جمال الدين الترايبي
الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 22:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في المغرب، لم يعد “عيد الأضحى” بالنسبة لملايين الكادحين مجرد مناسبة دينية أو لحظة روحية جماعية كما يُقدَّم في الخطاب الرسمي والإعلامي، بل تحوّل، تحت شروط الفقر والتفاوت الطبقي والاستغلال الرأسمالي، إلى مؤسسة اجتماعية تُمارَس من خلالها مختلف أشكال الضغط النفسي والعنف الرمزي على الطبقات الشعبية. لقد صار العيد بالنسبة للعامل والمستخدم والمياوم والموظف البسيط امتحاناً طبقياً قاسياً، تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يستهلكه وما يشتريه وما يعرضه أمام المجتمع، لا بما يملكه فعلاً من كرامة أو حقوق أو استقرار فالعامل الذي لا يتجاوز أجره ثلاثة آلاف درهم، ويعيش طوال السنة بين الكراء وفواتير الماء والكهرباء وأقساط القروض وغلاء المواد الأساسية، يجد نفسه فجأة أمام ضغط اجتماعي رهيب يجبره على شراء أضحية قد يتجاوز ثمنها ضعف راتبه الشهري. وحين يعجز عن ذلك، يبدأ الإحساس بالخجل والعجز والدونية في التسلل إلى حياته، لأن المجتمع لا يرحم الفقير، بل يعاقبه رمزياً ونفسياً كلما عجز عن مسايرة طقوس الاستهلاك الجماعي هنا بالضبط تتجلى آليات الهيمنة الطبقية داخل المجتمع المغربي. فالفقير لا يستهلك لأنه قادر على الاستهلاك، بل لأنه خائف من الإقصاء الاجتماعي. إنه لا يشتري الأضحية فقط بدافع الإيمان، بل بدافع الرعب من نظرات الجيران والأقارب وزملاء العمل، ومن الإحساس بأنه أقل قيمة من الآخرين. وهذا ما يجعل من العيد مناسبة لإعادة إنتاج “العنف الرمزي” ضد الطبقات الشعبية؛ ذلك العنف غير المرئي الذي يجعل المقهور يشارك بنفسه في تكريس قهره، معتقداً أنه يدافع عن كرامته بينما هو في الحقيقة يغرق أكثر في الديون والهشاشة إن الرأسمالية التابعة في المغرب نجحت في تحويل حتى المناسبات الدينية إلى أسواق ضخمة لإعادة تدوير الأرباح داخل جيوب الأقلية المالكة. فمع اقتراب العيد، تبدأ آلة المضاربة في العمل: ترتفع أسعار الأكباش بشكل هستيري، ويُفتح المجال أمام الشناقة والسماسرة والكسابة الكبار للتحكم في السوق، بينما تُترك الجماهير الشعبية تواجه مصيرها وحدها. وفي النهاية، من الذي يدفع الثمن؟ ليس التاجر الكبير ولا صاحب الضيعة ولا المستورد ولا الوسيط، بل العامل البسيط الذي يقضي شهوراً بعد العيد وهو يحاول تسديد ديون “الفرحة” لقد أصبح العيد موسماً وطنياً للاستنزاف الاقتصادي. البنوك وشركات القروض الاستهلاكية تدخل على الخط، والمحلات التجارية تعرض “تسهيلات الأداء”، والدولة تتحدث عن “تسبيقات الأجور”، وكأن الحل الحقيقي للفقر هو المزيد من الديون لا المزيد من العدالة الاجتماعية. إن السلطة لا تعالج أصل الأزمة، لأنها جزء منها. فهي تعرف جيداً أن الأجور هزيلة، وأن الأسعار ملتهبة، وأن القدرة الشرائية تنهار سنة بعد أخرى، لكنها بدل أن تواجه جذور المشكلة، تكتفي بتدبير نتائجها عبر سياسات ترقيعية تُبقي الشعب داخل دائرة الحاجة الدائمة إن الدولة، داخل النظام الرأسمالي، لا تتحرك باعتبارها مؤسسة لخدمة الشعب، بل باعتبارها جهازاً لحماية التوازنات التي تخدم الطبقات المالكة. ولذلك فهي لا ترى بأساً في أن يستدين العامل ليشتري أضحية، ولا تعتبر غرق الأسر في القروض كارثة اجتماعية، ما دام السوق يشتغل وما دامت عجلة الاستهلاك تدور. فالأولوية ليست لراحة الكادحين، بل لاستمرار الدورة الاقتصادية التي تستفيد منها الأقلية المسيطرة على الثروة ولأن المجتمع المغربي ما يزال محكوماً بثقافة استهلاكية محافظة، فإن قيمة الإنسان داخله لا تُقاس بوعيه أو أخلاقه أو إنتاجه، بل