أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي الأمين السويد - قراءة نقدية في كتاب -فلق في موضع الرؤية














المزيد.....

قراءة نقدية في كتاب -فلق في موضع الرؤية


علي الأمين السويد

الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 22:14
المحور: قضايا ثقافية
    


في زمن تزدحم فيه الرفوف بكتب الإجابات الحاسمة والوصفات الجاهزة لليقين، يخرج علينا المفكر عبد القادر موحد بكتابه الصادر حديثاً 2026 عن دار نرد للنشر والتوزيع، والمعنون بـ "فلق في موضع الرؤية: بين المعرفة والوجود والقيمة". هذا العمل ليس مجرد كتاب يُقرأ ويُلخص، بل هو أشبه بـزلزال معرفي ناعم يتسلل إلى طمأنينة القارئ ليخلخل ثوابته، وينتزع عنه الأسماء والتعريفات التي ألفها وحملها طويلاً.
منذ العتبة الأولى للكتاب، وفي مقدمته الصادمة، يضعنا الكاتب أمام حقيقة منهجه؛ فهو يعلن صراحة: "ما أنت مقبل عليه ليس ضوءاً يوهج مصباحك، ولا حقيقة تعلي جدار يقينك... إن جئت تطلب فهماً، فربما لن تجد سوى اتساع السؤال". هنا تكمن فرادة العمل؛ إنه نص لا يعمل بالبرهان أو المحاججة العقلية التقليدية، بل يعمل بـ "الإشارة"، ولا يقدم نتائج جاهزة بقدر ما يفتح تجربة وجودية كاملة.
هدم "وهم الفهم" وتفكيك سلطة الإجابة
يتوزع الكتاب عبر ثلاث مقامات كبرى (المعرفة، الوجود، والقيمة)، مقسمة إلى منازل، ووقفات، ومشاهد مكثفة ولماحة. في المقام الأول، يوجه موحد سهام نقده إلى ما يسميه "وهم الفهم". يرى الكاتب أن خطورة الفهم لا تكمن في كونه خطأً، بل في كونه "يكفينا" ويمنحنا طمأنينة خادعة.
بأسلوب نثري يقترب من لغة الإشارات الصوفية والشذرات الفلسفية العميق، يكتب موحد: "ما إن تسمي... حتى تبتعد". الفهم بالنسبة له هو عملية "تأطير وإغلاق"، وحين نؤطر الشيء، فإنه يكف عن النبض ويتحول إلى جثة في الذاكرة. العقل في منظور الكتاب يختار، ويحذف، ويملأ الفراغات بما يطمئن إليه، مغلقاً الباب أمام "الإمكان" الذي يتيحه الجهل الصادق المستمر في السؤال.
الوجود لا يتوقف لكي نلخصه
في المقاربة الأنطولوجية: مقام انكشاف الكينونة، ينتقل الكاتب من نقد المعرفة إلى إعادة قراءة الوجود. يرى أن العالم ليس مجموعة من "الأشياء" الثابتة والمصنفة، بل هو سريان وجريان مستمر. نحن لا نرى الوجود على حقيقته، بل نرى "توقفه فينا". إننا نقتطع من الجريان جزءاً ونضع له حداً ونسميه اسماً، وبذلك نفقد مهابة الأصل.
في مشهد بليغ بالكتاب، يقارن الكاتب بين الأب والطفل أمام البحر؛ الأب يفتح كتاباً ليقرأ عن حركة المد وملوحة الماء، بينما يرمي الطفل نفسه في حضن الموج ضاحكاً؛ ليعلق الكاتب: "الأب امتلك المعرفة، والطفل امتلك البحر". هذه الصورة تختزل أطروحة الكتاب كاملة: المعرفة المفاهيمية الجافة تضع مسافة بيننا وبين الوجود، بينما العيش والحضور يسقطان هذه المسافة.
المشهد والومضة والانزلاق
جماليات الكتاب لا تنفصل عن طروحاته المعرفية. لقد اختار عبد القادر موحد بنية كتابة خاصة جداً؛ تتنقل الصفحة الواحدة بين "وقفة" تأملية، و"ومضة" مكثفة، و"مشهد" قصصي رمزي، و"انزلاق" ذاتي. هذا التنوع الأسلوبي يجعل النص عصياً على الميكانيكية العقلية، ويجبر القارئ - كما طلب المؤلف في صنف طريقة القراءة - على أن "يصغي لا أن يحلل".
حتى اللغة نفسها تبدو مأزومة في الكتاب بشكل إيجابي، متمثلة بالمقولة المقتبسة في البداية للنفري: "كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة". فالكلمات تعجز عن الإمساك بالسريان الوجودي، وكل ما تفعله هو ترك "أثر" أو "إشارة".

