|
|
إشكالية القول بخلق القرآن الكريم من عهد الخليفة العباسي المأمون إلى العصر الحديث
سعد شاكر شبلي
الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 23:52
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
خلق القرآن هو أحد أعظم الجدالات الفكرية في التاريخ الإسلامي. وقد دارت معركة فكرية حول هل القرآن قديم وأزلي (كلام الله وصفته غير المخلوقة)، أم محدث ومخلوق (خلقه الله في زمن معين)؟ وقبل الخوض في تفاصيل هذه القضية، لا بد من تدارس: هل يمكن لسؤال فلسفي بحت أن يقلب موازين دولة، ويسجن كبار العلماء، ويُراق دماء، ويبقى أثرُه حياً في كتب العقيدة لأكثر من اثني عشر قرناً؟ ، وهذا ما حدث بالضبط مع مسألة "خلق القرآن". فما إنْ وُلد هذا السؤال في الأوساط الفكرية، حتى تحول إلى فتيلٍ لأكبر محنةٍ عرفها التاريخ الإسلامي، محنةٌ جمعت بين السياسة والدين، بين السلطة والعلماء، بين العقل والنقل. ولم تكن هذه المسألة مجرد خلافٍ نظري، بل كانت معركةً وجوديةً حول ماهية كلام الله، وحول حدود سلطة الخليفة، وحول هوية المجتمع الإسلامي نفسه. يحاول هذا المقال، التنقل في رحلةٍ متكاملة، تبدأ من البذرة الأولى لهذه الفكرة، ثم العبور من جسر المحنة في عهدي المأمون والمعتصم، واستعراض مواقف الفرق الإسلامية المختلفة، ثم التوجه نحو كيف نظر العلماء المعاصرون – من السنة والشيعة – إلى هذه القضية، وفي الختام التوقف عند القول الراجح الذي استقرت عليه عقيدة جمهور الأمة. أولا: البذرة الأولى.. من أين جاءت فكرة "خلق القرآن"؟ يشار في نافلة القول أنه لكل فكرةٍ أصل، ولكل بدعةٍ رائد. ويُجمع مؤرخو الفرق على أن أول من نطق بفكرة أن القرآن مخلوق هو رجلٌ يُدعى (الجعد بن درهم)، وهو مفكر وعالم كلام إسلامي عاش أوائل القرن الثاني الهجري أي أواخر العصر الأموي. وقد تأثر الجعد ببعض الأفكار الفلسفية والجدلية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، خاصةً تلك التي تهدف إلى تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات بأي شكلٍ من الأشكال. ومنه تلقى الفكرة (الجهم بن صفوان)، وكنيته (أبو محرز الترمذي)، هو متكلم اشتهر بذكائه وقوة جداله. وعُرف بتبنيه لآراء فلسفية وكلامية أثارت جدلاً واسعاً، حيث خالف فيها علماء عصره، وانتهت حياته مقتولاً بسبب أفكاره، بعد أن قام بتوسيع الفكرة التي جاء بها (الجعد بن درهم) وبنى عليها مذهباً كاملاً ينفي صفات الله كلها، فسميت الفرقة باسمه (الجهمية). لكن فكرة (خلق القرآن) لم تلقَ قبولاً واسعاً في البداية، وظلت حبيسة الأوساط الجدلية حتى جاءت المعتزلة، تلك الفرقة العقلانية التي ازدهرت في العصر العباسي. حيث رأى المعتزلة أن القول بقدم القرآن – أي أنه غير مخلوق – يعني أن هناك شيئاً قديماً مع الله، وهذا عندهم يخل بوحدانية الله وتنزيهه. فقرروا أن القرآن، باعتباره كلاماً وحروفاً وأصواتاً، لا بد أن يكون حادثاً مخلوقاً، خلقه الله في اللوح المحفوظ ثم أنزله على نبيه. وهكذا، تحولت الفكرة من هامش الجدل الكلامي