أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام كناعنة - حينما تتشابك خيوط الوطن وتتقطّع نياط القلب















المزيد.....

حينما تتشابك خيوط الوطن وتتقطّع نياط القلب


حسام كناعنة
معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب.

(Hussam Kanaaneh)


الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 23:06
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ستُّ ساعاتٍ في ضيافة عائلة شهيد محتجز جثمانه
الفاتح من أيلول 2022، تفتح دفتر يومياتك فتلتقي بما كنت قد كتبته لزميلاتك وزملائك في المركز الفلسطيني للإرشاد، قبل ثلاث سنوات في التمام والكمال، حينها كنت في عطلة رأس السنة الهجرية:
"أنا اليوم طلعت من البيت الساعة 9 الصبح ورجعت قبل شوي 9 ونص المسا. استغليت الفرصة إني ما طلعت على الشمال فسافرت باتجاه الجنوب. كنت زيارة في بيت جالا لعائلة الشهيد عبد الحميد أبو سرور، وهو أقدم شهيد ما زال جثمانه محتجزًا لغاية اليوم، منذ ثلاث سنوات وأربعة شهور، بعد قرار إعادة احتجاز جثامين الشهداء، والذي أُقرّ من الكابينيت الصهيوني المصغّر بتاريخ 13/10/2015، وظلّيت عندهم من الساعة 11 للساعة 5 مساءً، من هناك كمّلت على العيزرية وزرت عائلة الشهيد الطفل نسيم أبو رومي المحتجز الأخير منذ 17 يوم. طلعت من عندهم الساعة الثامنة مساءً، وطوال الطريق وأنا أفكّر بالأشياء التي سمعتها اليوم وأسمع راديو، بعدين كنت أصفن بحالي وأنا سايق، إنّي بسمع مش بس أخبار، كنت عم أسمع أغاني وأنا عم بفكر بالقصص الصعبة اللي سمعتها اليوم، وقد ما تتخيلوا إنكم ممكن تتخيّلوا قديش صعب الأشياء اللي سمعتها، صدقوني إنكم مش راح تصدقوا لما تسمعوا التفاصيل. "المفارقة" اللي بحكي عنها، إني بسمع موسيقى وأنا بفكّر بهذي القصص وسايق هي أبسط مثال للمفارقات اليومية اللي بعيشوها أهالي الشهداء. وبفكّر إني ما ببالغ ولا أستخدم تعبير مجازي أو رومانسي لما بحكي انه عن جد هون وبهذي القصص تتجسّد الأوديسا الفلسطينية، من خلال الألم اليومي غير المنتهي ومن خلال الجرح/ القبر المفتوح. مرة ثانية بقول إنه مش مجازًا بحكي، والأوديسا، رحلة العذاب والضياع التي لا تنتهي، تكتمل عندما أكتشف إنّه والدة الشهيد عبد الحميد أبو سرور، الذي يحمل اسم جده لأمه، عاشت تجربة مشابهة جدًا وهي ابنة 9 سنوات، حين استشهد والدها نتيجة لقصف اسرائيلي على منطقة الفاكهاني، في بيروت، 7/7/1981، وبقي جثمان الوالد تحت الأنقاض سبعة أيام والأم ترفض فتح بيت العزاء إلا بإحضار الجثمان لها، فقرّر الفصيل الذي كان ينتمي له الجد، وبمساعدة شباب باقي الفصائل أن يحفروا بأيديهم الردم لينتشلوا الجثمان؛ وحين تمّ ذلك وأعادوه إلى دوما قرب دمشق، حيث كانت تعيش العائلة، وقبل أن يُدفن في مخيم اليرموك، أصدر الطبيب الذي عاينه قرارًا بمنع أي شخص تحت سن الخمسين من رؤية الجثمان نتيجة للوضع الذي كان عليه".
تعود بك الذاكرة إلى ذلك اليوم، وكأنّه أمس، والألم مغروس في طيّات الذاكرة وثنايا الوجع.
