أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حسام كناعنة - التسويق وأخلاقيات المهنة في العلاج النفسي















المزيد.....

التسويق وأخلاقيات المهنة في العلاج النفسي


حسام كناعنة
معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب.

(Hussam Kanaaneh)


الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 23:44
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


اللي على باله... يا بلاش

كل جلستين ونص بسعر جلسة... للاكتئاب.. للوسواس.. للزواج وللطلاق... بنقرأ الكف والفنجان وبنضرب بالودع...
بعيدًا عن المزاح، فقد وقعت عيني قبل أيام على الإعلان المرفق أدناه، وقد استفزّني بشكل كبير لابتذاله وللتّقليل من شأن مهنة الإرشاد والعلاج النفسي، الأمر الذي نعمل على تفاديه كمعالجين/ات منذ سنوات لنرتقي بهذه المهنة ولنقدّم خدمة لأبناء شعبنا تليق بهم وبتضحياتهم.

نص الإعلان، كما ورد حرفيًا على أحد مواقع التواصل الاجتماعي:
" بمناسبة عيد الاستقلال
وعيد الاضحى المبارك
لأن الراحة النفسية أهم استثمار بحياتنا
يسرّنا الإعلان عن عرض خاص على جلسات الاستشارات النفسية الأونلاين لمدة يومين فقط (الاحد والاثنين)
إذا كنت تعاني من:
• القلق.الاكتئاب.الوسواس القهري.الهلع
• الضغوط النفسية
• التفكير الزائد
• المشاكل الأسرية او الخيانة الزوجية
• صعوبة بالتعامل مع الابناء وعنادهم وتمردهم
فهاي فرصتك تبدأ خطوة حقيقية نحو الراحة والتوازن النفسي
خصم مميز على الجلسات الأونلاين
الجلسة ب١٠ دنانير او ٥٠ شيكل
خصوصية وراحة تامة

