أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - علي الأمين السويد - إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني














المزيد.....

إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني


علي الأمين السويد

الحوار المتمدن-العدد: 8688 - 2026 / 4 / 25 - 23:36
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


في لحظةٍ فارقةٍ من تاريخ سوريا الحديث، لم يكن الانشقاق عن المؤسسة العسكرية مجرد موقفٍ فردي، بل كان تعبيرًا عن تصدّعٍ عميق بين منطق السلطة ومنطق الوطن. حين وُضِع الضباط أمام خيارٍ قاسٍ: تنفيذ أوامر تستهدف أبناء شعبهم، أو التمرّد على منظومةٍ كاملة، اختار كثيرون منهم أن ينحازوا إلى ضميرهم، مدركين أن الطاعة العمياء قد تتحول إلى شراكةٍ في الجريمة.
ما يمنح هذه الظاهرة بُعدها الأعمق، أنها لم تكن حكرًا على فئةٍ أو طائفة، بل شملت ضباطًا من مختلف المكونات السورية، دون استثناء. وهذا ما يكشف أن الانشقاق لم يكن فعلًا طائفيًا أو ردّ فعلٍ ضيقًا، بل كان، في جوهره، موقفًا وطنيًا جامعًا، عبّر عن رفضٍ أخلاقي وسياسي لاستخدام الجيش كأداةٍ في قمع المجتمع. لقد أعاد هؤلاء تعريف الانتماء، بوصفه التزامًا بحماية الناس لا إخضاعهم، وبوصفه ولاءً لسوريا ككيانٍ وشعب، لا كسلطة.
ورغم ما ترتب على هذا الخيار من خساراتٍ شخصيةٍ فادحة—من فقدان الرتب والمكانة، إلى التهديد المباشر للحياة—فإن الضباط المنشقين رسّخوا نموذجًا نادرًا للشجاعة السياسية والأخلاقية معًا. نموذجٌ يُظهر أن المؤسسة، مهما بلغت صلابتها، لا تستطيع أن تلغي صوت الضمير، وأن الانحياز للإنسان يمكن أن يكون، في ذاته، فعل مقاومةٍ عميق الدلالة.
إن التضحيات الكبيرة التي قدمها العسكريون السوريون المنشقون عن النظام الأسدي تمثل واحدة من أنبل صور الانحياز الوطني في تاريخ سوريا الحديث. فقد اختار هؤلاء، في لحظات بالغة القسوة والخطورة، أن يقفوا إلى جانب شعبهم، متخلّين عن مواقعهم ومصالحهم الشخصية، ومدركين تمام الإدراك لما سيترتب على هذا القرار من ملاحقة وتشريد وحرمان، بل وحتى الموت.
ومع ذلك، فإن هذه التضحيات، على عظمتها، لم تنل حتى اليوم ما تستحقه من إنصاف واعتراف وطني مؤسسي. إذ لا يكفي أن تُستعاد أسماؤهم في المناسبات، ولا أن تُقال بحقهم كلمات الثناء العاطفية بين الحين والآخر، لأن الوفاء الحقيقي لا يُقاس بالخطاب، بل بالفعل المنظم الذي يترجم الامتنان إلى سياسات وإجراءات واضحة.
لقد تعرض المنشقون، على مدى السنوات الأربع عشرة الماضية، لحملات ممنهجة من التشويه والتخوين، ليس فقط من قبل النظام الأسدي البائد الذي سعى إلى شيطنتهم وتجريدهم من أي شرعية أخلاقية، بل أيضًا من قبل بعض الفصائل المتشددة التي لم تكتفِ بإقصائهم، بل أقدمت في بعض الحالات على تصفية عدد منهم، في مشهد يعكس حجم الانحراف الذي أصاب جزءًا من المسار العام.
من هنا، فإن الحديث عن برنامج وطني متكامل لإنصاف العسكريين المنشقين لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مطلبًا فئويًا أو ترفًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل هو استحقاق وطني وأخلاقي، وركيزة أساسية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة التي تسعى إلى ترسيخ شرعيتها لا يمكن أن تتجاهل أولئك الذين خاطروا بكل شيء دفاعًا عن قيمها المفترضة.
ويمكن ترجمة هذا التوجه عبر حزمة من الإجراءات العملية، في مقدمتها
1. تكريم جميع العسكريين المنشقين، الأحياء منهم والشهداء، بمنحهم وسام "بطل الجمهورية"، بما يحمله من دلالة رمزية تؤكد مكانتهم في الوجدان الوطني.

2. العمل على تسوية أوضاع المنشقين العسكريين العسكرية بشكل عادل، من خلال إحالة من بلغ سن التقاعد إلى التقاعد وفق الأصول، بعد ترفيعهم إلى الرتب التي كانوا سيستحقونها لو استمروا في الخدمة، مع شمول هذا الإجراء للمتوفين والشهداء.

