أحمد دلول
كاتب وباحث فلسطيني مُقيم في الدنمارك.
(Ahmad Dalul)
الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 00:11
المحور:
قضايا ثقافية
في التراث يُسمّونه بـ "أصل النقائِص"، إذ أن البخل يكشف حقيقة معدن الإنسان وما خفي من شخصيته وصفاته؛ فالبخيل بماله، بخيل بعاطفته ووجدانه ومشاعره وإحساسه وشهامته وكرامته وأخلاقه. البخل ليس مُجرَّد مرض أو آفة، بل هو أبعد من ذلك.
ونحن هنا إذ نتحدَّث عن البخل، لا نعني به التدبير الرشيد أو الواقعية والحكمة في التعامل مع المال، فذلك بلا شك أمر محمود، وإنما نتحدَّث عن ظاهرة بغيضة متأصلة لدى بعض الناس، مِمَن لديهم شغف بجمع المال؛ لا للتنعم به، وإنما لمُجرَّد اقتنائه فحسب. فالإنسان السوي يبتهج بجمع المال واقتنائه، كوسيلة للتنعم بخيرات الدنيا ولجَنْي مُمكناتها ولو بعد حين، أما البخيل فهو يجمع المال من أجل جمع المال؛ بمعنى أن اقتناء المال يصبح غاية بحد ذاتها، لا وسيلة للتنعم أو الترفيه. وبذلك فإن البخيل يُجيد الزرع، ولكنهُ يهاب الحصاد، أو أنه يُخرِج مفهوم المال عن سياقه الحقيقي؛ إذ أن الأوراق النقدية مثلا، ليس لها أي قيمة حقيقية بذاتها أو بخامتها، أو أن قيمتها هي قيمة افتراضية فحسب، إلى أن يتم مُقايضتها بما يساوي قيمتها من سلع أو خدمات أو مسرَّات. وحتى لو تيقَّن البخيل بأنه سيموت غدا، فهو لن يُنفق أو يسخى على نفسه أو على من حوله، مع تيقنه كذلك بأنه لن يأخذ معه شيئا، وذلك لكون بهجته أصلا لا تكمن في التنعم بالمال أو بذله، وإنما بمُجرَّد اقتنائه.
ومن ثمَّ، فإن البخلَ ليس أمرا طارئا أو سلوكا عقلانيا، وإنما هو شذوذ سلوكي، يتماهى ويتوازى مع طريقة حياة أو فلسفة عيش، سواء كان البخيل مُعدما فقيرا أو كان يمتلك كنوز الأرض؛ إذ أن وفرة المال لا تجلب الكَرَم بشكل تلقائي، وكذلك فإن قلَّة المال لا تدفع المرء بالضرورة لكي يكون بخيلا. ومن المُفارقة بأنه مهما حاول البخيل صادقا إثبات عكس طبعه بغية إرضاء من حوله مثلا، لكنه لا يلبث أن يعود إلى طبعه ويثبت عليه.
غالبا ما يكون البُخل مُرتبطا بتبلد الإحساس وشحِّ الحواس؛ إذ قد يكون تبلد الإحساس سببا للبخل، أو قد يصح العكس، بحيث تنعكس خواص النفس على الحواس، أو ربما تكون القضية جدلية؛ إذ من العسير أن يكون بليد الإحساس كريما أصيلا، كما أنه من العسير أن يكون البخيل الأصيل حسَّاسا أو مرهف الإحساس. وسواء صحَّ الافتراض أو ضدهُ، فإن حاسة الشم تحديدا، غالبا ما تكون شحيحة لدى البخيل، وخير مثال على ذلك، بأن البخيل غالبا ما تكون رائحته كريهة، من دون أن يشعر أو يكترث لذلك، وبالتالي فإن البخل يرتبط غالبا بالوساخة الجسدية؛ إذ أن البخيل لا يبالي عادة بنظافة ورائحة جسده، وقد يكون ذلك انعكاسا لتبلد حواسه أو ربما انعكاس لسريرته، بمعنى أن القدرة على التعايش مع قذارة الجسد، غالبا ما تكون انعكاسا لطبيعة نفس قذرة. قد يكون ثمَّة سوء علاقة ما بين البخيل والماء؛ مُجرَّد افتراض.
أكاد أجزم في سياقات عدة، بأن رهافة حاسة الشم لدى الإنسان، لا بل لدى الكائنات عموما، غالبا ما ترتبط بالكثير من الصفات النبيلة؛ كالبذل والوفاء ونُبل الطبع وسخاء العاطفة، وقد تكون الكلاب خير مثال، تلك الكائنات التي يصفونها في بعض الثقافات، بأنها "خير صديق للإنسان"، نظرا لما تتميز به من إخلاص وولاءّ وعاطفة نبيلة أصيلة، مُقارنة بِمَلَكة الشم الفائقة لديها، حتى من مسافات بعيدة للغاية. الخنازير مثلا، لا تتمتع بتلك المَلَكة.
ومن ثم، فإن البخيل ليس بخيل الوجدان فحسب، لا بل هو ناقص كذلك في لباقته وكياسته وكرامته؛ إذ أنه لا يُراعي كرامة أو مشاعر الآخر، ومن تنقصه الكرامة والإحساس، من العسير عليه أن يستوعب أن ثمَّة من لديه كرامة وإحساس. وكذلك فإن البخيل ينقصه الشَرَف، لأي تقاليد انتمى، وحتى لو تفاوت مفهوم الشرف بين ثقافة وأخرى، ولكن مع ذلك فالبخلاء أخوة في جميع الثقافات.
