حسام كناعنة
معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب.
(Hussam Kanaaneh)
الحوار المتمدن-العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 08:09
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
مقدّمة
لحّق حالك يا أبو العيال... هالمرّة، يا إم لِعيال...
بعد نشري لمقال "التسويق وأخلاقيات المهنية في العلاج النفسي"، أرسل لي أحد الزملاء فيديو معلّقًا: "بنفس موضوع مقالك. للأسف"!
فيما يلي نص حرفي للفيديو – وهو إعلان تسويقي لـ "أخصائية نفسية وتربوية" - كما تعرّف نفسها، بعنوان: التخلص من العلاقات السامة (لن أتحدّث عن "الأكشن" اللي في الفيديو):
"وانتِ لهلأ ما سجلتِ معي في خريطة التخلص من العلاقات السامة في
ثلاثة أيام. أرسلي لي كلمة خروج لحتى تشتركي معي وأكون معك.
استثمري 19 دولار
من أجل نفسك
لمرة واحدة اهدي نفسك
هدية
وادفعي استحقاقك
اوصلي لأفضل نسخك منك الآن".
كما جاء في المقال السابق المذكور أعلاه، نجد أنّ الإعلان الحالي أيضًا، وما على شاكلته من إعلانات ترويج للعلاج النفسي، يبقى من الناحيتين المهنية والأخلاقية "مبتذلًا" ومسيئًا، وبالعودة إلى أبرز الوثائق المرجعية فيما يتعلّق بالمعايير والمواثيق الأخلاقية المُنظِّمة لمهنة علم النفس على المستويات المحلية والعربية والدولية، وعلى رأسها الميثاق الأخلاقي للأخصائي النفسي والمبادئ الأخلاقية للممارسين النفسيين وقواعد السلوك المهني الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس والمُعتمد في العديد من الدول العربية، بالإضافة إلى مدونة أخلاقيات الممارسة في علم النفس العيادي، نجده أيضًا بعيدًا جدًا عن الالتزام بها، وأنّه منافٍ للحدّ الأدنى من هذه المعايير، وهذا ما سأطرق له بالتفصيل لاحقًا، لكن هذه المرّة سأطرق أيضًا إلى البُعد الجندري في الإعلان.
لماذا يُمكن تصنيف هذا الإعلان التسويقي على أنه غير أخلاقي وفقًا للمعايير المحلية والعربية والدولية؟
الانتهاك الأول في الإعلان هو المبالغة في الوعود وضمان نتائج غير واقعية، إذ يحتوي الإعلان على وعد مطلق وغير قابل للقياس: "التخلص من العلاقات السامة في ثلاثة أيام". هذا النوع من الوعود يتنافى بشكل صريح مع المبادئ الأخلاقية الأساسية التي تفرض على المشتغلين بمهنة العلاج النفسي الترفّع عن الأخطاء، والتجاوزات الضارة بالمهنة، أو مشتغليها، أو بالإنسان الذي تستهدفه هذه الخدمة النفسية. الادعاء بـ "خريطة التخلص" المحدّدة بثلاثة أيام يُعد وعدًا غير واقعي، إذ لا يمكن لأي علاج نفسي مسؤول أن يضمن تغييرًا جذريًا وسريعًا في أنماط العلاقات المعقدة.
الخلل الثاني هو أنّ الإعلان يفتقر إلى النزاهة والصدق، حيث إنّه يتسم بعدم الوضوح والشفافية فيما يتعلق بطبيعة الخدمة المقدمة وآلياتها. هذا يتعارض مع المبادئ الأخلاقية التي تُلزم الاختصاصيين النفسيين بأن تكون إعلاناتهم أو تصريحاتهم العامة غير كاذبة أو خادعة أو احتيالية.