تنطلق باكرًا في سيارتك متّجهًا صوب بيت لحم قادمًا من الشمال عن طريق القدس، تعبر من أراضي قرية المالحة المدمّرة، فتتذكّر زميلك حسن فرج ابن القرية، والذي هُجّرت عائلته منها واستقرّت بجوارها، في بيت صفافا. تُفكّر بأن تتّصل به لتُلقي عليه التحية وتحتسي معه فنجان قهوة، لتهرب من أفكارك التي لازمتك طوال الرحلة، عن لقائك القادم بعائلة شهيدٍ محتجز جثمانه لدى الاحتلال، وعمّا قرأته عن هذا الشهيد، وسمعته من لقاء سابق لك مع والد شهيد آخر، كان قد اُحتُجِز لفترة طويلة في ثلاجات الموتى لدى سلطات الاحتلال، لكنّك تقرّر عدم الاتصال، حتّى لا تتأخّر على العائلة، وعلى أمّ الشهيد التي حادثتها مساء أمس ورتّبتما لهذا اللقاء.
تستمرّ في طريقك، وتصل إلى طريق الخليل، ثمّ تنعطف يسارًا، قبل قبة راحيل، بوابة بيت لحم الغربية، لتدخل من طريق ملتوية إلى المدينة، عابرًا حاجز 300. بعد الخروج من الحاجز، تنعطف يمينًا ثمّ يسارًا لتعود إلى طريق الخليل، التي تقطع بيت لحم من شمالها إلى جنوبها ومن وسط مخيّم الدهيشة للاجئين، وتتبع تعليمات والدة الشهيد، بالذهاب أولًا إلى المحل التجاري للعائلة، المتواجد في شارع جمال عبد الناصر، بالقرب من وزارة السياحة. هناك، حيث وجدتَ أبا أحمد، السيّد محمد أبو سرور، والد الشهيد عبد الحميد، جالسًا على مكتبه، ولا تذكر إن كان صافنًا في الفراغ أم في جهاز الهاتف يُقلّب به خبط عشواء.
بادرتَهُ بالتحيّة، وعرّفته على نفسِك وأخبرتَه بمَهمّتِك التي من أجلها تواصلتَ مع زوجته، بناء على نصيحة من ثاكل آخر، ممّن أُحتُجِز جثمان نجله الشهيد لأشهرَ طوال، السيّد محمّد عليان، والد الشهيد بهاء، من جبل المكبّر، والذي تحرّر من الثلاجات ووريَ الثرى قبل ثلاث سنوات بالضبط، في 1/9/2016. بعد أن تجلس بلحظة يُبادرك بالقول إنّه يعرفُك، وإنّ وجهك مألوف له. تقول له إنّك لا تعتقد ذلك، لكنّك تعتقد بأنه قد يعرف أخاك الأكبر، وتخبره بكنيته، لكنّه لا يتذكّره، مع العلم أن مَن أوصاك بزيارة هذه العائلة وأعطاك رقم هاتفهم كان قد أخبرَك بأنّ الأب يعرف أخاك جيّدًا.
بعد تبادل كلمات قليلة، تقود سيارتك خلف سيارة أبي أحمد إلى بيت جالا الوادعة، عبر حاراتها، وشوارعها الملتوية، لتصلا سريعًا إلى بيت العائلة. يدعوك أبو أحمد للدخول إلى الصالة، وأوّل ما تُقابله هو بوستر كبير يضم الأب وابنته الصغرى مع الشهيد عبد الحميد، ثمّ تنتبه إلى الكم الهائل من "دروع التكريم" لعائلة الشهيد وباسمه.