إلى قلب العقيدة، وأصبحت مستعدة لأن تكون أداةً في أيدي الخلفاء. ثانيا: فكرة خلق القرآن في عهد الخليفة العباسي المأمون وعند الانتقال إلى المشهد الأهم. ففي بداية القرن التاسع الميلادي. ازدهرت بغداد علمياً وعمرانياً تحت جناحي الدولة العباسية، وسرعان ما عاشت منهكة بحرب أهلية شرسة بين الأخوين الأمين والمأمون، انتهت بمقتل الأمين وخلافة المأمون الذي وجد نفسه على رأس دولةٍ مفككة، ونفوذ الفقهاء والمحدثين يتعاظم، وهم يمثلون السلطة الدينية الموازية التي لا تخضع له. هنا برزت عبقرية المأمون السياسية، بل دهاؤه. فقد رأى أن الطريق الأمثل لبسط سلطته يتطلب فرض مذهبٍ عقائديٍّ رسمي على الناس، مذهبٍ يضعه هو في موقع المقرر والمشرع، لا هم. والمذهب الذي اختاره كان مذهب المعتزلة، وموضوع المعركة كان "خلق القرآن". وعلى الرغم من أنه لم يكن مقتنعاً بهذا المذهب بالضرورة، لكنه كان أداةً مثالية لكسر شوكة الفقهاء الذين كانوا يرفضون هذا القول. ففي عام 218هـ (833م)، أعلن المأمون رسمياً تبنيه القول بخلق القرآن. وحينذاك بدأت المحنة. فكتب المأمون من خراسان حيث تنقلت مراكز حكمه خلال فترة خلافته خراسان وبغداد وطرسوس، فكتب إلى نائبه في بغداد يأمره بأن يمتحن القضاة والمحدثين، فلا يُقبل قضاء قاضٍ ولا شهادة شاهدٍ إلا بعد أن يقرَّ بأن القرآن مخلوق. أولئك الذين أجابوا، حفظوا مناصبهم وأرواحهم. أما الذين رفضوا، فقد حلّ بهم العذاب. وواجه المأمون مقاومةً عنيدة من نخبة المحدثين. استدعى سبعةً من كبارهم، ومنهم يحيى بن معين ومحمد بن سعد كاتب الواقدي، وسألهم عن القرآن. فكان ردهم واحداً: أَقَـرُّوا جميعاً بخلق القرآن مكرهين خوفاً على حياتهم. لكن رجلاً واحداً رفض أن يزيغ قيد أنملة، وكان ذلك الرجل هو الإمام أحمد بن حنبل مؤسس المذهب الحنبلي أحد مذاهب أهل السنة الذي عاش ومات في بغداد. ثالثا: صمود الإمام أحمد في وجه المعتصم قبل أن يصل الإمام أحمد إلى المأمون، مات الخليفة في طرسوس عام 218هـ، وتولى الخلافة من بعده أخوه المعتصم. وكان المعتصم على عقيدة أخيه، وأصر على مواصلة المحنة. فأُحضر الإمام أحمد مقيداً بالسلاسل إلى مجلس الخليفة المعتصم، في مشهد مهيب أراد منه المعتصم أن يكون عبرةً لكل من تسول له نفسه معارضة الخليفة. جلس المعتصم على كرسيه، وأحاط به كبار القضاة والمتكلمين، وفي مقدمتهم أحمد بن أبي دؤاد، قاضي القضاة، الذي كان لسان المعتزلة في تلك الفترة. وبدأت المناظرة. حاول ابن أبي دؤاد أن يوقع الإمام أحمد في شباكه، يسأله: "ما تقول في القرآن؟" فيجيبه الإمام بثبات: "كلام الله، غير مخلوق". كرر السؤال، وأعاد الإمام الجواب. حاول أن يلف ويدور، لكن الإمام كان ثابتاً كالجبل، يرد ببساطةٍ وحجةٍ لا قبل لهم بها. ويقول المؤرخون: إن المعتصم أمر بضرب الإمام أحمد ضرباً مبرحاً، حتى ظنّ الناس أنه مات. ثم أُلقي في السجن مكبلاً بالحديد. لكن كل هذا لم يكسِر عزمه. ظل صامداً، رمزاً للعقيدة التي لا تَشترى ولا تُرهب. واستمرت المحنة في عهد الخليفة العباسي الواثق