علاوة على ذلك، فإن البخيل عادة، مُتقلب هلامي في انتمائه، وهو إن اعتقد فهو سطحي أو مُنافق أو تافه في اعتقاده؛ يُؤوِل العقيدة تبعا لشحِّه، مع أنه غالبا ما يتقنع بعقيدة أو أيدولوجيا، يُقولبها بقالب شُحّه أو تبعا لمُتطلبات مصالحه وغرائزه. وكذلك فإن البخيل غالبا ما ينقصه النضج والحكمة وتحمُّل المسؤولية؛ إذ أنه كالنرجسي طفولي في غرائزه ومُتمحور على ذاته. هو ليس نرجسيا تماما، أو قد يصحّ العكس في سياق ما؛ إذ أن النرجسي غالبا ما يتقنَّع بكرم بلا حدود للظفر بضحاياه. ولكن مع ذلك، فثمَّة تقاطع محوري ما بين البخل والنرجسية، فيما يتعلق بتسويغ وتقديس مُتطلبات الـ "أنا" وترسيخها كمقياس معياري صارم لا يقبل المُساومة، وكضرورة وجودية تُركَن عليها أُسس ومُرتكزات الحياة. النرجسية أشبهُ بالإنحراف الوجداني المُكتَسَب، وبالتالي يُمكن تصنيفها ضمن "اضطرابات الشخصية" المُكتسَبة، أما البخل فهو ليس طبعا طارئا مُكتَسَبا، بقدر ما هو طبع مُرتبط بالجينات، أو هكذا أزْعُم. وبناء على ذلك، فإن البخل ليس مُجرَّد خلل وجداني، ولا هو مُجرَّد مرض وجداني أو آفة وجدانية مُضافة ألى الذات، فرضتها البيئة أو التربية مثلا، وإنما هو نوع من "الإعاقة" الوجدانية؛ فالمرض يُمكن علاجه، أما الإعاقة فلا سبيل إلى ذلك.
أزْعُم كذلك بأن شهامة وسخاء الوجدان غالبا ما يتناسبان طردا؛ ليس فقط مع السخاء الوجداني اتجاه شريك الحياة، وإنما كذلك مع التلهف للأطفال وكبار السن والأنس لصحبتهم والاغتباط لمنحهم بسمة أو بهجة. أما البخيل، فهو بخيل بوجدانه، وبذلك فليس لديه عاطفه سخية معطاءة؛ ليس اتجاه امرأته فحسب، بل ولا حتى اتجاه أطفاله وأبويه، وإن وُجدت تلك العاطفة فهي ليست عاطفة سخية بالمعنى الحقيقي، أو أنها عاطفة سطحية شحيحة، كونه ليس من عادة البخيل السخاء بأي بُعد؛ البخل يُمكن إسقاطه على كل ما هو وجداني.
وأما عن الروحانية، فقد نُقِل عن نبي الإسلام "مُحمَّد" عليه السلام في حديث شريف، بأنه قد حُبِّبَ إليه من الدنيا ثلاث، كان أولها هو الطِيب. وقد يبدو ذلك كمُفارقة، لرجل أمضى حياته في شظف الصحراء؛ فكيف له أن يكون مُرهَف الحواس! ثمَّ كيف لنبي يدعو الناس للإنشغال بالآخرة، أن تكون من أولوياته في الدنيا حُب الطيب! في الحقيقة إن من وُهِبوا مقاما روحانيا ساميا، لا بُدَّ أن يكونوا مُرهفي الإحساس أينما وُجِدوا، وبالتالي فمن غير المعقول أن يكونوا بخلاء؛ بإحساسهم أو وجدانهم أو مالهم. حتى أن النبي عليه السلام كان يستعيذ بالله من البُخل، عبر قوله: "اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجزِ والكَسَلِ، والجُبنِ والبُخلِ، وضَلَعِ الدَّينِ، وغَلَبةِ الرِّجالِ"
كما وَرَدَ في القرآن كذلك، العديد من الآيات التي تحث على الإنفاق وتذم البخل وتربط البخل بالنفاق:{وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] - {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:180] - {الذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 37] - {هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} [محمد: 38] - {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الحديد: 24] - {وَأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى * وَكذَّبَ بالحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ للعُسْرى} [الليل: 8 - 10] وفي سياق ارتباط البخل بالنفاق: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لئِنْ آتَانَا مِِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقنَّ وَلَنكونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهم من فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلّوا وّهُم مُّعْرِضونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَه بما أَخْلَفوا اللهَ مَا وَعدُوهُ وبِما كانوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 75 - 77]. وفي هذا السياق، يقول أبو بكر الصديق: "وأيُّ داءٍ أَدْوأُ مِن البُخْلِ"، كما يقول علي بن أبي طالب: "إِذا اجْتَمَعَتْ الآفاتُ فالبُخْلُ شَرُّها"، وكذلك يقول أبو الفرج بن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر": "شر البلاء حب المال".
أما بعد، فإن شرَّ ما يمكن أن تُبتلى به امرأة، هو رجل بخيل، لإنه سوف يكون على الأغلب، أنانيا وغير مسؤول، وتلك هي الطامة الكبرى، ذلك أنه سيُلقي بأعباء الحياة الكبرى على كاهل المرأة، وذلك ما سوف يُشقيها ويسلب من حياتها الحميمية والهناء والشعور بالأمان. وسوف يحرمها من تذوق طعم تلك البهجة التي تملأ حياة الأنثى اطمئنانا وأمانا، عند التواجد في حضرة رجل؛ رجل بسخاء.
#أحمد_دلول (هاشتاغ)
Ahmad_Dalul#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