أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مضر خليل عمر - مسرحية الدرس ومضامينها















المزيد.....

مسرحية الدرس ومضامينها


مضر خليل عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 18:47
المحور: قضايا ثقافية
    


تدور أحداث مسرحية الدرس The Lesson للكاتب المسرحي الروماني-الفرنسي Eugène Ionesco ، حول أستاذ يعطي درسًا لطالبة شابة ، ومع تصاعد الدرس يتحول من شخصية هادئة إلى مستبدة وعنيفة ، وينتهي الأمر بقتله للطالبة . تُعد هذه المسرحية من أشهر أعمال «مسرح العبث» ، وقد عُرضت لأول مرة سنة 1951. انها رمزية بشكل كبير و عميق و واضح ، وهذه الرمزية تدفع من يتعرف على المسرحية واحداثها (فصل واحد فقط) ان يفكر بها بما يتوافق مع هواجسه وافكاره الحبيسة التي تتطلب التنفيس عنها . ولعل كثيرون لم يتعرفوا عليها بعد ، لذا جوهري التعريف بها باقتضاب كمدخل لعرض ما يجول في الخاطر من افكار وهواجس عن التعيلم ونتائجه غير المنظورة .

ما الذي ترمز إليه المسرحية؟
مسرحية قصيرة من فصل واحد، تضم ثلاث شخصيات فقط: الأستاذ (المعلم) ، الطالبة و الخادمة (ماري) ، وقد استخدم يونسكو العلاقة بين المعلم والطالبة لانتقاد: الاستبداد الفكري والتلقين، إساءة استخدام السلطة والمعرفة ، تحوّل اللغة والتعليم إلى أدوات للهيمنة بدل الفهم.
في بداية المسرحية ، تصل طالبة شابة إلى منزل الأستاذ لتلقي درسًا خاصًا استعدادًا لامتحان الدكتوراه. يستقبلها الأستاذ بأدب وخجل ظاهر، بينما تبدو الطالبة نشيطة ومتفوقة ومفعمة بالحيوية. تجيب بسرعة عن الأسئلة الأولية في الحساب والجغرافيا، مما يثير إعجاب الأستاذ. في هذه المرحلة يبدو الجو طبيعيًا، بل فكاهيًا أحيانًا. وفي مرحلة اعطاء الدرس ، يبدأ الأستاذ بإعطائها مسائل حسابية بسيطة. في البداية تنجح الطالبة بسهولة في عمليات الجمع والضرب، لكن عندما ينتقل إلى مسائل أكثر تعقيدًا يصبح الشرح غريبًا وغير منطقي. حينها تبدأ لغة الأستاذ بالتحول من أداة للتعليم إلى أداة للسيطرة. كلما ازداد شرحه تعقيدًا، أصبحت الطالبة أقل قدرة على الفهم، رغم أن المسائل ليست بالضرورة أصعب. هنا يطرح يونسكو فكرة مهمة: أحيانًا لا يؤدي التعليم إلى المعرفة، بل إلى الإرباك والخضوع عندما يتحول إلى استعراض للسلطة.
بعد ذلك ينتقل الأستاذ إلى موضوع فقه اللغة واللغات المقارنة. يبدأ في تقديم تفسيرات لغوية عبثية وغير مترابطة. يخلط بين الكلمات والأصول اللغوية بطريقة لا معنى لها، لكنه يتحدث بثقة مطلقة. تحاول الطالبة المتابعة لكنها تصبح أكثر ارتباكًا. في المقابل يزداد الأستاذ حدةً وتسلطًا. وفي الوقت نفسه تبدأ الطالبة بالشكوى من ألم في أسنانها. في البداية يبدو الألم بسيطًا. لكن كلما ازداد ضغط الأستاذ عليها يزداد الألم أيضًا. يرى كثير من النقاد أن ألم الأسنان ليس مجرد عرض جسدي، بل رمز: للألم الناتج عن القمع ، للعجز عن التعبير، لانهيار الشخصية أمام السلطة.
في هذه المرحلة من الدرس ، يتغير الأستاذ تدريجيًا: يصبح صوته أعلى ، يفقد هدوءه ، يطالب بالطاعة المطلقة ، يمنع الطالبة من المقاطعة أو السؤال، تتحول العلاقة التعليمية إلى علاقة سيد وخاضع. وفي هذه المرحلة ، تدخل الخادمة مرات عدة وتحاول تحذيره من الاستمرار. تشير تلميحاتها إلى أن ما يحدث ليس جديدًا، لكن الأستاذ يتجاهلها. الى ان تصبح الطالبة منهكة تمامًا، لم تعد تفهم شيئًا ، لم تعد قادرة على المقاومة أو حتى النقاش. عنئذ يصبح الأستاذ أشبه بطاغية صغير يمارس سلطته المطلقة على شخص أعزل. وفجأة يطعن الطالبة بسكين ويقتلها. القتل حدث بصورة مفاجئة وصادمة، لكنه يبدو نتيجة منطقية لمسار السيطرة الذي كان يتصاعد طوال المسرحية.
بعد حدوث الجريمة يصاب الأستاذ بالخوف والندم. لكن الخادمة تتصرف بهدوء وكأن الأمر روتيني ، ثم تكشف الأحداث أن هذه ليست الضحية الأولى. بل إن الأستاذ قد قتل عددًا كبيرًا من الطالبات من قبل. تساعده الخادمة على إخفاء الجريمة والاستعداد لاستقبال طالبة جديدة. وفي المشهد الأخير يقرع الجرس وتصل طالبة أخرى، فتبدأ الدورة من جديد.