3. الضباط وصف الضباط الذين لا يزالون ضمن سن الخدمة، فيفترض إعادة دمجهم في المؤسسات العسكرية بشكل تلقائي دون المرور بخطوات أكثر من تقديم ثبوتياتهم، مع تصحيح مساراتهم الوظيفية وترفيعهم إلى الرتب المناسبة، بما ينسجم مع سنوات خدمتهم الفعلية.

4. منح من لا يرغب في العودة إلى الخدمة كامل حقوقه التقاعدية دون انتقاص.

5. ضرورة إجراء تسوية مالية عادلة تعوض هؤلاء عن سنوات الحرمان التي تكبدوها نتيجة موقفهم الوطني.

إن المنشقين العسكريين لا يمثلون مجرد حالة فردية أو ظرفية، بل يشكلون ظاهرة وطنية متكاملة، عنوانها تقديم الضمير على الامتثال، والانحياز إلى الشعب في مواجهة الاستبداد. وهم، في غالبيتهم، لم يسعوا يومًا إلى سلطة أو موقع، بل دفعوا ثمن خياراتهم من حياتهم واستقرارهم ومستقبلهم.
ولعل أبسط ما يمكن أن يُقدَّم لهم اليوم، إلى جانب الإجراءات العملية، هو الاعتراف الصادق بأن تضحياتهم كانت في محلها، وأنها أسهمت في حفظ كرامة السوريين، وأن هذا الوطن، الذي انحازوا إليه في أصعب لحظاته، قادر أخيرًا على ردّ بعض الجميل لمن وقفوا في صفه.
وأنا كمواطن سوري أنحنى إجلالً وإكباراً أمام تضحيات الضباط وصف الضباط والافراد العسكريين المنشقين، وأؤكد لهم بأنه لا يوجد فعل يكافئ فعلهم علواً وسمواً، وأنهم مثال في الوطنية الخالصة التي يفتخر بها وبهم كل انسان محب لوطنه في هذا العالم.



#علي_الأمين_السويد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراسة نقدية لمشروعية السنة النبوية في ضوء حديث الأعرابي والق ...
- فصل الدين عن الدولة: شرع أم سياسة؟
- استراتيجية نزع القداسة - القداسة في المجتمعات الاسلامية
- إيران سرطان جيوسياسي قاتل
- الرد على حرق نسخ القرآن الكريم
- ثورتان في سورية لا ثورة واحدة
- النقطة العمياء في الثورة السورية
- -طائفة النظام- وليس -النظام الطائفي-
- بُعْدٌ محتمل لاتصال بن زايد برأس النظام السوري
- اغتيال الأسد، أم اغتيال نظامه؟
- إسرائيل تجتاح سورية و تحاصر دمشق
- السعودية و تركيا و إيران يعربٌ و مغول
- لماذا حماس عميلة؟
- فتاوي بلا طعمة ولا نغمة
- السهم الأخير في الثورة السورية
- الثورة و معركة الفطرة
- التدين قبل و أثناء الثورة السورية
- الإستراتيجيات العشرة لبثِّ الإشاعات
- أهلاً و سهلاً بكل منشق جديد
- تطبيقات القمع الإيراني عند الأسد و الأخوان المسلمين


المزيد.....




- ستارمر: سأطلب من حزب العمال تحديد جدول زمني لاختيار خليفة لي ...
- أندي برنهام يحقق فوزا لافتا ويُعيد طرح اسمه لقيادة حزب العما ...
- سروودي انت?رناسي?نال، النشيد الاممي، Internationale
- الخارجية الروسية: ألمانيا ترفض دفع تعويضات لضحايا حصار لينين ...
- نبض التناقضات الرأسمالية ومعارك البديل التقدمي
- ?قاتل ?إلى جانب كاسترو.. رحيل المناضل الكوبي الكبير راميرو ف ...
- السودان: الحرب والتدهور الإقتصادي
- أزمة الزعامة تشتعل داخل حزب العمال.. هل يستقيل ستارمر لصالح ...
- بحضور الأمين العام.. انعقاد المؤتمر الإقليمي لحزب التقدم وال ...
- اعتصام مفتوح أمام مقر إدارة لوكالة التنمية الفلاحية وأمام مد ...


المزيد.....

- في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما ... / محسين الشهباني
- ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا ... / بن حلمي حاليم
- ثورة تشرين / مظاهر ريسان
- كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي / الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها / تاج السر عثمان
- غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا ... / علي أسعد وطفة
- يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي / محمد دوير
- احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها / فارس كمال نظمي و مازن حاتم
- أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة- / دلير زنكنة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - علي الأمين السويد - إنصاف العسكريين المنشقين استحقاق وطني