أيضاً، ولكن نهايتها كانت على يد الخليفة المتوكل، الذي كان محباً للسنة وأهلها، فأمر برفع المحنة عام 234هـ، وأطلق سراح الإمام أحمد، وأكرمه وأعزه. هكذا انتهت هذه الفترة التي قيل بأنها كانت مظلمة، لكن آثارها بقيت في وجدان الأمة. رابعا: مواقف الفرق الإسلامية بعد أن تبين السياق التاريخي، لا بد الآن من تلخيص مواقف الفرق المختلفة من هذه القضية، لأنها تمثل الخريطة العقدية الكاملة لهذا الخلاف. 1. أهل السنة والجماعة (القول الراجح): يمثل هذا المذهب عقيدة جمهور الأمة وسلفها الصالح. يقول أهل السنة: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفات الله الذاتية، قديمة أزلية، منه بدأ وإليه يعود. ومن قال إنه مخلوق فقد قال ببدعة وضلالة. أقوال أئمتهم: • الإمام مالك: قال: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر زنديق". • الإمام الشافعي: قال: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر". • الإمام أحمد: قال: "القرآن كلام الله، ليس بمخلوق، فمن زعم أنه مخلوق فهو جهمي كافر". أدلتهم: • من القرآن:} وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ{ (التوبة: 6)، فأضاف الكلام إلى نفسه إضافة حقيقية. • والآية التي فرقت بين الخلق والأمر:} أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ{ (الأعراف: 54). فالخلق فعل، والأمر قول، والقرآن من جنس الأمر لا الخلق. 2. المعتزلة (المخالف الأول): هم الذين تبنوا القول بخلق القرآن صراحةً، وجعلوه ركناً من أركان مذهبهم. قالوا: القرآن محدث مخلوق، خلقه الله في اللوح المحفوظ، وليس صفةً من صفاته. - سبب قولهم: تنزيه الله - في زعمهم - عن أن تكون له صفة قديمة معه، فقالوا: لو كان القرآن قديماً لكان مع الله قديماً، وهذا يقتضي تعدد القدماء. - الرد عليهم: يرد أهل السنة بأن صفات الله قائمة بذاته، ليست منفصلة عنه، فلا يلزم تعدد القدماء. ولو كان القرآن مخلوقاً، لاحتاج إلى أمر "كن" ليُخلق، وهذا الأمر يحتاج إلى أمر آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. 3. الأشاعرة (الموقف التوفيقي): حاول الأشاعرة التوفيق بين الفريقين، فقالوا بإثبات "كلام نفسي" قديم غير مخلوق، هو المعنى القائم بذات الله. أما الألفاظ والحروف التي نقرؤها في المصحف فهي مخلوقة عندهم. وهذا القول وإن كان يخالف المعتزلة في إثبات معنى قديم، إلا أنه وافقهم في القول بخلق الألفاظ، وهو ما أنكره عليهم السلف بشدة. 4. الجهمية (الموقف المتطرف): هم أصل الإشكالية، قالوا بخلق القرآن، بل ونفوا صفة الكلام عن الله أصلاً، وزعموا أن الله لا يتكلم حقيقة، وأن القرآن استعارةٌ لإرادته. وهذا القول يؤدي إلى تعطيل صفات الله، وهو كفر بإجماع السلف. 