|
|
عودة الروح قامشلي في انتفاضة الجوعى!
إبراهيم اليوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 18:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
عودة الروح قامشلي في انتفاضة الجوعى*! تشهد قامشلي منذ أربعة أيام وقفات احتجاجية وتظاهرات شعبية متواصلة أعادت المواطنين إلى الساحات العامة بعد سنوات طويلة من الضيق المعيشي، بل الاستبداد، وممارسة كل أدوات وضغوطات التهجير. إذ يشارك في هذه الوقفات وجوه يعرفها أبناء المدينة منذ انتفاضة آذار 2004 الكردية ومروراً بالمظاهرات التي انطلقت في نيسان 2011، وكان أوائل الداعين إليها: الشباب الكردي، إلى جانب وجوه شابة تخوض تجربتها الأولى في الاحتجاج السلمي. يلفت الانتباه أن ملامح التعب والمعاناة تظهر على سيماء وملامح المشاركين، حيث تحمل الوجوه آثار سنوات متراكمة من الغلاء، والإرهاق، والانتظار، وتبدو ساحات الاحتجاج وكأنها تنقل ما تختزنه البيوت من قلق يومي على سبل الحياة الرئيسة: الخبز والكهرباء والماء والدواء. وحقيقة، فإن هذه الوجوه الأبية تستحق التحية لأنها خرجت دفاعاً عن كرامة الإنسان وحقه في الحياة الكريمة، ولأنها اختارت الاحتجاج السلمي رغم ثقل الظروف ورغم ما يحيط بالمشهد من ضغوط ومحاولات للتشويه. بمثل هذه الاحتجاجات التي تأخرت حوالي أربع عشرة سنة- من صنوف الحرب على المنطقة - تستعيد قامشلي قدرتها على استدعاء ذاكرتها كلما تراكمت أسباب الغضب في بيوتات وأرصفة المدينة وكلما ازدادت الفجوة اتساعاً بين الإنسان وحقه في حياة كريمة، حيث تحمل هذه المدينة في سجلها الحديث خبرة طويلة مع الاحتجاج السلمي، ومع الوقوف في وجه الاستبداد واحتكار القرار ومع الدفاع عن الكرامة العامة، لذلك جاءت الوقفات الاحتجاجية الأخيرة امتداداً طبيعياً لتاريخ اجتماعي وسياسي صنعه أبناء المدينة عبر سنوات طويلة ودفعوا في سبيله أثماناً باهظة من الاعتقال والملاحقة والتضييق والحرمان. يجتمع في هذه الوقفات شباب حملوا ذاكرة انتفاضة آذار 2004 الكردية في مواجهة النظام البعثي الأسدي وشباب ساروا في شوارع المدن السورية مع بدايات احتجاجات آذار 2011 وآخرون راكموا خبرات متواصلة في تنظيم الاعتصامات والاحتجاجات السلمية خلال سنوات متعاقبة، لذلك تبدو الوجوه مألوفة لكل من تابع تاريخ المدينة إذ يعرف الناس أن كثيراً من الواقفين اليوم سبق أن وقفوا في ساحات الاحتجاج خلال محطات مفصلية وأنهم دفعوا من أعمارهم وأرزاقهم وحرياتهم ثمناً لمواقفهم، وهكذا تبدو الوقفات الحالية امتداداً لسلسلة طويلة من الإصرار الشعبي على حماية حق المواطن في التعبير السلمي. تنطلق المطالب من تفاصيل الحياة اليومية، إذ ارتفعت الأسعار، بشكل جنوني، إلى حدود أنهكت العائلات وارتفعت كلفة المحروقات حتى صار تأمين أبسط وسائل التدفئة أو النقل عبئاً ثقيلاً فوق قدرة شرائح واسعة من السكان، وحيث تحولت الكهرباء إلى ضيف عابر وانكمشت القدرة الشرائية وتراجعت قيمة الرواتب وتأخر صرفها في أوقات يحتاج الناس خلالها إلى كل ليرة لتأمين الخبز والدواء وحاجات الأطفال، فخرج المحتجون وهم يحملون هموم البيوت قبل أن يحملوا الشعارات إذ ارتبطت مطالبهم بكرامة المواطن وأمنه ولقمته وحريته، وبحقه في العيش، ضمن حد أدنى من الاستقرار. تحمل الاعتصامات طابعاً مطلبياً واضحاً لأن السياسة تبدأ مع الدفاع عن