المخالفة الثالثة هي الإلحاح في التسويق و"ضغط الندرة"، حيث تحتوي صياغة الإعلان على عناصر ضغط نفسي واستعجال غير أخلاقي، مثل: "وانتِ لهلأ ما سجلتِ معي"، أو: "لمرة واحدة اهدي نفسك هدية"، ممّا يوحي بفرصة محدودة لا تتكّرر. هذا النوع من التسويق يُعتبر ابتذالًا ويتعارض مع مبدأ أساس من مبادئ أخلاقيات المهنة في العلاج النفسي: "لا ضرر ولا ضرار".
يُفهم من هذه العبارات أن المُعلنة - "أخصائية نفسية وتربوية"، تستخدم أسلوب النُدرة والخوف من تفويت الفرصة (FOMO) كأداة ضغط لدفع المريض لاتخاذ قرار سريع دون تمكينه من فرصة كافية للتفكير والتقييم الموضوعي للخدمة. هذا الأسلوب يُعتبر استغلالًا للضعف النفسي للمنتفع المحتمل، وهو ما تمنعه بوضوح المبادئ الأخلاقية التي تحظر استغلال الأفراد لأغراض شخصية (الكسب المادي).
مشكلة رابعة في الإعلان أنّه يتجاهل قضايا الخصوصية والموافقة المستنيرة، فعلى الرغم من أنّ الإعلان يحثّ على "أرسلي لي كلمة خروج لحتى تشتركي معي"، إلا أنّه لا يقدّم أي إشارة إلى إجراءات "الموافقة المسبقة" أو "حماية سرية وخصوصية المعلومات". هذا يُعدّ خرقًا واضحًا للمعايير الأخلاقية التي تفرض على العاملين النفسيين والاجتماعيين الحصول على موافقة مستنيرة من المراجعين قبل تقديم أي خدمة علاجية.
إنّ غياب أي ذكر لسياسة الخصوصية أو طريقة التعامل مع بيانات المراجعين يجعل هذا الإعلان مخالفًا للقواعد التي تُلزم المعالجين بتقديم معلومات واضحة حول طبيعة الخدمة والرسوم ومشاركة الأطراف الثالثة وحدود السرية. هذا التجاهل الخطير يُعرّض المنتفعين لمخاطر حقيقية، خاصة في ظل انتشار الاستشارات الافتراضية دون رقابة أو مساءلة والتي قد تصل مخاطرها إلى اختراق الخصوصية وإعطاء استشارات خاطئة.
الإساءة الخامسة في الإعلان تتعلّق بعدم احترام كرامة المنتفع واستغلاله، فصياغته تُظهر عدم احترام لكرامة المنتفعة من خلال استخدام عبارات مثل "استثمري 19 دولار من أجل نفسك" و "ادفعي استحقاقك"، مما يُحوّل العلاقة العلاجية إلى علاقة تجارية بحتة؛ هذا يتعارض مع المبادئ الأخلاقية وينتهك القاعدة التي تفرض على الاختصاصي النفسي ألا يسعى للكسب أو الاستفادة من المنتفعين بصورة مادية أو معنوية إلا في حدود الأجر المتفق عليه.
علاوة على ذلك، فإن تحديد سعر الخدمة بـ 19 دولارًا دون أي إشارة إلى سياسة الاسترداد أو الإلغاء يُعتبر غير أخلاقي، إذ إنّه يُلزم المنتفع بدفع مبلغ دون توفير ضمانات كافية لحقوقه كمتلقي خدمة صحية نفسية.
البُعد الجندري في استهداف الإعلان للنساء حصريًا: تمييز جندري أم افتراضات نمطية؟
الإعلان يستخدم صيغة المؤنّث حصريًا: "وانتِ لهلأ ما سجلتِ معي"، "أرسلي لي"، "استثمري"، "اهدِ نفسك"، "ادفعي"، "اوصلي". هذا يعني أنّ الـ "أ. أخصائية نفسية وتربوية" تستهدف النساء فقط، وكأنّ الرجال ليسوا بحاجة إلى التخلّص من العلاقات السامة، أو أنّهم غير مؤهلين للاستفادة من هذه الخدمة.
