عباس عبود سالم
كاتب وإعلامي
الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 18:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في سنة 1987م أي بعد 7 سنوات من الحرب العراقية الإيرانية، وبينما كانت الإذاعة العراقية تصدح ب(بيانات النصر)، و(اناشيد الفخر)، كان المشهد على الأرض مختلف عن مايذاع عبر الاثير، او مايظهر على قناة التلفزيون الوحيدة، فقد كانت الأمهات يجلسن على اعتاب منازلهن بانتظار فلذات اكبادهن القادمون من الحرب، اما بتابوت يصل باب المنزل محمولا على سيارة اجرة، او جسد منهك بروح محطمة، او هارب من موت محقق الى موت مؤجل.
وكنت اشهد معاناة الناس من حولي وبؤسهم واحباطهم واحساسهم بالمرارة، إحساس يعم السواد الأعظم من عائلات العراق، وكنت طالبا في المرحلة الجامعية الأولى حيث تعرفت على الكثير من الأصدقاء الذين يحملون بداخلهم كلمات مسجونة ومشاريع مؤجلة، وأفكار مختنقة، لايبوحون بها الا لمن هو اهل للثقة، وشاءت المصادفات ان يدعوني احد زملائي الى مرافقته للذهاب الى نادي العلوية، فقد حصل على عمل بصفة (كهربائي) في هذا النادي، بعد ان توسط له احد أساتذة قسمنا (قسم الفيزياء) المتنفذين يومها، ولولا هذا الأستاذ لترك زميلي الدراسة بسبب وضعه المالي.
وعندما دخلت مع زميلي، الى النادي مساء احدى ليالي بغداد الخريفية، لم اجد في هذا الجزء من بغداد، بغداد التي اعرفها، ولم أرى فيه العراق الذي اعرفه بالتلفزيون، واحاديث النصر والشموخ والكبرياء، التي ترافق صور الجنود وتراب المعارك المختلط بالدخان، او العراق الذي اعيشه في حياتي اليومية واقرأه في وجوه الايتام ولوعة الفقراء واحباط العمال، وبؤس الجنود العائدين من جبهة القتال.
وجدت وجوه أخرى مترفة لرجال مهندمون يتابطون خصور نساء في منتهى الاناقة، وموائد تزاحمت عليها اطباق الطعام مع زجاجات الخمور وهي تتوسط اصناف الفواكه التي لم تكن متوفرة بكثرة في الأسواق الشعبية، وفي القاعة الأخرى مجالس انس وحفلات رقص وصخب موسيقى، تجولت في قاعات النادي ولم اجد اثرا للاناشيد الحماسية او بيانات الحرب او أي صور تذكرني بقوافل الجنائز او نواح العجائز التي اراها خارج هذا المكان.
في تلك اللحظات احسست ان هناك عراقان، عراق لعامة الشعب وانا منهم، وعراق للخاصة وهم شعب القيادة المختار، حينها عدت الى البيت وتذكرت اني احتفظ في غرفتي بصورتين لم يفارقاني الى اليوم، وفيهما اختصار لعذابات الانسان وطريقه الى العدالة والخلاص من الظلم، الأولى للامام علي بن ابي طالب عليه السلام رمزا للعدالة وللالهام الروحي عبر الأزمنة والعصور، والأخرى لارنستو تشي جيفارا رمزا للثورة العالمية الدائمة على الراسمالية واستغلال الانسان للإنسان باسم الديموقراطية واشياء أخرى.
في سنة 1992م بعد عامين من الحصار استاجرت محلا ابيع فيه ماركات العطور المستوردة في منطقة يسكنها كبار القضاة وضباط الشرطة ونخب المجتمع، كان الشارع يزهو بسيارات المارسيدس ومظاهر الترف والرخاء، حيث حدثني احدهم عن امتلاك والده ست سيارات مارسيدس بست الوان لانه ينسق لون البدلة مع لون السيارة، ودفع لي احدهم مبلع 600 دولار من اجل ان يحصل على عطر (بويزن) من (كريستيان ديور) بعبوة لايتجاوز ثمنها 80 دولارا شرط ان اوفر له الماركة الاصلية، لانه العطر المفضل لمن قرر تقديمه هدية لها.