بعد دخولنا إلى الصالة ينادي أبو أحمد على زوجته، ثمّ يعلّق قائلاً، مثل أيّ رجل في أي بيت عادي، إنه لا يستوعب قضية التنظيف اليومي للبيت، وعادة دلق الماء والشطف، ويضيف متسائلًا ومستهجنًا، ما الضرورة لذلك ونحن لا نستخدم البيت إلا ليلًا للمبيت، فكلّ نهاراتنا، حتى ساعة متأخّرة، خارج المنزل، ونعود إليه للنوم. يبدو لك المشهد والموقف مألوفان، ديجافو، وكأنّك في بيتك وصوت المرحوم والدك وهو يعيد نفس الكلام والاعتراض على هاته العادة غير المفهومة، ولا بالمقبولة، لدى الرجال. فتتساءل بينك وبين نفسك، هل الهدف من هاته العادة هو بالفعل النظافة والترتيب، أم هو هروب ممّا يشغل البال ويؤرّق الحال. وَنَى الروح صعب، كما يُقال، والفرِاق أصعب، وغموض المصير مخيف والانتظار مرعب، وجدران البيت تصرخ. فتعود بك الذاكرة إلى تلك الصرخة التي سمعتها في إحدى الصباحات البعيدة، أواخر السبعينات، إلى صرخة والدتك، فتركض إليها لتشاهد لجن الغسيل والماء المتحوّل لونه إلى الأحمر المتّسخ، من تلك البلوزة البيضاء لأخيك، والتي أُحضرها محاميه، من المحكمة. البلوزة البيضاء الملتصقة على جسده والتي تحوّلت تحت وقع ركلات المحقّقين ولكماتهم له إلى سوداء، فتشرّبت دمه، ومع نقعها لليلة في اللجن تبيّن لوالدتك أنّ سخامها لم يكن سوى دم ابنها، وليس العرق والغبار ما جعلها سوداء، كما اعتقدت، فأطلقت تلك الصرخة. منذ ذلك الوقت وأخوك، وشباب العائلة، مستهدف من شرطة الاحتلال وشاباكه، ووالدتك تخاف من صوت سيارات الجيب، التي تقترب من البيت، ولا تنام قبل أن تطمئنّ أنّ الجميع في البيت، فتتساءل مجدّدًا عن الحاجة للنظافة والتنظيف لدى نساء فلسطين.
صاحبة البيت غير معتادة بأن تجلس فيه كل النهار، فهي مشغولة جُلّ وقتها في معركة استعادة جثمان ابنها الشهيد، لتقوم بآخر مَهمّة تجاهه، ولتوفي دينها الأخير، ألا وهما دفنه في حضن الأرض الدافئة، وإغلاق قبره المفتوح، علّ جرحها يندمل يومًا ما، فتحقّق أمنيتها في الحياة، بأن تدفن ابنها. وإن جلسَت به تُشغل نفسها حتى تهرب ممّا يشغل بالها، فلا تنفكّ تنظّف وتشطف وترتّب وتجهّز، بلا كَللٍ ولا مَلل، فضجيج أعمال البيت أرحم من صخب الأفكار.
صدفة، وهي ليست فعلًا كذلك، اليوم هو يوم عطلة رأس السنة الهجرية، وهي العطلة التي سمحت لك بالذهاب لهذه الزيارة، وسمحت لأم أحمد، السيّدة أزهار، وهي معلّمة اللغة العربية، بأن تستقبلك.
تحضر أم أحمد، والدة الشهيد عبد الحميد وتجلس معكم، ولا تنسى هذه العائلة، على الرغم من الموضوع الذي قدِمتَ لأجله، كرم الضيافة، فتسألُك ماذا تفضل، شرب القهوة أم الشاي، وكابن للجليل تُفضّل بطبيعة الحال القهوة.
بمجرّد أن تُعرّف عن نفسك تبدأ الحواجز بالانكسار وتتبدّد مخاوفك من ثقل المَهمّة المنوطة بهذه الزيارة، وهي التعرّف على الآثار النفسية لعقوبة احتجاز جثامين الشهداء في ثلاجات الموتى لدى الاحتلال على أسرهم، والجليد المرافق للموضوع يبدأ بالذوبان، فأنت من الجليل، وهذا ما أفرح السيّدة أزهار، وأشعرها بالألفة، حيث إن والدتها من مدينة صفد، كما أنها تعرّفت على أخيك، حين ذكرتَ لها اسم عائلتك، وقالت إنّه حاول أن يساعدهم، برفقة محام، في العثور على قبر ابنهم، بعد أن استطاعوا استصدار مستند رسمي من محكمة الاحتلال، بمساعدة قانونية من جمعية "عدالة" الحيفاوية، تُبيّن أنه تمّ نقل الجثمان من ثلاجات الموتى إلى مقبرة الأرقام في مستوطنة "عميعاد"، المقامة على أراضي قرية جب يوسف المدمّرة، جنوب شرق صفد في الجليل الأعلى، ومذكور في المستند رقم القبر وتاريخ الدفن. أم أحمد ذكّرت زوجها بأن أخاك كان بصحبتهم مع قلّة من الناس في المحكمة العليا حين صودق على قرار "استمرار حجز الجثامين". في ذلك اليوم، أضافت قائلة، كنّا قلّة بمواجهة المستوطنين الذين هاجمونا وحاولوا الاعتداء علينا، بينما كان الجميع، من مؤسسات رسمية وشعبية وصحافة منشغلين في قضية الخان الأحمر.