الإشكاليات الأخلاقية والمهنية لاستهداف جنس واحد دون مبرر
أولًا، هذا يُعزّز القوالب النمطية الجندرية، فالافتراض الضمني في هذا الإعلان هو أنّ النساء هن الضحايا الأساسيات أو الوحيدات للعلاقات السامة، وهذا يتناقض مع الأدلة العلمية، حيث تشير الدراسات إلى أنّ الرجال يعانون أيضًا من العلاقات السامة، إن كانت عاطفية أو أسرية أو صداقات أو في العمل. تشير الدراسات أيضًا إلى أنّ الرجال قد يكونون أقل ميلًا لطلب المساعدة النفسية بسبب الوصم الاجتماعي، لكن استبعادهم تمامًا من الخطاب التسويقي يُعزّز الفكرة الخاطئة بأنّ هذه المشكلة "نسائية" فقط.
هذا الاستهداف الأحادي يُعدّ انتهاكًا للمبدأ الأخلاقي الذي يفرض على الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين احترام كرامة جميع الأشخاص بغض النظر عن جنسهم، ويتعارض مع معايير المساواة وعدم التمييز المنصوص عليها في المواثيق الأخلاقية العربية والدولية.
ثانيًا، الإيحاء بأن النساء "أكثر عرضة للسذاجة" أو "أقل تمييزًا"، فمخاطبة النساء فقط بأسلوب يحمل عناصر الضغط النفسي والوعود السريعة ("ثلاثة أيام"، "لمرة واحدة") قد يُفسَّر على أنه استهداف متعمّد لشريحة يُفترض أنها أكثر استجابة لمثل هذه العروض التسويقية، وهو ما يحمل دلالة سلبية عن نظرة المُعلنة لقدرة النساء على التفكير النقدي واتخاذ قرارات مدروسة.
هذا لا يعني بالضرورة أنّ صاحبة الإعلان تعتبر النساء ساذجات بشكل واعٍ، لكن الصياغة تعكس تحيّزًا ضمنيًا شائعًا في بعض الثقافات، وهو أنّ النساء أكثر عاطفية أو أقل حذرًا في اتخاذ القرارات المتعلّقة بالصحة النفسية، وهذا التحيّز في حدّ ذاته غير أخلاقي.
ثالثًا، تجاهل تنوع التجارب الإنسانية، فالعلاقات السامة لا تعترف بجنس محدّد، حيث إنّ الرجال يعانون أيضًا من علاقات سامة مع شريكات حياتهم، ومن علاقات سامة في بيئة العمل ومن علاقات سامة مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء.
باستهداف النساء فقط، ترسل صاحبة الإعلان رسالة ضمنية مفادها أنّ تجارب الرجال في العلاقات السامة أقل أهمية أو غير موجودة، وهو ما يُعد تمييزًا واستبعادًا غير مبررين.
رابعًا، مخالفة مبدأ "العدالة" في الأخلاقيات المهنية، حيث إنّ أحد المبادئ الأخلاقية الأساسية في علم النفس هو العدالة، والتي تعني أنّ الاختصاصي النفسي يجب أن يتيح الوصول العادل والمنصف إلى خدماته لجميع الأفراد بغض النظر عن خصائصهم الشخصية. إنّ استهداف جنس واحد بشكل حصري دون مبرّر سريري أو علمي يُشكّل انتهاكًا لهذا المبدأ، إذ يُحرم الرجال من فرصة متساوية للوصول إلى الخدمة المُعلن عنها.
هل هذا "سذاجة" من المرشدة صاحبة الإعلان أم ممارسة متعمدة؟
من المهم التمييز بين أمرين، من جهة سذاجة صاحبة الإعلان، فإذا كانت تعتقد حقًا أنّ النساء فقط مَن يعانين من العلاقات السامة، فهذا يعكس جهلًا مهنيًا خطيرًا بالمشكلات النفسية التي تصيب الرجال، وهو ما يضعف مصداقيتها كاختصاصية نفسية. من جهة ثانية استراتيجية تسويقية متعمدة، فمن المرجّح أنّها استهدفت النساء عن قصد لأنها تعتقد (صوابًا أو خطأً) أنّ النساء أكثر استجابة للإعلانات العاطفية والسريعة، أو أنّ سوق "التمكين النسائي" أكثر ربحية. هذا يُعتبر استغلالًا تجاريًا للصورة النمطية عن النساء، وليس سذاجة. في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة - ممارسة غير أخلاقية.