بين عمق التجريد وديناميكية السؤال
ورغم هذا التميز المشهود في تفكيك اليقينيات المتكلسة وإعادة قراءة الوعي، فإن الكتاب يضع قارئه أمام تحديات فكرية وأسلوبية تستحق التأمل. فأولاً، ينحو العمل في كثير من محطاته نحو لغة تجريدية عميقة تتطلب قارئاً متمرساً، ومستعداً للتفاعل مع أبعاد الفلسفة التفكيكية ولغة الإشارات الوجدانية، مما يجعل الكتاب تجربة معرفية خاصة تحتاج إلى أناة وتأمل مستمر.
وثانياً، فإن احتفاء الكتاب الكبير بـ "الاهتزاز الدائم" والتحذير المستمر من الركون إلى "الفهم المستقر"، قد يضع القارئ في مواجهة حالة من السيولة المعرفية التي يصعب معها الإمساك بأرضية ثابتة؛ وهو تحدٍ وازن الكاتب بين دفتيه بذكاء حين أفرد مقاماً خاصاً لـ "انبثاق القيمة والفعل"، محاولاً بذلك جسر الهوة بين قلق السؤال اللامتناهي وضرورة التأسيس لفعل حقيقي وفاعل في الواقع.
خلاصة القول
"فلق في موضع الرؤية" عبارة عن تجربة اغتسال معرفي. كتاب يعيد صياغة علاقتنا بالكون وبأنفسنا، ويدعونا صراحة إلى تدمير الإجابات الدافئة الجاهزة من أجل البقاء في "قلق السؤال النبيل". إنه إضافة نوعية للمكتبة الفلسفية العربية المعاصرة، ومقال دعوة مفتوح لكل قارئ يملك الشجاعة ليضع علامة استفهام خلف كل ما يظن أنه يعرفه.



#علي_الأمين_السويد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الذي انتهى للأبد: سوريا أم قسد؟
- ثلاث سيناريوهات لنزع سلاح حزب الله
- وهم الإنصاف والعدالة العرجاء
- قناديل الحرية لا يطفئها الكذب
- إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني
- دراسة نقدية لمشروعية السنة النبوية في ضوء حديث الأعرابي والق ...
- فصل الدين عن الدولة: شرع أم سياسة؟
- استراتيجية نزع القداسة - القداسة في المجتمعات الاسلامية
- إيران سرطان جيوسياسي قاتل
- الرد على حرق نسخ القرآن الكريم
- ثورتان في سورية لا ثورة واحدة
- النقطة العمياء في الثورة السورية
- -طائفة النظام- وليس -النظام الطائفي-
- بُعْدٌ محتمل لاتصال بن زايد برأس النظام السوري
- اغتيال الأسد، أم اغتيال نظامه؟
- إسرائيل تجتاح سورية و تحاصر دمشق
- السعودية و تركيا و إيران يعربٌ و مغول
- لماذا حماس عميلة؟
- فتاوي بلا طعمة ولا نغمة
- السهم الأخير في الثورة السورية


المزيد.....




- زلزالان مدمران يضربان فنزويلا.. وسباق مع الزمن لإنقاذ محاصري ...
- روبيو يكشف عن جهود أمريكا في البحث والإنقاذ بعد زلزالي فنزوي ...
- لبنان: ترقب لنتائج الجولة الخامسة من المفاوضات.. وإسرائيل تُ ...
- المغرب وقوة غزة الدولية.. أول تعهد يدخل حيز التنفيذ؟
- موسكو: نبحث إرسال مساعدات إنسانية لفنزويلا
- -وول ستريت جورنال-: إيران هاجمت سفينة شحن في اختبار لاتفاق ت ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية 6 عناصر من حزب الله في جنوب لبنا ...
- روسيا تعرب عن احتجاجها لمولدوفا بسبب توقيف المرسلين الدبلوما ...
- إعلام عبري: وزير الخارجية سيقدم للحكومة مشروع قانون للاعتراف ...
- مصر تدعو إلى تحرك دولي مكثف لاستكمال خطة ترامب بشأن غزة


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - علي الأمين السويد - قراءة نقدية في كتاب -فلق في موضع الرؤية