علي الأمين السويد
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 18:14
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
من لم يولد في لحظة الثورة، لن يغفر لها وجودها.
الذي حملته إرادات الخارج إلى الحكم في سوريا، لم يكن يومًا من أبناء الساحات، بل كان غريبًا عنها، عن لغتها، عن وجعها، عن معناها. لم يقف في وجه القناصات بصدرٍ عارٍ، ولم يهتف للحرية وهو يعلم أن رصاص غدر الأسد مصوّب إلى قلبه. ولم يصرخ "الله، سوريا، حرية وبس"، ولم يؤمن يومًا أن الشعب يمكن أن يكون واحدًا. ولم يعرف درعا، لا كجغرافيا، ولا كجرح. لم يفهم ماذا يعني أن تُهان الكرامة على يد عاطف نجيب، وأن يتحول الأطفال إلى شرارة تاريخ. لم يسمع القاشوش كما سمعه السوريون: صوتًا يتحدى الموت ويهز عرش الطغيان. لم يقف في كفرنبل حيث كانت الثورة تكتب وعيها بدمها وسخريتها.
كان خارج اللحظة، ولذلك هو عدو معناها.
ولأن العجز عن تمثّل الثورة يقود إلى الخوف منها، فإن الخيار الوحيد أمامه كان: اغتيالها. ليس اغتيالًا بالرصاص، بل اغتيالًا بالوعي. وهنا تبدأ الجريمة الأخطر ألا وهي نسف مبادئ الثورة. وهي عملية ممنهجة لإبادة الذاكرة، ولتدمير الحقيقة، ولتحويل الوضوح إلى ضباب. لا يُقال للناس "انسوا"، بل يُغرس في عقولهم الشك بكل ما عرفوه لكي يُعاد تشكيل الوقائع حتى تبدو كأنها أوهام.
فالقاشوش لم يُذبح.
ورزان زيتونة لم تُخفَ قسرًا.
ودرعا لم تُهَن.
وكفرنبل لم تكن وعيًا، بل عبثًا.
والمهجرون لم يُهجّروا، بل "استثمروا" مأساتهم.
بهذه الوقاحة يُعاد إنتاج الكذب كحقيقة، ويُطلب من الضحايا أن يشكّوا بآلامهم، ومن الشهود أن يتراجعوا عن شهاداتهم، ومن التاريخ أن يخون نفسه، والهدف واضح هو ترسيخ فرضية إذا سقطت الحقيقة، سقطت الثورة. وإذا سقطت الثورة، سقطت مطالبها. وعندها يصبح من السهل إعادة تسويق النظام ذاته بوجوه معدّلة وخطاب منمّق كمنقذ، لا كجلاد. وهكذا تُقلب المعادلة: الجريمة تُمحى، والمجرم يُعاد تأهيله، والضحية تُتّهم.
لكن ما لا يفهمه هؤلاء، أن الثورة لم تكن رواية قابلة للتعديل، بل تجربة محفورة في الوعي. وهي لم تكن شعارًا عابرًا، بل لحظة انكشاف كبرى كسرت الخوف إلى الأبد.
يمكنهم أن يكذبوا، أن يشوهوا، أن يعيدوا كتابة كل شيء: إلا الحقيقة التي عاشها الناس.
فالثورة ليست حدثًا انتهى.
والثورة معيارٌ لا يسقط.
والفكرة التي وُلدت من الدم، لا تُدفن بالكذب.
مهما حاولوا نسفها، ستبقى شاهدة عليهم
#علي_الأمين_السويد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