وكنت كل يوم أعيش مثل هذه المواقف في محلي الواقع وسط طبقة لا انتمي لها، وعندما اعود الى منزلنا في الشعلة يتجسد امامي الاختلاف الطبقي الهائل بين طبقة تعيش في منازل صغيرة مهملة وتتحرك في ازقة ضيقة وتعمل وتنمو وتجاهد من اجل الغذاء او الدواء، وطبقة تجاوزت لقمة العيش الى نمط العيش وفنون الثراء، وادخل غرفتي لاحاول الإجابة على أسئلة وجودية كثيرة في مقدمتها ماذا على الانسان ان يفعل في مواجهة الظلم المزدوج، طغيان السلطة وجبروت الطبقية، وغياب إحساس الانسان بآلام أخيه الانسان.
تكرر هذا الموقف واكتشفت انني لست وحدي من يشكو حال العراق وما يعيشه من محنة طبقية، وانا استمع الى أستاذ الفكر السياسي سنة 1995م تحت سقف كلية العلوم السياسية جامعة بغداد في ذروة سنوات الحصار الذي اذاق الشعب مرارة الجوع والحرمان، قال لنا الأستاذ انه (خاطب الله) بعد ان خرج من معرض للسيارات يمتلكه احد أصدقائه في معارض البياع، لكن لماذا؟
قال الأستاذ: انه كان جالسا في المعرض واشترى احدهم ثلاث سيارات (سوبر هارتوب) بالوان مختلفة ومن موديل واحد، ودفع ثمن السيارات الثلاث عدا ونقدا، لكن بعد ان كتابة عقد البيع والشراء مع صاحب المعرض، طلب الرجل الاستعانة ب(الاستنبة) كي (يبصم) على العقد بدل التوقيع، فهو لايعرف القراءة والكتابة! ولايعرف حتى كتابة اول حرف من اسمه!
وليست المشكلة هنا، بل والكلام للأستاذ، يقول انه عندما خرج من المعرض أراد ان يشتري علبة سكائر، وصدم بان من يبيع السكائر في باب المعرض هو احد طلبة الدراسات العليا في كلية العلوم السياسية، هنا توجه الدكتور الى الله، انظر لنا يا الله ، ماذا حل بنا..رجل امي يشتري سيارات بالجملة من اجل المظاهر وباحث اكاديمي يبيع السكائر!!
واذكر احدهم الذي كان يتجول في الازقة في عربة يجرها حمار لشراء المواد المستعملة، كان يمتلك حنجرة لا يتعبها الصياح، ويمتلك قدرة عجيبة في بخس الأشياء وكسر قيمتها وانتزاعها من أصحابها باثمان زهيدة، فقد كان احد الوجوه البشعة لفئة ظهرت من بين الناس واعتاشت على معاناتهم أيام الحصار.
لا اريد استعراض مشاهد مرت علي من لوعة الحرب وبؤس الحصار، انا الان في شهر تموز عام 2026م وتذكرت كلمات استاذي وشكواه الى الله اكثر من ثلاث عقود.
أقول: انظر لنا يا الله ماذا حل بنا، نحن عبادك وعيالك الذين قلت فينا ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)،
لقد فرح الشعب بسقوط نظام صدام لاسباب كثيرة ابرزها ماحل بالمجمتع من ظلم طبقي، فمن حق العراقيون ان يحلموا بالرفاهية والعدالة، لكن حكامهم الجدد اختاروا لانفسهم ان يكونوا مثل نابليون وسنوبل وسكويلر وجونز ابطال رواية "مزرعة الحيوان" لجورج ارويل، فحكامنا استعاروا الكثير من ثقافة الماضي واصبحوا يحرصون على مواكبهم وحراسهم وحواشيهم الخاصة، وتركوا عامة الشعب للتجنيد وحمل السلاح والدفاع والهتاف مقابل لقمة عيش مؤقتة.
