حسام كناعنة
معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب.
(Hussam Kana)
الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 08:16
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
ينشأ الانتباه من خلال العلاقة. فـ:
"قبل أن يتعلّم الطفل الإصغاء إلى الكلمات، يتعلّم الإصغاء عبر الحركة.
حتى قبل أن يعرف الكلام، يشعر بإيقاع أمه، بتنفّسها، بحركتها الدقيقة، وبإيقاع جسدها وهو يستجيب لإيقاع جسده.
بين جسد الرضيع وجسد الراشد يتشكّل نوع من التزامن — رقصة أوّلية يتكوّن فيها الانتباه، وهي النواة الأساسية للتركيز." (Lipschits & Geva, 2024)
يُعدّ التزامن المبكّر، الحركي والعاطفي، أساسًا للانتباه وللتواصل. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أنّ التواصل لا يبدأ بالكلمات، بل بالإيقاع، والتلامس، والنظر المتبادل، والحركة المتزامنة. فالتفاعلات المنسّقة مبكرًا بين الأم والرضيع ترتبط بجودة التفاعل، وبحساسية مقدّم الرعاية، وبمشاركة الطفل في التفاعل الاجتماعي. كما أنّ التنسيق المبكّر بين النظر، والصوت، والتفاعل الاجتماعي، يشكّل قاعدة لتطوّر اللغة والانتباه لاحقًا لدى الطفل.
لماذا الإيقاع مهم للدماغ النامي؟
تُظهر الدراسات حول الغناء الموجّه للرضيع أنّ:
• الأطفال يُزامنون نظرهم وسلوكهم الاجتماعي مع إيقاع الغناء،
• ويظهر ذلك منذ عمر شهرين تقريبًا،
• كما أنّ الإيقاع يساعد الدماغ على تنظيم الانتباه الاجتماعي والتعلّم.
بكلمات أخرى، يُعدّ الإيقاع "مُنظِّمًا خارجيًا" للدماغ، قبل أن يستطيع الطفل تنظيم نفسه ذاتيًا.
التزامن الحسي وتطوّر الانتباه
يشكّل التزامن الحسي أيضًا أساسًا لتطوّر اللغة والانتباه. فعندما ينسّق الطفل بين ما يراه، وما يسمعه، وما يشعر به جسديًا، فإنّ ذلك يتنبّأ بتطوّر اللغة والانتباه لاحقًا، حتى بعد سنوات. كما أنّ حساسية الطفل للتزامن الزمني بين الصوت والحركة ترتبط بتطوّر اللغة الطبيعي.
من هنا نفهم أنّ الانتباه ليس مهارة معرفية فقط، بل هو في الأصل تجربة جسدية–علائقية، تتشكّل داخل إيقاع العلاقة مع الآخر.
ما هو تزامن الحركة؟
تزامن الحركة هو حالة يحدث فيها تنسيق بين:
• الحركة،
• الإيقاع،
• اتجاه النظر،
• والنشاط الجسدي.
مثال على ذلك:
عندما ينظر الطفل إلى لعبة، وينضم الوالد إلى اتجاه نظره، أو عندما يقلّد إيقاع حركة الطفل. ما يحدث هنا ليس مجرد تفاعل ممتع، بل تدريب عصبي–معرفي فعلي يعزّز الانتباه.
لماذا هذا مهم عصبيًا؟
لأنّ التزامن الحركي يربط بين عدّة أنظمة دماغية:
الحركي، والمعرفي، والعاطفي، والاجتماعي، إضافة إلى نظام الخلايا المرآتية، الذي يشكّل جسرًا بين "الأنا" و"الآخر". هذا الترابط يدعم القدرة على توجيه الانتباه والحفاظ عليه أثناء التفاعل واللعب.
الدلالات العلاجية والتربوية
أنشطة بسيطة، مثل اللعب بإيقاع مشترك، وتقليد حركة الطفل، والتنسيق في النظر والحركة، ليست فقط تعبيرًا عن علاقة عاطفية، بل هي آليات معرفية–عصبية لبناء الانتباه والتنظيم الذاتي.
فالانتباه لا يتطوّر داخل دماغ الطفل بمعزل عن الآخرين، بل ينشأ من خلال العلاقة، خصوصًا عبر تزامن الحركة، والإيقاع، والنظر المشترك بين الطفل والأم أو مقدّم الرعاية. قبل اللغة، يُطوّر الطفل انتباهًا أوّليًا عبر شبكة من الانتباه المشترك المبني على التزامن الحركي والبصري، وهو أساس التعلّم، والتنظيم الذاتي، والمهارات الاجتماعية لاحقًا.
الانتباه في سياقات الصدمة
من المهم أن نتذكّر أنّ الانتباه لا نُعلّمه بالكلمات، بل نبنيه بالإيقاع، ونغذّيه بالحركة، ونزرعه داخل العلاقة.