حين أُحضرت القهوة، تم تقديمها في فناجين القهوة السادة، التي اعتدتم عليها في الشمال، والتي يُسكب بها بقدر قليل، كاف لسماع زغرودة الفنجان؛ فكما اعتاد العم أبو هشام أن يقول، على لسان بدو الشمال: "القهوة السادة للفم ومش للمعدة"، لكنّهم هنا يستعملونها للقهوة العادية، ويملأون الفنجان لعبابه. فنجانك ذاك رافقك طوال النهار، بينما هم كانوا قد سكبوا به مثنىً وثلاث. طبعًا، مع تقديم القهوة، عزموا عليك الدخان، فاعتذرت لأنّك غير مدخن، على الرغم من كونّك أسيرًا محرّرًا، وكنت قد أمضيت سنوات طوال من عمرك في الأسر، فاستأذنوا منك، وهم أصحاب البيت والإذن، إن كان بإمكانهم التدخين، وكنت تعلم مدى حاجتهم لذلك وهم على وشك أن يرووا رحلة العذاب التي رافقتهم، وما زالت، منذ استشهاد "عبد الحميد". بدورك، استأذنتهم إن كان بإمكانك تسجيل المقابلة، فأذنوا لك، وبدأت الأم برواية القصة، التي لم تنته إلى يومنا هذا، قصة استشهاد ابنها عبد الحميد، والذي كانت كثيرًا ما تدعوه بـ "عبد"، واحتجاز جثمانه، أولًا في ثلاجات الموتى، ومن ثَمّ في مقبرة الأرقام، مع العلم أنّ قبر الشهيد في مخيم عايدة للاجئين في بيت لحم ما زال مفتوحًا في انتظار أن يُوارى الثرى.
تبدأ التراجيديا من يوم غياب "عبد" عن البيت. يومها كان قد أخبرها أنه خارج لشراء البوظة ولم يعُد، حيث بقيت والدته قلقة عليه، وكأن قلبها كان يشعر بالقادم، لكنّها لم تستطع أن تقول شيئًا، وماذا عساها تقول! الأمر صعب، وخوف من المساءلة، لكنّ الاحتلال سرعان ما استدعى الأب للاستجواب، فتوقّعت مجيئهم، وبدأت الأنباء تتوارد حول استشهاد عبد الحميد. الساعة الثالثة فجرًا تداهم قوّات الاحتلال بيت العائلة، ويسأل الضابط، أين صاحب البيت؟ وهو عندهم! يجمعون النساء في جهة والرجال في الجهة أخرى، فطلبت الإذن بأن تبقى ابنتها الصغرى، شام ابنة العامين، في فراشها، لكنّهم يرفضون.
قوات الاحتلال تجري تفتيشًا انتقاميًا في البيت، تكسير وتدمير وعبث بالأغراض وبالذكريات، ولعب على الأعصاب، فحينها قال أحد ضباطهم: "دمّركم عبد الحميد"، مُلمّحًا لهدم البيت المرتقب، وأضاف مستفزًا والدة الشهيد: "بكّير على العزا". سألَتْهُ: "عزا مين؟ قال لها: "ابنك عبد الحميد نص شهيد!". مثل هذا الكلام يغذي شكوكها حول حقيقة استشهاده وإذا ما تمّ تصفيته لاحقًا، وسُرقت أعضاءه، أم أنّه قد زُجّ به في أقبية سريّة للمخابرات، وهي، كغيرها من أمّهات الشهداء، تقول: "الواحد بدفن ابنه بإيده وبظل غير مصدّق إنه رحل"، فكم بالحَري حين لا يُرى جثمانه، وتضيف قائلة: "بظل في واحد بالمية احتمال انه ابنّا لساته عايش". وبقي هذا الواحد بالمائة يؤرّقها لليوم، خاصة وأن هنالك من خرج من المعتقل وأشاع بأنه قد رأى عبد الحميد، ومن قال إنه رآه في المشفى نصف ميت.