تدهورت مستشفيات ومدارس الدولة التي كانت شبه مجانية، وامتلأت البلاد بالمستشفيات الخاصة والمدارس الخاصة والمجمعات الخاصة، التي يتكلها راسماليون بشعون لاهم لهم سوى الربح، وتكونت طبقات خاصة، اما العامة فتضاعف بؤسهم وتضاعف فقر الفقراء.
وماذا يفعل السياسيون اكثر من القاء اللوم على بعضهم البعض، او احالتنا الى الماضي حيث السبب، او الى المستقبل حيث الحل، او القاء اللوم على الشعب أحيانا، السياسيون الذين يستخدمون الدين كقناع، والمقدسات كغطاء لسرقاتهم وصمتهم على السرقة وليتهم سرقوا المال وحده.
انهم سرقوا الفرحة من قلوب الناس، وسرقوا الامل الذي كنا نعيشه، فلم يعد لدينا امل بإصلاح ..
وسرقوا الأمان النفسي فلم نعد ننعم بالأمان.. ونحن نعيش الاحباط كل يوم، ونرى حجم الأموال الهائلة التي يدفنها اراذل القوم في جحور تحت الأرض، او في جوف جدران منازلهم، بينما تكرر نشرات الاخبار في خبرها الأول عن جهود الحكومة ومساعيها للتخلص من تضخم الموظفين! ومن عجز الموازنة!
أي دولة تنسى اللصوص وتتذكر صغار موظفيها الذين عادة ماتحملهم اخفاق خططها الإدارية والمالية!!
بينما يحمل الخبر الثاني جهود الحراس الحكوميين في قمع الشباب المتظاهر الباحث عن فرصة عمل بخراطيم المياه والعصي الكهربائية، ثم تعليق عن أهمية العمل في القطاع الخاص كما الدول المتقدمة!!
ثم خبر عن اجراءات الحكومة في رفع الضرائب وحرمان جزء كبير من الموظفين من الحصة التموينية، وخطتها الإصلاحية في رفع سعر البنزين ورفع الدعم الحكومي عن السلع، وإعلان التقشف وربما الإفلاس!!
وفي نهاية كل شهر كانت وزارة المالية تعلن البشرى للشعب بانها تمكنت من تامين رواتب هذا الشهر.
لم تنتهي نشرة الاخبار ففي النشرة الرياضية الرئيس يخصص هبات مالية كبرى لاعضاء المنتخب الوطني لكرة القدم، وفي الاخبار الفنية إقامة مهرجان لاستقبال مئات الفنانين العرب المتقاعدين وتركيمهم، ومن التلفزيون الى مواقع التواصل الاجتماعي حيث تتكدس الإعلانات عن مراكز تجميل ومطاعم وعاهرات يلبسن ثياب العفة ويتحدثن عن هذايا تصلهن من مجوهرات وسيارات.
ويبقى المواطن العراقي حائرا في المقارنات والتحليل والانتظار وهو يرى تلك الحكومة التي كانت تدفن اسرارها مع كنوز الذي وظفته لادارة مصفى بيجي، لنكتشف اليوم ان الكتلة النقدية نائمة في أحضان من كانوا يصدحون ليل نهار بالمطالبة بحقوق الناس، الم يخجلوا من الشهداء الذين قدموا حياتهم من اجل حماية هذا مصفى الذي كل متر فيه له رمزية وعلياء، كيف سلموا هذا المصفى الذي عاش تاريخ الجهاد العراقي وبطولات أبنائه الى لص تافه يسرق كتل المال ويدفنها بمباركة من نصبه ومن دعمه ومن رعاه.
