أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي الأمين السويد - وهم الإنصاف والعدالة العرجاء















المزيد.....

وهم الإنصاف والعدالة العرجاء


علي الأمين السويد

الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 16:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس العفو، في جوهره، فعلاً أخلاقياً مجرداً، بل أداة سياسية دقيقة تُستخدم في لحظات التحول الكبرى لتفكيك إرث العنف وبناء أفق جديد للسلم. غير أن هذه الأداة، حين تُنتزع من سياقها العدلي وتُسخّر لخدمة توازنات القوة، تنقلب إلى نقيضها والذي هو يا للأسف وسيلة لإعادة إنتاج الظلم تحت غطاء المصالحة. وفي الحالة السورية، يبرز خطر العفو الانتقائي بوصفه أحد أكثر المسارات تهديداً للسلم الأهلي، إذ يجري التلويح بمحاسبة المنفذين الصغار، مقابل غضّ الطرف الصريح أو الضمني، المعلل بأسباب لا يقبلها المواطن السوري إلا خشية على فقد المكاسب الجديدة حسب ظنه، عن مهندسي الجريمة وداعميها السياسيين والماليين. هذه المقاربة لا تعكس فقط خللاً في ترتيب الأولويات، بل تؤسس لعدالة مبتورة، تقوّض الثقة العامة وتعيد إنتاج أسباب النزاع.
وتستند العدالة الانتقالية، في أحد أهم مبادئها، إلى فكرة المحاسبة الهيكلية، أي مساءلة منظومة القرار لا أدوات التنفيذ فقط. وعندما تُختزل العدالة في ملاحقة الصغار، فإنها تتحول إلى ما يُعرف أكاديمياً بـالعدالة الصورية أو الانتقائية، هذا المسار يصطدم مباشرة بمبدأ مسؤولية القيادة كما نصت عليه المادة 28 من نظام روما الأساسي، والتي تُحمّل القادة المسؤولية الجنائية عن الجرائم التي ارتكبها مرؤوسوهم إذا علموا بها أو كان ينبغي أن يعلموا ولم يتخذوا إجراءات لمنعها. إن تجاهل هذا المبدأ لا يمثل فقط انتهاكاً قانونياً، بل تفكيكاً لفكرة العدالة ذاتها. والأثر الأخطر، مع ذلك، يتجلى اجتماعياً، فحين يرى الضحايا أن من أصدر الأوامر يتمتع بالحماية، بينما يُحاكم من نفذها، فإن الإحساس بالغبن لا يبقى شعوراً فردياً، بل يتحول إلى وعي جمعي ناقم، يتسبب في تآكل شرعية الدولة الناشئة، ويُفتح الباب أمام أنماط من العدالة الخاصة التي تعيد إنتاج العنف بدل احتوائه.
ولعل ما تشهده بعض مناطق دير الزور، ومناطق ريف إدلب مثل أورم الجوز، وحاس، وكفرنبل، والجانودية، ومعرة النعمان، وأرياف حلب من دعوات ومظاهرات تطالب بنفي من يُوصفون بـالشبيحة من قراهم، يقدم مؤشراً خطيراً على هذا الانزلاق. إذ لم يعد تعريف العدالة محصوراً في محاسبة من ثبت تورطه المباشر في الجرائم، بل بدأ يتوسع شعبياً ليشمل كل من عاش في مناطق سيطرة النظام أو لم يدفع كلفة الصراع كما دفعها غيره. هذا التحول في الوعي، بغض النظر عن دقته أو عدالته، ليس إلا نتيجة مباشرة لغياب مسار قضائي واضح وشفاف، يدفع المجتمعات المحلية إلى ابتكار معاييرها الخاصة للإنصاف، بما يحمله ذلك من أخطار التعميم والعقاب الجماعي.
ومن هنا، لا يمكن تجاهل أن أي حكومة انتقالية في سوريا ستعمل ضمن شبكة معقدة من الضغوط المتنوعة، وتوازنات دولية، وتفاهمات إقليمية، ووقائع ميدانية لم تُحسم بالكامل، وقد يُفرض العفو، جزئياً، كجزء من تسويات سياسية تهدف إلى وقف النزاع. غير أن الإقرار بهذه القيود لا يبرر تحويل العفو إلى سياسة شاملة أو عشوائية، بل يفرض، على العكس، تحديد خطوط حمراء واضحة تقضي بعدم العفو عن الجرائم الكبرى، وعدم منح حصانة دائمة للقيادات، وعدم إغلاق للملفات دون مسار قضائي أو اعتراف موثق بالحقيقة، فالواقعية السياسية لا تعني التنازل عن العدالة، بل إعادة ترتيب أدواتها بما يضمن الحد الأدنى من المساءلة، ويمنع في الوقت ذاته انهيار المسار الانتقالي.