بقدرته على الإنفاق وإظهار الامتثال للطقوس الجماعية. ولهذا يشعر الفقير أنه مهدد في “شرفه الاجتماعي” إذا لم يشتر أضحية، حتى وإن كان عاجزاً عن شراء الدواء أو أداء مصاريف المدرسة أو توفير شروط العيش الكريم لأبنائه. إن المجتمع هنا يتحول إلى أداة ضغط هائلة تدفع الإنسان إلى التضحية بمصالحه الأساسية من أجل الحفاظ على صورة اجتماعية زائفة وهكذا يصبح العيد، بالنسبة للمقهورين، لحظة مأساوية أكثر منه مناسبة للفرح. فالأسرة الفقيرة لا تعيش فرحة العيد بقدر ما تعيش قلقه: كيف سيتم شراء الأضحية؟ من أين سيتم الاقتراض؟ كيف سيتم تدبير المصاريف بعد العيد؟ إنها دوامة من الضغط النفسي والعنف الاقتصادي الذي يُمارَس باسم “العادات” و”كلام الناس” و”الحفاظ على المقام الاجتماعي” أما الطبقات الغنية، فهي تعيش العيد بطريقة مختلفة تماماً. بالنسبة لها، العيد مجرد طقس استهلاكي فاخر أو مناسبة للراحة والترفيه. إنها لا تشعر بأي ضغط لأنها تملك فائضاً مادياً يسمح لها بالاستهلاك دون تهديد وجودها الاقتصادي. بينما الفقير يذبح جزءاً من استقراره وحياته اليومية لكي يشتري “حقه في الانتماء الاجتماعي” لبضعة أيام فقط إن أخطر ما في هذا الوضع هو أن الطبقات الشعبية غالباً ما تُدفع إلى تبني خطاب يبرر معاناتها بدل مقاومة أسبابها الحقيقية. فيُقال لها إن “العيد بركة”، وإن “الله يجيب التيسير”، وإن “الرجولة” تقتضي توفير الأضحية مهما كانت الظروف. وهكذا تتحول الثقافة الشعبية نفسها إلى وسيلة لإعادة إنتاج الخضوع، حيث يُعاد توجيه غضب الفقراء بعيداً عن البنية الاقتصادية والسياسية التي تفقّرهم، نحو جلد الذات وتحميل الفرد مسؤولية عجزه الشخصي إن ما يحدث في عيد الأضحى ليس معزولاً عن طبيعة النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم. فالمغرب يعيش تحت بنية رأسمالية هجينة تجمع بين الاستغلال الحديث والعلاقات التقليدية المحافظة، ما يجعل الطبقات الشعبية محاصَرة من جهتين: من جهة الاستغلال الاقتصادي المباشر عبر الأجور الهزيلة وارتفاع الأسعار، ومن جهة الضغط الاجتماعي والثقافي الذي يفرض عليها الاستهلاك القهري حفاظاً على “المكانة” و”الهيبة” ولذلك فإن أي حديث حقيقي عن كرامة الإنسان المغربي يجب أن يبدأ من تحريره من هذا الابتزاز الاجتماعي والاقتصادي معاً. الكرامة ليست في شراء أضحية بثمن يفوق القدرة المادية للأسرة، وليست في إخفاء الفقر خلف طقوس استهلاكية مؤقتة، بل في ضمان الحق في الشغل اللائق، والسكن، والصحة، والتعليم، والعيش الكريم. أما تحويل الفقير إلى آلة استدانة موسمية فقط لكي يبدو “مثل الآخرين”، فليس تضامناً اجتماعياً، بل شكل من أشكال القهر الجماعي المقنّع بالدين والعادات إن الوعي الطبقي وحده القادر على كشف هذه الحقيقة. حين يدرك العامل والمستخدم والمياوم أن معاناتهم ليست فشلاً فردياً بل نتيجة مباشرة لبنية اقتصادية غير عادلة، سيتحول غضبهم من جلد الذات إلى مساءلة النظام نفسه. وحين يفهم الكادح أن قيمته لا تحددها نظرة الجيران ولا عدد الكيلوغرامات المعلقة في محلات الجزارة، بل موقعه داخل عملية الإنتاج وحقه في العدالة الاجتماعية، سيفقد العنف الرمزي جزءاً كبيراً من سلطته عليه إن تحرير الإنسان المغربي لا يمكن أن يتحقق داخل مجتمع يربط الكرامة بالاستهلاك، ويحوّل المناسبات الدينية إلى مواسم للإذلال الاقتصادي. التحرر الحقيقي يبدأ حين تتوقف الطبقات الشعبية عن التضحية بنفسها لإرضاء مجتمع لا يرحم فقرها، وحين تدرك أن كرامتها تُنتزع بالنضال ضد الاستغلال، لا بالانخراط القهري في طقوس تُغني الأغنياء وتُفقر الفقراء أكثر فأكثر.اريد نشر
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