تقييم إضافي للإعلان في ضوء البعد الجندري
إضافة إلى الإشكاليات السابقة في الإعلان، كالمبالغة والإلحاح وغياب الخصوصية وعدم النزاهة، فإن الاستهداف الحصري للنساء يُمثّل بُعدًا جديدًا من عدم الأخلاقية، وهو، أوّلًا، تعزيز الصور النمطية الضارة بالنساء، ككونهن ضعيفات، عاطفيات، أو بحاجة إلى "إنقاذ" سريع. ثانيًا، تجاهل معاناة الرجال في العلاقات السامة، ممّا يُساهم في استمرار الوصم الذي يمنع الرجال من طلب المساعدة. ثالثًا، انتهاك مبدأ العدالة والمساواة في الوصول إلى الخدمات النفسية.
في ضوء البعد الجندري، يمكن القول إنّ الإعلان يشكل نوعًا من الأفكار المسبقة والتمييز الجندري، بغض النظر عن نية المعلنة؛ ليس بالضرورة أنّها "تعتبر النساء ساذجات" بشكل صريح، لكن الصياغة والتوجيه الحصري للنساء بأسلوب يستخدم الإلحاح والوعود السريعة يعكس تحيزًا ضمنيًا خطيرًا. والأسوأ من ذلك، أنها تحرم الرجال من فرصة متساوية للوصول إلى الخدمة، وتُعزّز الصورة النمطية الخاطئة بأن العلاقات السامة "مشكلة نسائية" فقط.
خاتمة وتوصيات
يُعد هذا الإعلان نموذجًا سلبيًا آخر للتسويق في مجال الصحة النفسية، حيث يضع المصالح التجارية فوق سلامة المرضى وكرامتهم. إنّ الالتزام بالمعايير الأخلاقية ليس مجرّد إجراء شكلي، بل هو "دستور تعاهدي بين المتخصصين، يلتزمون وفقًا له بالسلوك الهادف إلى أداء مهني عال، يترفع عن الأخطاء، والتجاوزات الضارة بالمهنة، أو مشتغليها، أو بالإنسان الذي تستهدفه هذه الخدمة النفسية"، كما جاء في الميثاق الأخلاقي للأخصائي النفسي (أخلاقيات المهنة في علم النفس)، الصادر عن رابطة الأخصائيين النفسيين المصرية.
للتجنّب من الوقوع في مثل هذا الإخفاق، ولإعلانات تتوافق مع المعايير الأخلاقية، على العاملين/ات في العلاج النفسي أن يراعوا في إعلاناتهم تقديم معلومات واقعية ودقيقة عن الخدمة دون وعود مطلقة، وذكر المؤهلات العلمية والتراخيص المهنية بوضوح، وتضمين إجراءات الخصوصية والموافقة المستنيرة، بالإضافة إلى تجنّب استخدام أساليب الضغط النفسي والاستعجال.
من المهم أيضًا إخضاع الإعلانات التسويقية في مجال صحة النفسية لمراجعة أخلاقية مسبقة من قبل لجنة مهنية متخصّصة، منبثقة عن وزارة الصحة الفلسطينية و/أو نقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينية، وعلى النقابة أيضًا أن تعمل على تعزيز الوعي المهني لدى الاختصاصيين/ات الاجتماعيين/ات والنفسيين/ات حول أهمية الالتزام بأخلاقيات الإعلان والتسويق، وذلك من خلال ورش العمل والدورات التدريبية المتخصّصة.
##حسام_كناعنة (هاشتاغ)
Hussam_Kanaaneh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