أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الدين الترايبي - كرة القدم بين الوهم الاجتماعي والعنف الرمزي من داخل المجتمع المغربي















المزيد.....

كرة القدم بين الوهم الاجتماعي والعنف الرمزي من داخل المجتمع المغربي


جمال الدين الترايبي

الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 21:12
المحور: قضايا ثقافية
    


مما شك فيه أن كرة القدم تبدو اعترافا اجتماعيا لمجتمع يعيش داخل تناقضات الواقع المغربي. إنه لا يرفض المنتخب، ولا يحتقر الفرح الجماعي، لكنه بعد تسعون دقيقة يرجع الإحباط والتعاسة إلى حالهما. وهنا يبدأ السؤال : "هل تشجع المنتخب؟" بل أصبح: لماذا يحتاج المجتمع إلى هذا القدر من الانتصار الرياضي؟
بحيث أن الأفكار السائدة في أي مجتمع ليست بريئة، وإنما ترتبط دائما بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج. فحين يعجز الإنسان عن التحكم في شروط حياته اليومية، يبحث عن فضاءات يشعر فيها بالقوة والانتصار ولو بشكل رمزي. كرة القدم واحدة من هذه الفضاءات. فالعامل الذي يتقاضى أجرا لا يكفيه إلى منتصف الشهر، والعاطل الذي يحمل شهادة جامعية منذ سنوات، والموظف الذي يرهقه الغلاء، يجدون جميعا أنفسهم فجأة منتصرين عندما يهزم المنتخب قوة كروية مثل إسبانيا أو البرتغال أو البرازيل.
هذا لا يعني أن حب المنتخب مجرد خداع، بل يعني أن المجتمع يمنح لهذه الانتصارات معاني تتجاوز الرياضة نفسها. فالفوز لا يصبح مجرد ثلاثة أهداف، بل يصبح إثباتا بأن "المغاربة قادرون". لذلك نسمع عبارات من قبيل: "لقناهم درسا"، "نحن أفضل منهم"، وكأن مباراة كرة القدم أصبحت معركة حضارية من جهة أخرى، فالاقتصاد وحده، لا يبرر الإقصاء والتعاسة بل الهيمنة الثقافية والبروبوغندا الاعلامية التي يروجها النظام والمتمثل في الإستثمار لكرة القدم وتهميش الصحة والتعليم والشغل...الخ على وبالتالي فهو عنف رمزي؛ أي ذلك النوع من السيطرة الذي لا يحتاج إلى السلاح، لأن المجتمع يقبلونه ويعيدون إنتاجه بأنفسهم. ففي المغرب، تتحول كرة القدم إلى لحظة يذوب فيها الجميع داخل هوية وطنية واحدة، فيختفي - مؤقتا - الفرق بين صاحب الفيلا في السويسي، والعامل في سيدي البرنوصي، والفلاح في زاكورة، والعاطل في بني ملال والمياوم الفلاحي في تيفلت والتي تعيش إقصاء اخر وهو العطش والتلوث البيئي داخل الملعب يبدو الجميع متساوين، لكن بمجرد انتهاء المباراة يعود كل واحد إلى موقعه الاجتماعي الحقيقي. الأغنياء يعودون إلى شركاتهم، والوزراء إلى مكاتبهم، أما الفقراء فيعودون إلى طوابير المستشفيات، والحافلات المكتظة، والبحث عن فرصة عمل هنا يظهر إعادة إنتاج النظام الاجتماعي. فالاحتفال الجماعي لا يغير مواقع الأفراد من داخل المجتمع، لكنه يمنحهم إحساسا مؤقتا بأنهم تجاوزوا تلك الفوارق.
ولعل المغرب يقدم أمثلة واضحة على ذلك. فخروج ملايين المغاربة للاحتفال بالإنجاز التاريخي في كأس العالم. من خلال امتلاء الشوارع بالأعلام، وتعالي الأبواق حتى ساعات الفجر، وامتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بخطابات الفخر الوطني الشوفيني . لكن بعد أيام قليلة عادت النقاشات نفسها: غلاء الأسعار، البطالة، أزمة التعليم، ضعف الخدمات الصحية، والهجرة السرية.
الواقع لم يتغير، لكن المزاج الجماعي تغير لساعات أو لأيام وهنا يصبح الواقع مفهوما عندما نقول إننا لا نشعر بذلك الفخر الجارف. ليس لأننا نكره الوطن، وإنما لأن تجاربنا اليومية أقوى من أن تمحوها مباراة. فالإنسان الذي يعيش هشاشة اقتصادية أو بطالة طويلة لا يستطيع بسهولة أن يستبدل معاناته بهدف في الدقيقة التسعين.وفي المقابل، لا نسخر من الذين يفرحون، بل نعترف بأننا نفرح معهم أيضا. وهذه نقطة مهمة جدا. فأننا لا نرفض الفرح، وإنما نرفض أن يتحول إلى بديل عن العدالة الاجتماعية.
وبالتالي فهو يعوض بالتعويض الرمزي. فالإنسان يحتاج دائما إلى الأمل، حتى وإن كان مؤقتا. ولذلك لم يقل إن الدين أو الثقافة أو الرياضة مجرد أكاذيب، بل أنها تعبر أيضا عن حاجة حقيقية لدى الإنسان للتخفيف من قسوة الواقع.
أما هذه اللحظات الجماعية تنتج رأسمالا رمزيا للوطن. فالدولة نفسها تستثمر في الانتصارات الرياضية لأنها تعزز صورة البلد داخليا وخارجيا، وتمنح المواطنين شعورا بالانتماء. لكن هذا الرأسمال الرمزي لا يعوض الرأسمال الاقتصادي أو الاجتماعي الذي يحتاجه المواطن في حياته اليومية ومن أكثر مضاهر الفوضى بعد الانتصار. فأننا لا ننتقد الاحتفال في حد ذاته، وإنما نشير إلى مفارقة اجتماعية؛ إذ يصبح تعطيل السير والصراخ وإغلاق الطرق مقبولا عندما يتعلق الأمر بكرة القدم، بينما تقابل الاحتجاجات الاجتماعية أحيانا بالتضييق والقمع والإعتقال حتى الإغتيالات لأنها ترفع مطالب تتعلق بالحقوق أو العدالة أو الخدمات العمومية هذه المفارقة يمكن فهمها من خلال الشرعية. فليست كل أشكال الفوضى تعامل بالطريقة نفسها؛ هناك فوضى تُعد احتفالا وطنيا، وهناك فوضى تُصنف تهديدا للنظام العام، رغم أن الطرفين يحتلان الشارع.
وحتى خسارة المنتخب ربما تصيبنا بالحزن ليس بسبب اللاعبين، بل بسبب الناس الذين فقدوا حتى فرحة مؤقتة.
هذه العبارة تحمل بعدا اجتماعيا عميقا. بحيث لا ننظر إلى الجماهير باعتبارها كتلة جاهلة أو مخدوعة، بل نراها جماعة تبحث عن استراحة قصيرة من ثقل الحياة. إنهم يعرفون أن المباراة لن تخفض الأسعار، ولن توفر الشغل، ولن تصلح المدرسة العمومية، لكنهم يحتاجون إلى تلك الساعة والنصف التي يشعرون خلالها بأن بلدهم قادر على هزيمة الأقوياء ولهذا يصبح الفوز الكروي استعارة عن انتصار مؤجل في مجالات أخرى. فحين يهزم المغرب منتخبا أوروبيا، يتخيل كثيرون أن المستقبل قد يحمل تفوقا اقتصاديا أو علميا أو سياسيا. إنه أمل مشروع، لكنه لا يتحقق تلقائيا بالنتائج الرياضية، بل بالسياسات العمومية، والتعليم، والبحث العلمي، والعدالة الاجتماعية، والمؤسسات الفعالة.
وبالتالي فكرة القدم ليست مجرد لعبة، لكنها أيضا ليست خلاصا. إنها فضاء ينتج الانتماء والفرح والتنفيس، لكنه لا يستطيع وحده معالجة التفاوتات الاجتماعية أو إنهاء البطالة أو إصلاح المدرسة أو المستشفى لذلك فإن الإنسان قد يصرخ للهدف، ويضحك مع الجماهير، ثم يعود إلى منزله ليواجه الأسئلة نفسها التي كانت تنتظره قبل انطلاق المباراة وربما لهذا تبدو عبارتك الأخيرة الأكثر كثافة: "خان الوطن وعوده بطواعية، كما خنت وعدي لأمي مكرها." فهي لا تقارن بين السيجارة والوطن، بل بين خيبتين؛ خيبة فردية صغيرة، وخيبة جماعية أكبر. وفي هذا المعنى، لا يصبح السؤال الحقيقي: هل سيفوز المغرب؟ بل يصبح: متى يصبح انتصار المغاربة في حياتهم اليومية دائما، لا مجرد تسعين دقيقة على أرضية ملعب؟