هكذا تخدعون الناس، والناس في العراق دفعوا فاتورة غبائكم وكانوا وقودا للسيارات المفخخة، والناس دافعوا عنكم وحصنوكم، و تسابقوا على صناديق الاقتراع منذ اول انتخابات، رغم التهديد والوعيد كي يجسلوكم على مقاعدكم التي تتوهمون انها عروش مخلدة.
وبعد اربع عقود من مرافقتي لطالب الفيزياء الذي حصل على وظيفة كهربائي في نادي العلوية، والامي الذي يهوى جمع السيارات الحديثة، وطالب الدراسات العليا في السياسة الذي يبيع السكائر، أبنائهم مازلوا كما الإباء أبنائهم المجاهد الذي يموت من اجل مصفى بيجي، ثم ينعم بخيراته اشخاص هم امتداد لصاحبي الذي دفع 600 دولار ثمنا لعطر لاتتجاوز قيمته خمس هذا المبلغ، والأخر الذي يقتني السيارات لتلائم الوان ملابسه، او ذلك الامي الذي فجر الألم في قلب استاذي في الجامعة، نعم انهم كهم كما كانوا لكنهم تمددا اكثر وتمادوا اكثر اللص والتافه والمزور امتداد أرى ان العراق قصة تتكرر، فقد تضاعفت الأعداد، اعداد هذه العينات من شعب العراق، تضاعف الايتام والمعدمين وتضاعف المرضى والمساكين، وتضاعف الباحثين عن فرصة، وعن لقمة عيش، وعن قدرة على تسديد فاتورة مستشفى او قسط جامعة او تكاليف البقاء في مدرسة ملائمة.
لانريد منكم ان تصدعو رؤسنا بالحديث عن الصراع المذهبي او مزايا الخلاص من الديكتاتورية، او مقارعة الاستعمار وترسيخ الاستحمار، ولا عن إصلاحات مخادعة، لاتشرحوا لنا مدارس الاقتصاد ومذاهب الدين والسياسة، لقد اكتفينا بما سمعناه منكم وعشناه معكم.
انكم تكررون لعبة الامس التي كان يمارسها الطغاة، ونجحتم في شطر الشعب الى نصفين شعبكم المختار الذي ينعم بالمال والرفاهية وشعبنا المظلوم الذي يتحمل اخطائكم وهفواتكم وتجاوزاتكم ويدفع الضرائب دما ومالا وسنوات تضيع من اعمارنا بسبب تفاهتكم وانانيتكم أيها الدخلاء على السياسة والمتطفلين على الديموقراطية.
مايرديه الشعب ان يعود سيدا على خيراته التي وهبها الله لهذه الارض وسكانها..
مايريده الشعب ان يعيش كريما بالكرامة التي تؤمن له الحياة لا بتعريفكم المشوه للكرامة..
فمازال صديقي يعمل كهربائيا في ورشة صغيرة بحي شعبي ويكدح طوال النهار رغم امراضه المزمنة، ومازال طالب الدراسات العليا الذي كان يبيع السكائر يبحث عن سكن يحرره من متلازمة الايجار رغم انه اصبح أستاذا جامعيا، اما الثري الذي اشترى السيارات من معارض البياع فارق الحياة وترك أولاد لم يتجاوز اشطرهم مرحلة المتوسطة، لكنهم اليوم يمتلكون أنواع الشهادات العليا في الاقتصاد والسياسة، اما صاحب العربة التي يجرها الحمار فقد اصبح وجها مهما، يتنقل بين الأحزاب ويبرم الصفقات وينتقد فساد أنظمة وشخصيات تهمشه ويهلل لصلاح انظمة وشخصيات تقربه وترفع من قيمته المعدومة التي تحولت الى قيمة راسمالية تطمح لدخول البرلمان، من أوسع ابوابه.
#عباس_عبود_سالم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