أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام كناعنة - الصمود على الصمود في الذكرى ال 75 للنكبة















المزيد.....

الصمود على الصمود في الذكرى ال 75 للنكبة


حسام كناعنة
معالج نفسي وباحث في مجال علم النفس وكاتب.

(Hussam Kanaaneh)


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 07:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الشاب صالح صبرة، 22 عامًا، ابن مخيم عسكر للّاجئين في مدينة نابلس يسقط شهيدًا في الذكرى الـ 75 للنكبة، وقبله بيوم سقط شهيدان آخران في مخيّم بلاطة للّاجئين، أيضًا في نابلس، الشاب سائد جهاد شاكر مشه 32 عامًا والشاب عدنان وسيم يوسف الأعرج 19 عامًا، سقطا بالرصاص الحي في الرأس خلال عدوان جيش الاحتلال على المخيّم، هذا عدا عن الإصابات والاعتقالات. لا يمرّ يوم إلا ويسقط به شهيد أو أكثر في أرجاء فلسطين كافة، وجراح غزة لم تلتئم بعد. كيف تلتئم؟ وفي كلّ عدوان، تدفع غزة من دم أبنائها وبناتها ضريبة الكرامة عن الأمة الغافلة.
من يعمل في مجال الصحة النفسية، ويقدّم خدمات الإسعاف النفسي الأولي والإشراف المهني، وعلى اطّلاع بما يحدث على الأرض، عندما تتم زيارات العائلات المتضرّرة جرّاء الاعتداءات والاقتحامات الهمجية، شبه اليومية لمدينة نابلس، ولبلدتها القديمة تحديدًا ولمخيماتها، التي ينفذها جيش الاحتلال، بداية بقواته الخاصة التي تدخل هذه الأحياء ساعة توجّه الأطفال إلى مدارسهم، وخروج العمال والموظفين لأشغالهم، وتريد أن تسألهم عن تأثير الاقتحام الأخير، يعودون بك إلى الاقتحام الذي سبقه بيوم أو يومين، وذلك الذي كان قبل أسبوع، ويوم استشهاد العزيزي والحَوح والكيلاني والنابلسي، ويسردون القائمة الطويلة من الشهداء ومن الاقتحامات ويرجعون بك إلى الانتفاضة الثانية، والنساء المتقدّمات في السن يَعُدْنَ بك إلى اقتحامات جيش الاحتلال للبلدة القديمة في الانتفاضة الأولى، لنفس البيت وذات العائلة والحارة، وهم ما زالوا صامدين، يعودون لحياتهم، رغم آلام الفقد، والخوف على أزواجهن وأطفالهنّ وأبنائهن، فتَرى، من جهة، الخوف والرعب في عيونهن، ومن جهة أخرى التحدّي والصمود، ويقلن: الله الحامي.
في مدينة نابلس، تعيش على أعصابك، لأنّك لا تستطيع أن تُخطّط يومك، وقد تجد أن طفلتك التي في الصف الأول، تعود لاهثة إلى البيت، بعد أن أرسلتها بأمان إلى المدرسة القريبة، وتخبرك بأن القوات الخاصة على مدخل الحي. وأخرى أكبر قليلا تجد نفسها في منتصف الطريق، لا تستطيع أن تتقدّم لمدرستها ولا أن تعود إلى بيتها، وثالثة تفتح باب منزلها لتخرج إلى المدرسة فتجد القوات الخاصة أسفل الدرج وقد أفلتوا كلابهم عليها! بإمكانكم أن تتخيلوا الصدمة التي يعشنها أولئك الفتيات في مثل هذه الظروف، ناهيك عن أن في محيط المدخل الغربي للبلدة القديمة، حيث تتمركز جيبات الاحتلال وتطلق قنابل الغاز المسيل للدموع، ومستعدّة لإطلاق الرصاص الحيّ على من يتحرّك بالقرب منها، يوجد على الأقل 5 مدارس، غير رياض الأطفال. مع هذا كلّه، وبعد انتهاء "الحدث الأمني"، ولملمة الجراح، تعود الحياة إلى مجاريها. كيف؟ لا تعرف!
في نابلس يزيّن الشهداء بأضرحتهم مقابر المدينة، هذه المقابر التي أصبحت مزارًا لأهل البلد، فإذا ما مَرَرت، مثلاً، في المقبرة الغربية، مقبرة الشهداء، التي تحتضن مئات الشهداء، كالشهيدتين شادية أبو غزالة ولينا النابلسي، على سبيل المثال لا الحصر، وشهداء الانتفاضة الأولى والانتفاضة الثانية وأسطورة الصمود في التحقيق الرفيق نادر العفوري، ومؤخرًا أضرحة شهداء مجموعة عرين الأسود، ترى أن الأطفال في ذهابهم إلى مدارسهم، وعند عودتهم منها، يجلسون عند الأضرحة ويقرأون الفاتحة ويترحّمون على الشهداء وتسمعهم وهم يسردون قصصهم، أو أنهم هنالك فقط لقضاء بعض الوقت في حضرة الشهداء وليعتنوا بهم. تشاهد أن جيلًا آخر من المراهقين والمراهقات، ومن طالبات وطلاب الجامعات، يمرّون من المقبرة لتزيين أضرحة شهداء العرين، تلك الأضرحة التي أصبحت تُمَيَّز برخامها الأسود، ومع كل شهيد، ترى مجموعة جديدة من الأطفال والشبان الذين يحرصون على زيارته بشكل خاص. بعد هذا كله، تتساءل: من منهم سيكون هو الشهيد التالي؟ وكم منهم يتمنى أن يكون كذلك؟ وفي أي مستقبل يفكّرون؟ وهل يرون المستقبل ويحلمون به؟ وأي مستقبل هذا الذي يريدونه؟ وكيف يعودون إلى بيوتهم وإلى مدارسهم وجامعاتهم وأشغالهم، وهم يفعلون ذلك يَومَ يَوم؟!