#جمال_الدين_الترايبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الإنسان قادر على العيش بمفرده ومواكبة تطورات العصر رغم ال ...
- كرة القدم بين الشغف الجماهيري والهيمنة الأيديولوجية: قراءة م ...
- جامعة ابن طفيل تحت الحصار: الدولة في مواجهة الجماهير الطلابي ...
- من حراس المعبد إلى زواج المتعة النهج الثوري في مواجهة التحري ...
- الحريات الفردية بين مقاربة الوعي الجمعي والتحولات الإجتماعية ...
- ظاهرة الغش في الامتحانات الإشهادية بين أزمة التعليم وتخريب ا ...
- آلة التشهير كإمتداد للقمع السياسي في مواجهة رموز الإنتفاضات ...
- البرجوازية الكمبرادورية بين الإرتفاع السياسي الأسعار وتدني ا ...
- حين تتحول غابة القريعات بتيفلت الى مطرح حرق النفايات في ضل ا ...
- تيفلت تختنق بين دخان مطرح الأزبال وسط غابة القريعات وتحول ال ...
- كيف تحول عيد الأضحى إلى أداة إخضاع الفقراء وإعادة الإنتاج ال ...


المزيد.....




- أمريكا تكشف عن مقاطع فيديو رُفعت عنها السرية للأجسام الطائرة ...
- عون: لبنان سيمضي في المفاوضات
- الجثث المجهولة الهوية.. فصل معاناة جديد
- وزير الخارجية الإيراني يزور سلطنة عُمان لبحث تطورات مضيق هرم ...
- الجيش الصومالي يصدر بيانا بعد فيديو مهين لأمريكا
- 5 أعضاء من مجلس الشيوخ الأمريكي يعلنون توصلهم لاتفاق مع البي ...
- -ميدل إيست أي-: روسيا لم تظهر أي عداء عسكري تجاه أي دولة في ...
- واشنطن تخطط لبناء أسطول جوي حكومي خاص بالترحيل ونقل المسؤولي ...
- الدبلوماسية تعود إلى الواجهة بعد يومين من الضربات المتبادلة ...
- جهود لإحياء الوساطة... ترامب يوافق على استئناف المفاوضات وطه ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - جمال الدين الترايبي - كرة القدم بين الوهم الاجتماعي والعنف الرمزي من داخل المجتمع المغربي