إن أول اختبار لجدية أي سلطة انتقالية هو قدرتها على تفعيل العدالة، لا تأجيلها. وكان من الممكن، ولا يزال، إطلاق استنفار وطني قانوني يشمل القضاة، ونقابات المحامين، والهيئات الحقوقية المحلية والدولية لتأسيس بنية قضائية انتقالية متخصصة. ويمثل إنشاء محاكم جنائية خاصة أو مختلطة (وطنية بالإضافة الى دولية) خياراً واقعياً، شريطة ضمان استقلاليتها عبر آليات واضحة من خلال إشراف قضائي متعدد الأطراف، وتمويل شفاف، وتكامل مع آليات دولية قائمة مثل الآلية الدولية المحايدة والمستقلة (IIIM)، والأهم هو قيام الحكومة الانتقالية بدور السلطة التنفيذية فقط دون التدخل في أي من إجراءات التحاكم بأي شكل من الأشكال.
ولا يمثل إشراك الضحايا في برامج التقاضي إجراءً شكلياً فحسب، وإنما يشكّل ركيزةً موضوعية لشرعية العدالة. ولتحقيق ذلك، يغدو وضع بروتوكول قانوني واضح ومتاح للمواطن السوري ضرورة قصوى لتأطير العملية القضائية بحيث يشمل آليات تلقي الشكاوى، واعتماد الوثائق والأدلة التي وثقتها المنظمات الحقوقية، وضمان علنية المحاكمات، ولو بصفة جزئية. إن إرساء هذه الآليات هو ما يضمن توثيق الحقيقة، وينقل العدالة من طابعها النخبوي إلى كونها استحقاقاً مجتمعياً شاملاً، مستلهمين ذلك من دروس التجارب الدولية التي تُظهر أن التوازن بين المصالحة والمحاسبة ليس خياراً نظرياً، بل شرط للاستقرار. ففي رواندا، جرى الجمع بين محاكم محلية تصالحية، الغاتشاكا، لمحاسبة المنفذين، ومحكمة دولية (ICTR) لملاحقة المخططين، مما حافظ على الحد الأدنى من العدالة الهيكلية. وفي جنوب إفريقيا، نجحت لجنة الحقيقة والمصالحة في تجنب الانفجار، لكنها تركت فجوة عدلية عميقة، خصوصاً مع غياب ملاحقات جدية لكبار المسؤولين، وهو ما لا يزال ينعكس في اختلالات اجتماعية واقتصادية مستمرة، والدرس هنا يقول بأن التسويات التي تتجاهل العدالة قد تؤجل الصراع، لكنها نادراً ما تنهيه.
وفي هذا السياق، لا تقل إدارة الخطاب العام أهمية عن إدارة المحاكم، فالغموض الإعلامي في قضايا حساسة كالعفو والمحاسبة يخلق فراغاً تملؤه الشائعات، ويحوّل العدالة إلى مادة للريبة بدلاً من أن تكون مصدراً للثقة. وبناء سياسة اتصال فعالة يقتضي تقديم إحاطات دورية شفافة حول مسارات التحقيق والمحاكمة، وتفسير القرارات السياسية والقانونية بلغة واضحة ومباشرة، مع الاعتراف بالأخطاء أو القيود بدلاً من إخفائها، فالحق في المعرفة ليس ترفاً، بل جزء من جبر الضرر المعنوي، وركيزة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا في مرحلتها الانتقالية ليس غياب العدالة، بل وهم تحققها. فالعدالة المجتزأة لا تبني دولة، بل تؤسس لهشاشة مؤجلة، والسلم الأهلي لا يُصان عبر صفقات مغلقة، أو عفو انتقائي، بل عبر مسار واضح يتمثل بخطوات متدرجة أولها اعتراف، فمساءلة، ثم إصلاح. وكل انحراف عن هذا المسار، مهما بدا مبرراً سياسياً، هو استثمار مباشر في أزمات المستقبل. ومن موقع المعارضة الوطنية، فإن القلق لا ينبع من خصومة سياسية بقدر ما ينبع من إدراك عميق لخطورة هذا المسار. إن استمرار الحكومة الانتقالية في إدارة ملف العدالة بهذا القدر من الغموض والانتقائية، لا يهدد فقط بتقويض الثقة، بل يضع المجتمع أمام منزلقات خطيرة، قد تتطور، تدريجياً، إلى أشكال من الاحتراب الأهلي المقنّع تحت عناوين مضللة كالإنصاف أو رد المظالم.
وعليه، فإن مسؤولية تفادي هذا السيناريو تقع، في المقام الأول، على عاتق الحكومة الانتقالية، بوصفها الجهة المخوّلة بإرساء قواعد العدالة وضبط إيقاعها. إن الفشل في بناء مسار عدالة انتقالية واضح، شفاف، ومتماسك، لن يبقى خللاً إدارياً أو سياسياً، بل قد يتحول إلى عامل تفجير مجتمعي يعمّق الفجوة بين الحكومة الانتقالية وبين الشعب السوري، ويزيد من حدة المعارضة لدرجات قد تعيد البلاد إلى أيام العهد الأسدي البائد، ويهدد بإعادة إنتاج الصراع بأشكال جديدة. وهذا تحديداً ما لا تتمناه المعارضة، التي ترى، حالياً، في العدالة الجادة جسراً لا غنى عنه نحو شراكة وطنية حقيقية، لا مجرد تسوية هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار.