وهذا الفهم بالغ الأهمية للأهل، وللمرشدين، وللمتطوّعين العاملين مع الأطفال في المدارس ومخيمات النزوح، خصوصًا في ظل ما يمرّ به شعبنا من حرب إبادة وعدوان شامل، يطال الجميع، وعلى رأسهم الأطفال. ففي سياقات الصدمة الجماعية والعابرة للأجيال، ينتقل التنظيم بين الأجساد قبل أن ينتقل بين الكلمات، ويعيد الإيقاع العلائقي بناء الإحساس بالأمان.
كما أنّ ثقافتنا نفسها غنيّة بأنماط إيقاعية: التهويدات، والطقوس، وتلاوة القرآن، والغناء، والدبكة، والإيقاعات الجماعية، وهي كلّها موارد تنظيمية حيّة.
كيف "يتحدّث" الطفل عن الصدمة؟
الصدمة لدى الأطفال لا تُقال بالكلمات أولًا، ولا تأتي في شكل قصة متسلسلة، بل تُعاش وتظهر عبر الجسد، واللعب، والسلوك، والانتباه.
فنرى الأطفال الذين مرّوا بتجارب صادمة "يتحدّثون" عن تجربتهم من خلال:
• اللعب المتكرّر،
• الحركات الجسدية النمطية،
• الصمت المفاجئ أو الانسحاب،
• تشتّت الانتباه أو فرط الحركة،
• رسومات بلا سرد لفظي.
هذا "الحديث" ليس مقاومة، ولا رفضًا للتعاون، ولا تمرّدًا، بل هو لغة بديلة. فالطفل لا يرفض الكلام، بل لا يستطيع الكلام بعد. الصدمة لا تُخزَّن بالكلمات، بل تُسجَّل في الجسد والمشاعر، لا في لغة جاهزة للشرح.
كيف نعمل علاجيًا دون الضغط على الكلام؟
1. التنظيم قبل السرد
نبدأ بالإيقاع، والحركة، واللعب، والتزامن. أمّا الكلام، فقد يأتي لاحقًا — أو قد لا يأتي، وهذا مقبول.
2. السماح بلغة الجسد واللعب
عبر اللعب الرمزي، والرسم، والحركة، والتكرار، وهي أشكال من السرد الصامت.
3. التسمية دون استجواب
بدل السؤال: "ماذا حدث؟"
يمكن القول:
"يبدو أن هذا كان مخيفًا"،
أو: "جسمك يتذكّر شيئًا صعبًا".
4. إعادة بناء الأمان العلائقي
حين يشعر الطفل أنّ الآخر ثابت، ومتحمّل، وغير متعجّل، يبدأ الدماغ بالسماح للكلمات بالظهور.
في النهاية، يبدأ الطفل بالكلام عندما يعود الجهاز العصبي إلى نافذة التحمّل، وحين يشعر أنّ العلاقة آمنة، وأنه غير مطالب بالأداء أو الإنجاز. الكلمات ليست هدفًا للعلاج، بل نتيجة جانبية للأمان.
كيف نُعزّز انتباه الطفل عبر اللعب والغناء؟
نصائح عملية للأهل
1. العب مع طفلك بإيقاع، لا بسرعة
خفّف سرعتك، راقب إيقاعه، وحاول أن تلحق إيقاعه بدل أن تفرض إيقاعك.
2. غنِّ لطفلك، حتى لو لم يكن صوتك جميلًا
صوتك المألوف ينظّم انتباه طفلك أكثر من أي تسجيل.
3. اجعل الغناء حركيًا
حرّك يديك، غيّر تعبير وجهك، ودَع الطفل يتحرّك بحرية.
4. انتظر استجابة طفلك، ثم تابع
هذا الانتظار الصغير يعلّم الطفل أنّ الانتباه علاقة متبادلة.
5. قلّد طفلك قبل أن تطلب منه التقليد
التقليد هو أوّل لغة للانتباه المشترك.
6. قلّل المشتّتات أثناء اللعب
الانتباه يحتاج بيئة بسيطة ليزدهر.
7. لا تقلق إن كان اللعب قصيرًا
دقائق قليلة، متكرّرة، كافية.
8. تذكّر: طفلك يتعلّم الانتباه منك
قبل أن يتعلّم كيف يركّز، يتعلّم كيف يشعر بأنّ أحدًا ينتبه له.
خلاصة
الانتباه ينشأ من التزامن الجسدي–العلائقي قبل اللغة.
إنّه يتشكّل داخل العلاقة، عبر الإيقاع، والحركة، والتنفس، والنظر المشترك.
هذه الممارسات لا تعزّز الانتباه فحسب، بل تدعم الصمود الثقافي، والهوية الجسدية، والذاكرة العاطفية العابرة للأجيال.
للمطالعة حول الموضوع:
• فان دير كولك، ب. (2024). الجسد لا ينسى: الدماغ، والعقل، والجسم في شفاء الصدمة (ترجمة: محمد الدخاخني). دار الكرمة، القاهرة.
• Lipschits, O., & Geva, R. (2024). An integrative model of parent‐infant communication development. Child Development Perspectives, 18(3), 137–144.
• van der Kolk, B. (2014). The Body Keeps the Score: Brain, Mind, and Body in the Healing of Trauma. New York: Viking.
##حسام_-;-ناعنة (هاشتاغ)
Hussam_Kana#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