إحدى الزميلات بعثت لي تستشيرني بخصوص طفلة في الصف الخامس التي كتبت في دفتر يومياتها:
"بسم الله الرحمن الرحيم
أنا عندي أحلام كثيرة بس إحنا في احتلال وأنا ما بحلم إلا بالاستشهاد. أنا بنت طيبة وبحب أهلي وشاطرة في المدرسة وبدي أطلع دكتورة، بس ممكن إنه الجيش يقتلني وأنا رايحة على المدرسة، بس ما تزعلو علي لإني راح أكون قمر من أقمار فلسطين، مثل ابراهيم النابلسي وآدم عباد وظافر وجواد الريماوي ...بس إذا استشهدت ما بدي امي تبكي علي، والله يرحم جميع شهدائنا".
إذا كانت هذه هي أحلام هذا الجيل فكيف سيكون مستقبله؟ والأهم من هذا، ما الرعب والصدمة اللذان شعرت بهما والدة هذه الطفلة حين قرأت مصادفة ما كتبته في مذكّراتها؟ وكيف عادت لتعدّ وجبة الإفطار لعائلتها؟!
حين أسمع عمّا يحدث بحياة الناس، كلّ يوم، وأسمع من الزملاء عن تدخّلاتهم في حالات الطوارئ وتقديم خدمة الإسعاف النفسي الأولي، خاصة لمن يعمل في القدس، ولمن قدّم هذه الخدمة للأهل في غزة، ولمن يقدّمها اليوم في مخيمات نابلس وبلدتها القديمة وفي مخيّم جنين، وعن أثر ذلك عليهم، وتعرّضهم لما نسميه بالصدمة الثانوية، ويستمرّون في تقديم هذه الخدمة بكل تفانٍ ومهنية؛ وحين أشارك في هذه التدخلات وأسمع قصص المعاناة وحجم التضحيات وأشاهد حجم الدمار الذي ألحق بمباني البلدة القديمة وأرى أنّ الحياة ما زالت مستمرة وأطفال المدارس يعودون إلى مقاعدهم، فإنّ أوّل ما يخطر في بالي كتاب "أعماق الذات المنتفضة"، (د. مصلح كناعنة ود. ماريت نتلاند، حيفا، 2003)، الذي صدر قبل عشرين عام، وما كُتِب فيه عن الصمود على الصمود، حيث جاء في مدخله: "إنّ بطولة الشعب الفلسطيني تتجسّد أكثر ما تتجسّد في صموده، وصموده يتلخّص في مقدرته على تحمّل المعاناة رغم الخسارة والقهر، والحفاظ على توازنه رغم كل ما يحلّ به من عنف وتدمير وتنكيل.
إلا أن للصمود ثمن يجب أن يُدفع، وعلى من يَدفع هذا الثمن أن يكون قادرًا على تحمّل الخسارة والضرر المترتّبَيْن على ذلك. هذا هو الصمود على الصمود، وهو المقدرة على تحمّل الثمن النفسيّ والعقليّ الباهظ للصبر والمقدرة على تحمّل الألم والمعاناة. هذا الصمود على الصمود هو المحكّ النهائي لمقدرة الشعب الفلسطيني على مقاومة الاحتلال الإسرائيلي حتى زواله" (ص. 7).
وما زال هذا الشعب صامدًا على صموده، يتحمّل كل أشكال القهر والمعاناة، ويعيش صدمة تلو الأخرى، صدمة مستمرة منذ النكبة، ويتعرّض لحوادث يوميّة صادمة طوال حياته، وقد يتعايش مع أعراض اضطراب الصدمة المستمرّة Continuous Stress Disorder – CTSD (يُعاد غنادري – حكيم، 2020)، فليس لديه تلك الرفاهية ليعيش أعراض اضطراب ما بعد الصدمة PTSD، وما زال يدفع ثمن صموده، نفسيًا وعقليًا، وماديًا وجسديًا، ومستمرًا في الحياة وفي المواجهة.



##حسام_كناعنة (هاشتاغ)       Hussam_Kanaaneh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنت لست وحدك - لماذا يَخِفّ الخوف عندما نكتشف أنّ الآخرين يش ...
- مفهوم «الفُقدان المُلتبِس» في السياق الفلسطيني
- حينما تتشابك خيوط الوطن وتتقطّع نياط القلب
- الانتباه والحركة والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الانتباه، الحركة، والعلاقة في زمن الصدمة الجماعية
- الاكتئاب و-فكرة الرحيل-... أنت لست وحدك في هذا...
- العلاج بالتقبّل والالتزام و-طيور القَلق-
- الانتحار و-العدوى العاطفية- أو -Copycat Effect-
- حناظل فلسطين في يومهم العالمي: أطفال فلسطين تحت القصف والاست ...


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام كناعنة - الصمود على الصمود في الذكرى ال 75 للنكبة