الوالد حين عاد من التحقيق، ومن التشخيص في المشفى، قال لزوجته فقط: "ادعي له بالرحمة". هناك في المشفى، ومن بعيد، أروه جسدًا معلقًا ومحروقًا ومشوّهًا، قيل له إن هذا ابنك وأرادوا التأكيد منه، وقال: "لم يُكسرني شيئًا في حياتي وفي هذه القضية سوى هذا التشخيص، كان في رأسي صورة لابني ولم أكن أريد لها التشوّه، لكنّهم فرضوا عليّ تشخيصه". والأب لم يتعرّف عليه، كان هناك جسد مشوّه بلا أطراف، بَيْدَ أنّ الأم أضافت قائلة: "لو انت شُفت فقط قطعة لحم، بدّي اياته، أدفنه". مع نبأ الاستشهاد، أوّل سؤال طرحته الوالدة كان: راح يسلموه؟ العائلة جهّزت القبر ولم تنتظر، لكنّه حتى اليوم بقي مفتوحًا، ينتظر صاحبه.
هذا الانتظار، وعدم إنجاز المَهمّة يُشعر العائلة، وخصوصًا الوالدين، بالمسئولية، "وبأنّ استعادة الجسد واجب لا يمكن التقصير إزاءه، وربّما يخالجها شعور بالذنب إذا ما عجزت عن مرادها، مضافًا إلى الشعور بالهزيمة، وهي مشاعرٌ مناقضة بالكليّة لما يتوقّعه العُرف المجتمعيّ من شعور بالفخر وبالألم الممزوج بالابتهاج، والمرافقان عادة لأسر الشهداء". وهنالك أيضًا الشعور بالذنب تجاه بقيّة أفراد الأسرة، الأخوة والأخوات، بسبب الانشغال اليومي بقضية استعادة الجثمان، وبالتالي التقصير تجاه متطلّباتهم. هنا تشير إلى ابنتها الصغرى، شام، وتقول لك إنّها تقضي معظم وقتها برفقتهم إلى الاعتصامات والتظاهرات، وإلى زيارات عائلات الشهداء، وتعود معنا في ساعات متأخّرة من الليل نائمة في الحافلات. أما الأخت الكبرى، التي كانت ممتازة في دراستها، فقد وجدت نفسها فجأة، بغياب الوالدين وانشغالهما بقضية "عبد الحميد"، مسئولة عن البيت، وفي التوجيهي حصلت بصعوبة على معدّل 70، ممّا جعل الأم تشعر بالذنب وبالتقصير تجاهها.
هنا تشعر وكأنّ حياة العائلة أصبحت معلّقة بمصير ابنها الشهيد، فالعمل على استعادة جثمانه ودفنه هو أولويّة الأولويّات، فلا راحة ولا استقرار ولا حياة عادية، أو حتّى حزن عادي، فلا مجال لديهم للحزن، لأنّهم مشغولون بقضية استعادة الجثمان، وبمصيره؛ هل حقًا تمّ نقله من ثلاجات الموتى ودُفن في مقابر الأرقام، في مستوطنة "عميعاد"؟ وكيف كان في ثلّاجة الموتى، هل كان يشعر بالبرد؟ هل تشوّه جسده، في درجات الحرارة المنخفضة، 40 تحت الصفر؟ وغيرها من الأسئلة ومن الهواجس التي لمجرّد التفكير باحتمالاتها يقشعرّ بدنك لها! هي رحلة عذاب لا تنتهي، وأكثر كلمة سمعتها، لم تكن الحزن، لكنها كانت "الألم": ألم، وألم، وألم. ألم الأم التي أصبحت أمنيتها في حياتها، أن تدفن ابنها قبل مماتها، مع العلم أن من طبيعة الأمور، ومن سُنن الحياة، أن يدفن الابن والديه. ألم الأم التي تقول لابنها الآخر، المسافر بعيدًا لإتمام دراساته العليا: "أنا مرتاحة طالما أنت بعيد". الأم التي تحزن على العائلة، لأنّ كل وقتها أصبح مخصّصًا لعبد الحميد. الألم من أيّ شيء يذكّرها بالشهيد، من الثلاجة ومن كل ما هو مجمّد بها، ومن البرد، ومن أحلامها/ كوابيسها. ألم الأم التي إن أرادت أن ترتاح وأن تجد قليلًا من السلوى تذهب إلى الجلوس عند قبر عبد الحميد، وما يزيدها ألمًا، هو أنّ هذا القبر ما زال مفتوحًا، كجرحها.
