز الوطنية التي تعكس النموذج الأردني في التعايش الديني والتسامح. وقد احتفلت المملكة بهذه المناسبة من خلال فعاليات وطنية شملت دخولاً مجانياً إلى جميع المواقع، تأكيداً على رسالة الأردن في إتاحة المقدسات للجميع.
خامسا: دور سمو الأمير غازي بن محمد في تطوير المغطس
يولي سمو الأمير غازي بن محمد، كبير مستشاري جلالة الملك للشؤون الدينية والثقافية، اهتماماً كبيراً بتطوير موقع المغطس. فقد صدرت الإرادة الملكية بتعيين سموه رئيساً لمجلس أمناء موقع المعمودية، وهو الدور الذي اضطلع به سموه في الإشراف على تطوير الموقع ليصبح قادراً على استقبال آلاف الحجاج المسيحيين من مختلف الطوائف حول العالم.
وقد شارك سمو الأمير غازي في تدشين كنيسة معمودية المسيح اللاتينية، حيث أثنى البطريرك بيتسابالا على دعم سموه في بناء هذه الكنيسة المتميزة في الموقع المقدس. كما دعا الحجاج من جميع أنحاء العالم لزيارة هذه الكنيسة والموقع ومزارات الحج المسيحية الأخرى في الأردن.
سادسا: البعد التربوي والتعليمي
أبان الكتاب أن المغطس يمثل منصة تعليمية فريدة تجمع بين الروحانية والثقافة والتاريخ. وقد تجسد هذا البعد التربوي في إنشاء جامعة المغطس الأرثوذكسية الدولية، التي تهدف إلى نشر الثقافة الدينية والتسامح والتعايش المشترك. كما تم إنشاء مركز بحثي لدعم أنشطة الحفظ والتوثيق، وإدخال نظام تسجيل رقمي وتوثيق بالطائرات بدون طيار لتعزيز جمع البيانات.
وتُعد خريطة مادبا الفسيفسائية، التي توجد في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، أقدم خريطة مصوّرة عن الأردن وفلسطين ومصر. وتشكّل مدينة القدس مركزاً لها، وتظهر فيها مواقع عدة، مما يعكس البعد التربوي والتاريخي لهذه المنطقة التي تضم المغطس.
سابعا: السياحة الدينية: المغطس وجهة عالمية للحجاج
أكد الكتاب أن المغطس يمثل محطة حج عالمية قصدها المؤمنون والزوار من مختلف دول العالم. ويمثل الموقع واحداً من أبرز المواقع الدينية المسيحية التي تجذب آلاف الحجاج سنوياً.فهو يسهم إلى جانب مواقع أخرى مثل جبل نيبو ومادبا وأم الرصاص ومكاور في وضع الأردن على خارطة السياحة الدينية العالمية.
وقد تم توثيق 34 موقعاً للحج المسيحي في الأردن، مع إطلاق منصة لتوفير المعلومات والخدمات اللازمة للراغبين بزيارة هذه المواقع. وتوفر زيارة المغطس فرصة للتأمل والتواصل الروحي، حيث يقصد الحجاج الموقع سعياً لتجربة روحانية في مكان رويت أحداثه في الكتاب المقدس، أو للعودة إلى زمن بعيد وتأمل معالم التاريخ الكامنة فيه، أو حتى نيل المعمودية مثلما تعمد يسوع في الزمن البعيد.
ثامنا: الإرث العالمي: إدراج المغطس على قائمة اليونسكو
في عام 2015، استحق المغطس أن يُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ليصبح أحد الكنوز الإنسانية التي تستحق الحماية والصون. وقد صادقت لجنة التراث العالمي في دورتها التاسعة والثلاثين على إدراج "موقع المعمودية – بيت عنيا عبر الأردن (المغطس)". وأكد تقرير بعثة الاستشارات لعام 2025 أن القيمة العالمية الاستثنائية للموقع لا تزال سليمة، مدعومة بإدارة قوية في الموقع والحفاظ على صفات البرية والهيدرولوجيا.
ويضم الأردن سبعة مواقع على قائمة التراث العالمي، وخمسة عشر موقعاً في القائمة الإرشادية المؤقتة، مما يعكس غنى المملكة بالتراث الإنساني.
تاسعا: خاتمة
لا يمكن النظر إلى المغطس أنه مجرد موقع أثري أو ديني، بل هو شهادة حية على أصالة الوئام الديني والعيش المشترك التي يمثلها الأردن نموذجاً عالمياً. فهو يجمع بين قداسة المكان وقداسة الزمان، ويحمل في طياته أبعاداً دينية وحضارية وتاريخية وتربوية وإنسانية وسياحية، جعلت منه كنزا كنوز الأردن وإرثاً ملكاً للإنسانية جمعاء. وفي عصر تتصارع فيه الهويات وتتعدد الصراعات، يظل المغطس منارة للسلام والمحبة، وداعياً إلى الحوار والوئام، ومؤكداً أن الإيمان يمكن أن يكون جسراً للتواصل لا حاجزاً للفرقة.
إن هذا الجهد الفكري المتميز (الكتاب)، الذي جمع بين الدقة التاريخية والعمق الروحي والنظرة المستقبلية، يشكل إضافة نوعية ورصينة للمكتبة العربية والعالمية. فهو يُعد مرجعاً مهماً لكل باحث عن قيم الحوار والسلام، ويخلد بكل موضوعية دور الأردن الريادي في رعاية المقدسات وتعزيز الأخوة الإنسانية، بما يحقق المقاصد السامية للأديان في بناء جسور التفاهم بدلاً من حواجز التفرق. لهذا نثمن عالياً هذه المبادرة النبيلة، وندعو الله أن يبارك هذا العمل، وأن يكون شاهداً على أصالة الرسالة الأردنية في نشر ثقافة السلام والتعايش بين جميع أبناء البشرية.
#سعد_شاكر_شبلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