#علي_الأمين_السويد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قناديل الحرية لا يطفئها الكذب
- إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني
- دراسة نقدية لمشروعية السنة النبوية في ضوء حديث الأعرابي والق ...
- فصل الدين عن الدولة: شرع أم سياسة؟
- استراتيجية نزع القداسة - القداسة في المجتمعات الاسلامية
- إيران سرطان جيوسياسي قاتل
- الرد على حرق نسخ القرآن الكريم
- ثورتان في سورية لا ثورة واحدة
- النقطة العمياء في الثورة السورية
- -طائفة النظام- وليس -النظام الطائفي-
- بُعْدٌ محتمل لاتصال بن زايد برأس النظام السوري
- اغتيال الأسد، أم اغتيال نظامه؟
- إسرائيل تجتاح سورية و تحاصر دمشق
- السعودية و تركيا و إيران يعربٌ و مغول
- لماذا حماس عميلة؟
- فتاوي بلا طعمة ولا نغمة
- السهم الأخير في الثورة السورية
- الثورة و معركة الفطرة
- التدين قبل و أثناء الثورة السورية
- الإستراتيجيات العشرة لبثِّ الإشاعات


المزيد.....




- -300 مليار دولار-.. كيف تحولتُ لمشكلة أمام ترامب في الاتفاق ...
- -البحث عن مخرج-.. كيف تغلبت إدارة ترامب على شكوك إيران للتوص ...
- غوتيريس يطلب الصفح من ضحايا العصابات في هايتي ويأسف لعجزه عن ...
- مجلس الشيوخ يحبط المحاولة التاسعة لكبح صلاحيات ترمب الحربية ...
- فانس في كتابه الجديد: الفجوة بين أوكرانيا وروسيا في القدرات ...
- رشوان: الرفض المصري لتهجير الفلسطينيين أسس لموقف عربي وإقليم ...
- موظف مسلح يطلق النار داخل مستشفى أمريكي ويصيب شخصين
- مكوّنة من 14 نقطة.. وكالة -بلومبيرغ- تنشر مسودة مذكرة التفاه ...
- صحيفة -يونغه فيلت-: المشاركون في قمة مجموعة السبع مستعدون لت ...
- ترامب يكشف ملامح اتفاق مع إيران يمنعها من امتلاك سلاح نووي و ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي الأمين السويد - وهم الإنصاف والعدالة العرجاء