5. الشيعة الإمامية (الاثنا عشرية): تبنى كثير من علماء الشيعة الإمامية القول بخلق القرآن. وقد خصص العلامة المجلسي في كتابه "بحار الأنوار" باباً بعنوان "باب أن القرآن مخلوق". ويرويون عن الإمام العسكري أنه قال: "يا أبا هاشم، الله خلق كل شيء وما سواه مخلوق". - محاولات التأويل: حاول بعض متأخري الشيعة تأويل هذه الأقوال بأنها صدرت تقية، أو أن القضية برمتها كانت سياسية، لكن هذا مردود بأن السلف حين قالوا "القرآن غير مخلوق" كان رداً على المعتزلة، ولم تكن المسألة سياسية بحتة. 6. الزيدية والإباضية • الزيدية: وافقوا المعتزلة في هذه المسألة، وقالوا بخلق القرآن. • الإباضية: اختلفوا قديماً، لكن المعاصرين منهم يتبنون القول بخلق القرآن، ويستدلون بآيات النزول كقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر: 1). خامسا: رأي العلماء المعاصرين؟ بعد أن استقرت الأمور في كتب العقيدة، كيف نظر علماء العصر الحديث إلى هذه القضية؟ وهل تغير شيء؟ 1. علماء السنة المعاصرون: جمهور علماء السنة المعاصرين، من مختلف المذاهب الفقهية، على إجماعٍ تام على أن القرآن كلام الل غير مخلوق، وأن هذا هو مذهب السلف الصحيح. يرفضون أي حديث عن خلقه، ويعتبرون القول بذلك بدعةً وكفراً. أبرز الأصوات السنية المعاصرة: • الشيخ عبد العزيز بن باز (رحمه الله): كان يرى أن القول بخلق القرآن كفر أكبر، لأنه إنكارٌ لكونه كلام الله. • الشيخ محمد بن عثيمين (رحمه الله): أكد على أن القرآن كلام الله حقيقة، غير مخلوق، وأن من قال بخلقه فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً. • هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، ومجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، جميعهم على هذا القول. • الدكتور يوسف القرضاوي (رحمه الله): كان يكرر في محاضراته أن الإيمان بأن القرآن كلام الله غير مخلوق هو من صميم عقيدة أهل السنة. المسألة الأشعرية المعاصرة: لا يزال الأشاعرة المعاصرون، وعلى رأسهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، يتبنون المذهب الأشعري في التفريق بين الكلام النفسي القديم والألفاظ المخلوقة. وهذا الموقف يلقى نقداً من السلفيين المعاصرين الذين يرون فيه بقيةً من بدعة المعتزلة. 2. علماء الشيعة المعاصرون: أما الشيعة الإمامية، فموقفهم المعاصر لا يختلف كثيراً عن موقف قدمائهم. لا يزال القول بخلق القرآن هو المذهب الرسمي في كتبهم العقدية. أبرز الأصوات الشيعية المعاصرة: • المرجعية الشيعية في النجف: يُقرّ فقهاء الشيعة، وعلى رأسهم السيد علي السيستاني، بأن القرآن مخلوق، وأنه ليس بقديم، استناداً إلى الروايات المأثورة عن أئمتهم. • المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي: لم يصرح هو شخصياً في خطبه بهذه المسألة بشكل مباشر، لكنه يتبنى المذهب الشيعي الإمامي في العقيدة، والذي يتضمن القول بخلق القرآن. • العلامة محمد باقر المجلسي في كتبه، والتي لا تزال مرجعاً للشيعة، يقرر بصراحة أن القرآن مخلوق. خلاصة الموقف الشيعي المعاصر: هم على استمرارٍ مع قدمائهم في القول بخلق القرآن، دون تردد، ويعتبرون ذلك من صريح عقيدتهم. ا لقول الراجح، الذي استقرت عليه عقيدة جمهور الأمة وسلفها الصالح، هو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه صفة من صفات الله