المعاني والرموز
1) السلطة المطلقة ، الأستاذ ليس مجرد معلم ، إنه رمز لكل سلطة تستغل المعرفة أو المنصب لإخضاع الآخرين: الأنظمة الشمولية، البيروقراطية القمعية، المؤسسات التعليمية المتسلطة.
2) اللغة كسلاح ، في المسرحية لا تساعد اللغة على التواصل ، بل تتحول إلى وسيلة للهيمنة. كلما تكلم الأستاذ أكثر، فهمت الطالبة أقل. وهذا من الأفكار الأساسية في مسرح العبث.
3) العنف الكامن في المجتمع ، كتب يونسكو المسرحية بعد الحرب العالمية الثانية، حين كان العالم يحاول فهم كيف يمكن لأشخاص عاديين أن يتحولوا إلى أدوات للقمع والقتل. يبدو الأستاذ في البداية شخصًا لطيفًا ومهذبًا، لكن تحت هذه القشرة يختبئ العنف.
4) تكرار الجريمة ، النهاية الدائرية من أهم عناصر المسرحية ، فمجيء طالبة جديدة يعني أن: الاستبداد لا ينتهي تلقائيًا، الضحايا تتبدل، الدورة تتكرر باستمرار.

لماذا تعد المسرحية مهمة؟
لأنها تكشف بطريقة ساخرة ومخيفة في آن واحد كيف يمكن أن يتحول التعليم والمعرفة واللغة، وهي أمور يفترض أن تحرر الإنسان، إلى أدوات للسيطرة والقمع عندما تنفصل عن الإنسانية والحوار. ورغم أن المسرحية قصيرة نسبيًا، فإنها تُعد من أكثر نصوص يونسكو كثافةً من حيث الرموز والدلالات الفلسفية والسياسية، وغالبًا ما تُقرأ بوصفها تحذيرًا من كل سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