الإنسان وحقوقه وتبدأ مع المطالبة بإدارة مسؤولة للشأن العام، حيث اتفق المشاركون منذ البداية على الحضور بصفاتهم المستقلة بعيداً عن أي اصطفاف تنظيمي، فكل شخص يقف هناك يحمل اسمه وتاريخه وقناعته وتجربته، وكل صوت يرتفع يعبر عن إرادة فرد اختار المشاركة الحرة، الأمر الذي منح هذه الوقفات "مصداقيتها" ومنحها المقدرة على مخاطبة المجتمع، بعيداً عن الحسابات الضيقة. تتحرك في المقابل محاولات متكررة للعزف على وتر التشكيك- البيني- وربط هذه الوقفات بهذا الطرف أو ذاك سعياً إلى تشويه صورتها وإضعاف تأثيرها، حيث يعرف السوريون جيداً هذا الأسلوب الذي رافق معظم الاحتجاجات طوال العقود الماضية، إذ يبدأ بإلصاق التهم ثم ينتقل إلى صناعة الانقسامات ثم يسعى إلى إبعاد الناس عن قضاياهم الأساسية، غير أن الوقائع الميدانية تفرض صورة مختلفة لأن المشاركين ينتمون إلى شرائح اجتماعية- بل أرومة فكرية- متنوعة ويجمعهم هدف واحد يتمثل في الدفاع عن حقوق المواطنين، وحماية حياتهم اليومية، من مزيد من الانهيار. تفتح قامشلي عبر هذه الوقفات صفحة جديدة من صفحات الصمود الشعبي التاريخي الذي ميز سكان المناطق الكردية في سوريا طوال عقود، حيث واجه الأهالي أكثر من منظومة استبداد وأكثر من شبكة فساد وأكثر من سلطة فرضت نفسها بقوة الأمر الواقع، ومع ذلك احتفظ المجتمع بقدرته على إنتاج أشكال سلمية من المقاومة المدنية وعلى الدفاع عن حقه في الكلمة الحرة وفي الاحتجاج المنظم وفي المطالبة بإصلاح أحواله المعيشية. إن قسوة الصورة الاجتماعية تزداد مع مرور الأيام، إذ تنام مئات آلاف الأسر وهي تحسب ما بقي لديها من خبز وما تبقى من ماء وما إذا كانت ساعات الكهرباء القليلة تكفي لشحن هاتف أو تشغيل براد، وتراقب الأسواق وهي ترتفع كل صباح إلى مستوى جديد، بلغ مافوق ذروته غير المتحملة، من سعار و-أسعار- الغلاء، وتنتظر راتباً يتأخر بينما تستمر حاجات الحياة في التدفق بلا انتظار، فتتحول تفاصيل العيش إلى معركة يومية تستنزف الإنسان قبل أن يبدأ يومه، وهكذا يغدو الوقوف في ساحة الكرامة والاحتجاج نضالاً عظيماً يخرج من قلب التجربة المعيشية نفسها. ولايزال الناس يحفظون في ذاكراتهم مرارة سنوات طويلة انداحت خلالها شبكات الفساد، في كل حدب وصوب، حتى شملت إلى مفاصل الحياة كلها، بعد أن ظهر وهيمن وحوش تجار الحرب فوق ركام المدن، وتضخمت ثرواتهم، نتيجة استثمار الدماء وإطالة عمر المأساة، واحتكار الأسواق والمواد الأساسية، فصار المواطن يدفع ثمن الحرب مرة، على نحو يومي، بينما تتكدس الأرباح في جيوب فئة صغيرة طفيلية، متوحشة، أحكمت قبضتها على الموارد وعلى حركة الاقتصاد وعلى مفاصل القرار المحلي، عبر شراكتها وتبعيتها لرموز الفساد في السلطة العابرة. ولا ننسى، البتة، كيف ازدادت معاناة الأهالي بعد وصول السلطة الجديدة التي تدير البلاد وفق منطق الأمر الواقع، حيث انتظر الناس انفراجاً يخفف الأعباء المتراكمة فإذا بالأزمات تتعمق أكثر، ناهيك عن الضغوط المعيشية التي باتت تزداد ثقلاً، كي تستمر وتتوسع/ وتضيق الدائرة التي عاشها السوريون منذ عام 1963 حين تعاقبت سلطات وصلت عبر الانقلابات أو عبر موازين فرضتها تدخلات خارجية وتحالفات متغيرة، ليظل المواطن السوري الضحية التي تدفع الكلفة، مهما تبدلت هويات وأشكال رموز السلطة، عبر مسميات وأسماء