الذاتية، قديمة أزلية، منه بدأ وإليه يعود. أسباب الترجيح: 1. اتفاق السلف الصالح: لم يختلف الصحابة والتابعون والأئمة الأربعة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق. 2. دلالة النصوص: النصوص القرآنية والأحاديث النبوية تثبت أن القرآن كلام الله، والكلام صفة، والصفة لا تخلق. 3. الرد على الشبهات: شبهة المعتزلة بأن "كُلِّ شَيْءٍ" في الآية يدخل فيه القرآن، مردودة بأن "كُلِّ شَيْءٍ" لا يدخل فيه صفات الله، وإلا لزم أن يكون الله مخلوقاً لأنه موصوف بها. 4. السلامة العقلية: القول بخلق القرآن يؤدي إلى تعطيل صفة الكلام الإلهي، وإلى التسلسل في الأوامر، وهو باطل عقلاً ونقلاً. خلاصة الحكم: القول بخلق القرآن هو بدعة وكفر بإجماع السلف. لكن تكفير المعين لا يقع إلا بعد قيام الحجة وثبوت الشروط وانتفاء الموانع. سادسا: الإنجيل والعهد القديم في الميزان المسيحي في المسيحية، لا يُطرح مصطلح "مخلوق" أو "غير مخلوق" على الكتاب المقدس (الإنجيل والعهد القديم) بالطريقة التي يُناقش بها في عقائد أخرى. المفهوم المسيحي الثابت هو أن الإنجيل عبارة عن "كلمة الله الموحى بها"، والتي كُتبت بأقلام بشرية (التلاميذ والرسل) بإرشاد وتوجيه من الروح القدس. وتبدو تفاصيل هذه النظرة من خلال : • الوحي والإرشاد الإلهي : تؤمن الكنائس المسيحية أن الله أوحى بكلمته، أي أن كتّاب الأناجيل كتبوا الرسالة الإلهية بدقة تامة، مستخدمين أسلوبهم البشري الخاص ولكن تحت تأثير وحفظ الروح القدس، لتكون النتيجة هي كلمة الله المعصومة من الخطأ. • الكلمة المتجسد: الجدير بالذكر أن وصف "غير مخلوق" في المسيحية يُطلق بشكل رئيسي وحصري على يسوع المسيح نفسه (الكلمة الأزلية لله)، كما جاء في قانون الإيمان: "نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور... إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له جوهر واحد مع الآب". • الطبيعة المزدوجة: الكتاب المقدس بعهديه (القديم والجديد) هو كلمة الله المكتوبة، وهو يحمل طبيعة مزدوجة؛ فهو إلهي في مصدره ومحتواه، وبشري في وسيلة تدوينه ونقله. وللإنصاف، لا بد أن ننظر كيف ينظر المسيحيون إلى كتابهم المقدس في هذه المسألة، لكن مع التنبيه إلى أن السؤال مختلف جذرياً. في العقيدة المسيحية، لا يُطرح سؤال "هل الإنجيل مخلوق؟" بنفس الطريقة، لأن: • "الكلمة" (اللوغوس) في المسيحية هو أقنوم (شخص) إلهي، وهو الأقنوم الثاني من الثالوث، وهو أزلي غير مخلوق، "مولود غير مخلوق" كما في قانون الإيمان النيقاوي. يقول إنجيل يوحنا: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله" (يوحنا 1: 1). • أما الأناجيل المكتوبة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا)، فهي عندهم كتب بأيدي البشر، بإلهام من الروح القدس، وهي مخلوقة وحادثة، وليست أزلية. إذن، الفرق جوهري: المسلمون يعتقدون أن القرآن كلام الله بلفظه ومعناه، صفة من صفاته. أما المسيحيون فيعتقدون أن "الكلمة" هو المسيح نفسه، الأزلي غير المخلوق، وأن الكتب مجرد