لا تؤجل نفسك… أحيانًا جلسة واحدة ممكن تفتح باب للراحة والتغيير
للحجز والاستفسار عبر واتس ...".
الإعلان للحظة جعلني أستذكرَ مشهدًا من مسرحية "ضيعة تشرين"، حين نادى المختار (نهاد قلعي) على "أبو نارة" (عمر حجو) وقال له: أعطيني لأشوف شو في عندك كتب. فسأله أبو نارة: "كم كتاب بدّك يا مختار؟"، فأجابه: "أعطيني 2 كيلو تاريخ وكيلو جغرافيا، بس طبّشهم هه!".
سأفترض جدلًا أنّ صاحب/ة الإعلان قام/ت به بحسن نية، وبهدف التشجيع على "العلاج النفسي"، وجعله شعبيًا ومتاحًا للأغلبية، وهذه قضية مُهمّة، على "الدولة" أن تقوم بها، وكذلك على المؤسسات الأهلية أن تأخذ على عاتقها تسهيل الوصول لخدمة الإرشاد والعلاج النفسي، وجعله مُتاحًا لمن هم بحاجة إليه، ولا يستطيعون تحمّل تكاليف العيادات الخاصة (وعلى العيادات الخاصة أن تأخذ بعين الاعتبار الوضع المادي للمراجعين)؛ مع ذلك يبقى هذا الإعلان غير مناسب، ليس فقط بسبب الابتذال، وهنا المشكلة الأساسية فيه، بل بسبب غياب الحدود الأخلاقية للتسويق الصحي، كما تنص عليه أدلة "أخلاقيات علم النفس"، مثل "الميثاق الأخلاقي لنقابة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينية " و"وزارة الصحة الفلسطينية" والمواثيق العربية، مثل، "الميثاق الأخلاقي للمشتغلين بعلم النفس" لرابطة الأخصائيين النفسيين المصرية – رانم، والمواثيق الدولية، مثل "ميثاق الشرف الأخلاقي" لجمعية علم النفس الأمريكية.
مرّة أخرى، أتفهم الحاجة لتوسيع الوصول للعلاج النفسي، لكن الطريقة ليست بالتنازل عن كرامة المهنة؛ بل بالضغط على الأنظمة الصحية لتوفير خدمات شبه مجانية أو مدعومة من "الدولة"، أو توفير عيادات اجتماعية بأسعار مخفضة دون الحاجة للتهويل التسويقي.
للتذكير، العلاج النفسي ليس سلعة، والمعالج ليس تاجرًا، والإعلان المذكور يدمج بين العلاج النفسي والعروض التجارية الموسمية ("بمناسبة الأعياد"، "خصم مميّز"، "لمدة يومين فقط"). من الناحية الأخلاقية، تمنع النقابات النفسية المختلفة، المحلية والعربية والدولية، تسليع المريض أو استخدام أسلوب "التخفيضات لفترة محدودة"؛ لأنّ هذا الأسلوب يمارس ضغطًا نفسيًا على أشخاص يمرّون بظروف صعبة لدفعهم للشراء، وهو ما يتنافى مع الطبيعة الإنسانية للمهنة.
مشكلة أخرى في الإعلان أعلاه أنّه يُقدّمُ وعودًا غيرَ واقعية (الآمال الزائفة)، مثلًا في العبارة التي تقول: "أحيانًا جلسة واحدة ممكن تفتح باب للراحة والتغيير". إنّ الاضطرابات المذكورة في الإعلان، مثل الوسواس القهري، والاكتئاب، والهلع، هي اضطرابات معقّدة تحتاج إلى خطط علاجية متوسطة إلى طويلة الأمد، غالبًا من 6 إلى 20 جلسة كحد أدنى. الإيحاء بأنّ جلسة واحدة قد تصنع فارقًا هو تضليل للمريض وزرع لآمال غير واقعية قد تؤدّي لتفاقم حالته وإحباطه إذا لم يتحسّن فورًا، وهذا يتنافى مع مبدأ أساس من مبادئ أخلاقيات المهنة، ألا وهو "لا ضرر ولا ضرار".
لنكن واضحين، المبادئ التوجيهية للجمعية الأمريكية لعلم النفس، مثلًا، لا تمنع قانونيًا من الإعلان عن الخدمات النفسية، إلّا أنّ تحويل الخدمة إلى سلعة تجارية خاضعة لتخفيضات موسمية قصيرة الأجل يتنافى مع بند "عدم استغلال ضعف المرضى". تؤكّد "المبادئ التوجيهية" على أن يلتزم المعالج بتقديم أسعار واضحة وثابتة، ويُسمح فقط بتقديم خدمات مجانية أو مخفضة بشكل دائم ومستقر لمن يعانون من ضائقة مادية (Pro bono) وليس كحملة تسويقية محدودة الوقت. على سبيل المثال لا الحصر، فإنّ المركز الفلسطيني للإرشاد -وهذه دعاية للمركزـ يُقدّم خدمة العلاج النفسي بأسعار مخفضة وثابتة مع معايير واضحة للتخفيض، حسب الوضع الاقتصادي للمنتفع، لكن تبقى الخدمة مدفوعة وليست مجانية لاعتبارات مهنية، إلّا بحالة الإسعاف النفسي الأولي في "تدخلات الطوارئ"، الناتجة عن الاحتلال، مع الجرحى وأهالي الشهداء والأسرى المحرّرين ومن تهدّم بيته، إلخ.
في هذا السياق، تتبنى النقابات العربية مواثيقًا أخلاقية بما يتوافق مع المعايير الدولية ومكيفة مع القوانين المحلية لحماية المهنة من الدخلاء ومن التسليع؛ على سبيل المثال، فإنّ الميثاق الأخلاقي للمشتغلين بعلم النفس لرابطة الأخصائيين النفسيين المصرية ينصّ صراحة في باب "الأخصائي النفسي والأجر" وفي باب "الإعلام والنشر" على حظر اللجوء إلى الأساليب التجارية في الدعاية والترفّع عنها، ويمنع الإعلان عن تخفيضات موسمية تسيء لكرامة المهنة وتتعامل مع المريض كمستهلك.
كذلك الأمر في الأردن، حيث إنّ قانون تنظيم مهنة علم النفسي العيادي لوزارة الصحة الأردنية ونقابة الأطباء، يمنع الإعلان عن جلسات العلاج النفسي بطريقة العروض التجارية أو المضاربات السعرية، ويشترط أن تكون الإعلانات مهنية، ومقتصرة على ذكر اسم المختص، ومؤهلاته، ومكان عيادته المرخصة فقط. يحظر القانون أيضًا على ممارس المهنة نشر الإعلانات والنشرات الدعائية دون موافقة اللجنة المنبثقة عن "نظام ممارسة مهنة علم النفس العيادي والصحة النفسية والارشاد النفسي لسنة 2000".
في فلسطين، فقد منع الميثاق الأخلاقي لمهنة الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين الفلسطينيين المهنيين من "الإعلان عن تأهيلهم أو تخصصاتهم أو الخدمات التي يقدمونها بشكل دعائي، تجاري أو مضلل".
في النهاية، إنّ الإعلان المذكور أعلاه، وما على شاكلته من إعلانات ترويج للعلاج النفسي، يبقى من الناحيتين المهنية والأخلاقية "مبتذلًا"، لأنّ مهنة العلاج النفسي ليست بضاعة في سوق شعبي ولا يُعقل أن يتمّ تسويق الصحة مثل العطور أو الملابس، كما أنّ التسويق بالخصومات والاستعجال يقلّل من كرامة المهنة، وفكرة العرض "فقط ليومين" (لَحّق حالك) تخلق حالة إلحاح زائف (FOMO) تناسب بيع التذاكر أو الدورات التدريبية، أمّا الصحة النفسية فتحتاج إلى تفكير هادئ واختيار مدروس، وليس قرار شراء متهوّر بمناسبة الأعياد.