أنت تًسجّل كلّ شيء وتكتب ملاحظاتك، وتستفسر وتحاور حين تستطيع، أو حين تأتيك الجرأة، من خوفك أنّك قد تنكأ جراحًا قديمة لم تندمل بعد، وأنّك قد تفتح أخرى جديدة، أو أن تبدو كباحث عادي لا يعنيه سوى المعلومة لينجز ما جاء من أجله والسلام.
تعود إلى اليوم، إلى مكتبك وإلى أوراقك وسجلّاتك، لتنضّد أفكارك، وتتساءل: أين نحن اليوم من هذه القضية؟ من قضية استعادة جثامين الشهداء المحتجزة لدى الاحتلال، في ثلّاجاته وفي مقابر الأرقام؟ وتتذكّر، لتُذكّر: آنذاك، قبل ثلاث سنوات، حين بدأت العمل على بحثك، كان عدد الشهداء المحتجزة جثامينهم في الثلّاجات، منذ تشرين الأوّل 2015، قد وصل إلى خمسين شهيدٍ وشهيدة، بينما يصل هذا العدد اليوم إلى 102 شهيدٍ وشهيدة محتجزين في ثلاجات الاحتلال، من بينهم تسعة أسرى استشهدوا داخل السجون، إضافة إلى 256 جثمان شهيد محتجزين في مقابر الأرقام، والأرقام آخذة في الارتفاع، والألم لا ينتهي.
حسام كناعنة، معالج نفسي
لمزيد من المعلومات حول هذه القضية، يمكن الاطلاع دراسة: الآثار النفسيّة لعقوبة احتجاز جثامين الشهداء على أُسَرِهم، حسام كناعنة، المركز الفلسطيني للإرشاد، 2020.
https://www.pcc-jer.org/sites/default/files/articles_files/lathr_lnfsy_lqwb_htjz_jthmyn_lshhd_l_srhm.pdf



##حسام_كناعنة (هاشتاغ)       Hussam_Kanaaneh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتباه والحركة والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الانتباه، الحركة، والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الاكتئاب و-فكرة الرحيل-... أنت لست وحدك في هذا...
- العلاج بالتقبّل والالتزام و-طيور القَلق-
- الانتحار و-العدوى العاطفية- أو -Copycat Effect-
- حناظل فلسطين في يومهم العالمي: أطفال فلسطين تحت القصف والاست ...


المزيد.....




- منظمة الصحة تحذر من مخاطر -الأمطار السوداء- في إيران.. ماذا ...
- مجتبى خامنئي.. هل أصيب في القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيرا ...
- من -بنت إبليس- إلى -حكاية نرجس-.. كيف تحولت جريمة حقيقية إلى ...
- لغز -التنين- المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟
- خلال الحرب.. كيف يتم التشويش على -جي بي إس-؟
- عاجل | وكالة أنباء كوريا الشمالية: بيونغ يانغ تدعم اختيار مج ...
- هرتسوغ يدافع عن ضرب مواقع النفط الإيرانية.. ماذا قال؟
- السعودية تعلن تدمير مسيّرتين في الربع الخالي
- الدفاعات الإماراتية تتعامل مع رشقة من الصواريخ الإيرانية
- عبد الله بن زايد يبحث مع مبعوث الصين الاعتداءات الإيرانية


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام كناعنة - حينما تتشابك خيوط الوطن وتتقطّع نياط القلب