وسائل بشرية ملهمة. الخلاصة والمقارنة مع الموقف الإسلامي لتوضيح الفرق الجوهري بين الموقفين، يمكن تلخيصه في التالي: 1. كلمة الله أ. في الإسلام : هي القرآن الكريم، كلام الله المنزل، وهو صفة من صفات الله. ب. في المسيحية: هو أقنوم "الابن" (السيد المسيح)، وهو الله المتجسد، وليس صفة. 2. الأزلية وعدم الخلق أ. في الإسلام : هو القرآن غير مخلوق، وهو صفة أزلية من صفات الله. ب. في المسيحية: الكلمة" (المسيح) غير مخلوق، وهو أزلي "مولود غير مخلوق". 3. الكتاب المكتوب أ. في الإسلام :المصحف هو اللفظ المكتوب للقرآن، وهو غير مخلوق أيضًا عند أهل السنة. ب. في المسيحية: الأناجيل والرسائل هي كتب مدونة ومُلهمة، وليست أزلية بذاتها. 4. طبيعة العلاقة أ. في الإسلام القرآن الكريم هو كلام الله المعجز، المنزل على النبي محمد ﷺ. ب. في المسيحية: المسيح هو "الكلمة" المتجسد، والكتاب المقدس هو شهادة البشر عنه. إذن: المسيحيون لا يقولون بخلق "الكلمة" (المسيح)، بل يعتقدون أنه أزلي غير مخلوق. ولكنهم لا يقولون بأزلية الأناجيل المكتوبة، فهي عندهم كتب ملهمة وموحى بها، دُوّنت في الزمن.
#سعد_شاكر_شبلي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انقسام المشهد العربي وتداعيات المواجهة في منطقة الخليج العرب
...
-
الديانة الإبراهيمية الجديدة واتفاقات ابراهام: جدلية التقارب
...
-
حوار علمي هادف في قضايا دينية.. عرض وتحليل
-
بين الفتوى والقانون: عندما تبيح -مجهولية المالك- الاستيلاء ع
...
-
دلالات الحنين إلى مرابع الصبا والشباب
-
جزيرة جرينلاند
-
مصطلح سياسي
-
العالم فوق صفيح ساخن - ج3 / كوريا الشمالية: لاعب غير تقليدي
...
-
العالم فوق صفيح ساخن – الجزء 2 / مكانة الصين على المستوى الع
...
-
العالم فوق صفيح ساخن – ج1
-
نظرة على السلوك الأمريكي في إثارة الأزمات في العالم
-
قضية انتقال القواعد القانونية من صيغ الظروف العادية إلى الظر
...
-
يا نفس هوني
-
عبرات في عالم الإنسان.... ج2
-
عبارات في عالم الإنسان - ج1
-
أبْرارٌ مِن بَنِي شَمَّرْ
-
يراودني الردى من قريب
-
اقصوصة الليل 2
-
سيد الشهداء
-
اقصوصة الليل 1
المزيد.....
-
بين -الدولة الإسلامية- و-فلول الأسد-.. تباين القراءات حول ان
...
-
وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية: استشهاد قائد
...
-
وزارة الدفاع الإيرانية: ستكون هذه المشاركة تجديدًا للعهد وال
...
-
القدس المحتلة.. تصاعد خطير باستهداف المسيحيين ومقدساتهم
-
انشقاق يهدد الكنيسة الكاثوليكية بعد تحدي جماعة تقليدية لسلطة
...
-
تقرير إسرائيلي: البيانات الرسمية تكشف عن تغير تدريجي -زاحف-
...
-
الضفة.. إسرائيل تباشر عمليات هدم في سلفيت وبيت لحم والأغوار
...
-
-أخجل من هذا العار-.. البرادعي ينتقد الدول العربية والإسلامي
...
-
عبد المسيح طانيوس.. مسيحي اعتقله الأسد بتهمة الانضمام للإخوا
...
-
طهران تستعد لمراسم تشييع المرشد الأعلى السابق آية الله علي خ
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|