##حسام_كناعنة (هاشتاغ)       Hussam_Kanaaneh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الصمود على الصمود مرة أخرى
- الصمود على الصمود في الذكرى ال 75 للنكبة
- أنت لست وحدك - لماذا يَخِفّ الخوف عندما نكتشف أنّ الآخرين يش ...
- مفهوم «الفُقدان المُلتبِس» في السياق الفلسطيني
- حينما تتشابك خيوط الوطن وتتقطّع نياط القلب
- الانتباه والحركة والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الانتباه، الحركة، والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الاكتئاب و-فكرة الرحيل-... أنت لست وحدك في هذا...
- العلاج بالتقبّل والالتزام و-طيور القَلق-
- الانتحار و-العدوى العاطفية- أو -Copycat Effect-
- حناظل فلسطين في يومهم العالمي: أطفال فلسطين تحت القصف والاست ...


المزيد.....




- الجيش الكويتي يعلن -التصدي لصواريخ ومسيّرات معادية-.. والبحر ...
- روسيا.. بوتين يرد على مخاوف رجال الأعمال من تباطؤ النمو
- إندبندنت: التكلفة الحقيقية لحرب ترمب في إيران بدأت تصل بقوة ...
- عاجل | مراسل الجزيرة: صفارات الإنذار تدوي في الكويت والجيش ي ...
- واشنطن توافق على صفقة دفاعية للكويت بنحو ملياري دولار
- مسلمو كندا يطالبون الحكومة بمكافحة الإسلاموفوبيا
- إيبولا يهدد وسط أفريقيا.. ومخاوف من تفش واسع
- ترامب يدفع الجيش الأميركي نحو عصر الذكاء الاصطناعي
- الجيش الكويتي يتصدى لهجمات صاروخية ومسيّرات معادية
- مسيّرات ورادارات.. واشنطن تروي ما جرى في هرمز


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حسام كناعنة - التسويق وأخلاقيات المهنة في العلاج النفسي