مختلفة، متناحرة، هي، واحدة، طبق: الأصل، في صميمها. قامشلي الكرد والسريان والعرب والأرمن والآشوريين توجه، اليوم، رسالة تتجاوز تخومها، وحدودها، لأن الاحتجاج السلمي يذكر السوريين بأن المجتمع ما زال يحتفظ بقدرته على الدفاع عن نفسه عبر الوسائل المدنية، وأن الكرامة اليومية ترتبط بالرغيف والكهرباء، والماء، والعمل، والراتب، والحرية، ارتباطاً وثيقاً، إذ يستحيل فصل الحقوق السياسية عن الحقوق المعيشية، وتستحيل- كذلك- مطالبة المواطن، الضحية، المجوع، بالصمت، وهو يرى حياته تضيق يوماً بعد يوم، ومن هنا، فها هي قامشليتنا التي دشن جكرخوين وغيارى الخمسينيات من الأجداد والآباء أول مظاهراتها السلمية، تستعيد، وتجدد روحها القديمة، عبر روح مائزة، سامية، جديدة، استفادت من عبر دروس الأمس المرير، تحت وطأة هذه السلطة أو تلك، مستندة إلى خبرة طويلة وإلى إصرار يتجدد مع كل جيل، معلنة أن صوت المواطن سيبقى حاضراً ما دامت أسباب الاحتجاج قائمة لأن مفردات الكرامة جديرة بالدفاع عنها، عبر صرخة غياراها المدوية التي تهز عرش الاستبداد، بأشكاله، المكشوفة، رغم تحوربها، سواء أحاول مناوأتها، أو ابتلاعها، وإجهاضها، لأن كل أكاذيب الفاسدين هنا وهناك باتت مفضوحة. المنتفضون: لسان حال المجوعين
#إبراهيم_اليوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جكرخوين كما عرفه صديقه المحامي عثمان عثمان
-
عثمان عثمان بهلوي ذاكرة قامشلي التي أغلقت بابها على قرن من ا
...
-
ثقافة الكراهية وردَّات بعض مرتدي البدلات المموّهة!
-
رانيا العباسي من حي الكرد الدمشقي إلى غياهب المجزرة اختفاء ع
...
-
من يسرق سوريا مرة أخرى؟ برلمان- الريموند كونترول-
-
زيارة إلى تل أفندي عبر شاشة هاتف*
-
زيارة إلى تل أفندي عبر شاشة هاتف
-
أكرم سيتي يختزل قرناً من الاستبداد في دقيقتين قراءة في الفيل
...
-
إصبع الكردي والجحر الأمريكي*
-
الغابة ومستأسدها وسلالاته المتناوبون: محارق الطامحين إلى الع
...
-
الزند أفستا
-
ضحك ينكسر قليلًا
-
الغابة ومستأسدها وسلالاته المتناوبون: محارق الطامحين إلى الع
...
-
مهلاً إلى أين أيها الجنرال؟! من دماء أبطال- روج آفا كردستان-
...
-
كردستان إيران وما بعد خامنئي سيناريوهات مفتوحة وحلم مشروع
-
من يعد أدوات الحروب؟ من يشعلها؟
-
ما بعد ميونخ: الدبلوماسية الحكيمة في مواجهة الحرب
-
دير شبيغل في نشرها المقال المزيف عن ضفيرة المقاتلة الكردية:
...
-
خريطة طريق لقوات سوريا الديمقراطية
-
ميليشيات الكتابة الطحلبية: عندما يكون- العمشاوي- مصدر معلوما
...
المزيد.....
-
ماكرون: الولايات المتحدة لم تعد وسيطا محايدا في أوكرانيا
-
بعد اعتماده 8 سنوات.. المغرب يقرر إنهاء العمل بالتوقيت الصيف
...
-
تقارير: ضغوط إماراتية تمنع إدانة أوروبية لدور أبو ظبي في حرب
...
-
ترامب يهاجم برلين: -طلبنا من ألمانيا قُبلة صغيرة.. فكان الرد
...
-
التلغراف: لندن تدرس بيع نفط -سميرتوس-
-
قرصنة الغرب للسفن.. قانون الغاب
-
واشنطن ودول مجلس التعاون الخليجي تجدد دعم حكومة دمشق
-
سوريا.. فرض حظر تجوال في الغزلانية بريف دمشق عقب اشتباكات مس
...
-
اليمن.. صاعقة رعدية تتسبب بوفاة خمسة أفراد من أسرة واحدة في
...
-
وزير الخارجية السوري يلتقي رئيس الإمارات وينقل له رسالة من ا
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|