التقدم العلمي و انعكاساته
طبيعي جدا ان نعيش دروسا ، تعليمية و حياتية ، ولكننا لا نستوعبها بالكامل الا بعد حين من الزمان ، وقفة نقدية بين حين واخر تنبهنا الى ما قد اغفل عنه او لم يستوعب في وقته من معلومة او خبرة او موعظة . فعجالة الاحداث و تسارعها تحرمنا من الكثير من عبر الدروس ومعانيها التي نعيشها بين فترة واخرى . والتقدم العلمي تدرج مع الزمن من مسيرة بمتوالية عددية (1 ، 2 ، 3 ، .... ) الى متوالية هندسية (2 ، 4 ، 8 ، 64 ، .... ) ، ومع عصر الذرة و الانترنيت تسارع طبقا لمتوالية أسية ((تاخذ الدالة الأسية الشكل الاتي: f(x) = a ⋅ b^x ، حيث a هي القيمة الابتدائية (نقطة تقاطع المحور الصادي عندما x = 0)، و b هو الأساس (العامل الضربي الثابت) . على عكس المتتابعة الهندسية، يمكن أن يكون x أي عدد حقيقي، وليس فقط الأعداد الصحيحة الموجبة)) .
يعني هذا ان التغير التقني و انعكاساته على حياتنا اليومية متسارع لدرجة اللهاث دون امكانية اللحاق الفعلي بالمستجدات في وقتها او حتى بعد وقت قصير . فهل التقدم العلمي في صالح المجتمعات ؟ وهل رفاهية المجتمع مرحلة تسبق سقوطه ؟ ام انه سيؤدي الى قتله وتركيعه لمن بيده ناصية الامر ؟ فالعلم يقتل ، وقد قتل الكثيرين بعد اكتشاف و تطوير الاسلحة بكافة انواعها (بدأ بالمنجنيق ثم المدفع الهاون ، و الصواريخ العابرة القارات) . وكل تقنية لها ايجابيات عند استخدامها بشكل سليم و سلبياتها في الوقت نفسه عندما تكون اداة تنفيذ مقاصد غير شريفة (بما فيه القلم الذي يكتب نظرية و يكتب تاريخ مشوه) . ولسنا في معرض استعراضها جميعا ، فالامر يتجاوز حدود المقال هذا ، ولسنا في موقف ضد العلم وتقدم المجتمعات ، لانها قد حسمت من زمن بعيد . ولكن عرض حالة يعاني منها المجتمع البشري في جميع ارجاء المعمورة .
لقد ادى اختراع العجلات ذات الحركة الذاتية (اوتوموبيل - السيارة) الى تغيير جذري في حياة المجتمعات ، وكانت البداية تغيرات طفيفة ، وتخص فئات معينة من المجتمع ، وباقل ما يمكن من اضرار شخصية و عامة . ولكن ما قام به هنري فورد من اعادة توزيع مواقع عملية الانتاج و نقل عناصرها الى اطراف المدن بعد ان كانت متجمعة في المركز ، و تيسير امتلاك السيارات من قبل اوسع شريحة في المجتمع ، حينها فقط بدأ التغيير بشكل جذري . لقد ادى ذلك الى اعادة تنظيم المدينة واستعمالات الارض فيها ، وحركة السكان داخلها وبينها . لقد تغير نمط الحياة و متطلباتها كليا ، اذ فصل مكان السكن عن مكان العمل ، عن مكان التسوق ، عن اماكن التسلية والراحة فاضحت الحركة والتنقل امر لا مفر منه . لقد اتسعت المدينة على حساب الريف المجاور و تشتت استعمالات الارض فيها . لقد خسر الريف اراضيه ، وسكانه و انتاجه ، بالمقابل خسر سكان المدن اللياقة البدنية ، والصحة وانتشار امراض لم تكن موجودة قبل استخدام البذور المحسنة ، والمخصبات الزراعية التي افقدت المحصول طعمه وقيمته الغذائية .
بتوسيع المؤسسات الاقتصادية نطاق عملها ليتجاوز حدود الدولة (الام) وانتشار المؤسسات المتعددة الجنسيات ، خرجت المؤسسات الراسمالية عن سيطرة الدول التي نشات وترعرت في كنفها ، بالمحصلة النهائية اضحت الدول ذاتها تحت هيمنة المؤسسات الراسمالية ، لقد اعيد ترتيب مراكز القوة في العالم . فنظرية الاماكن المركزية لكرستالر انحسرت قيمتها واهميتها وبقي تطبيقها على مستوى الدولة او الاقليم ، فقد اعيد توزيع المهام والمراكز بين مدن معينة على مستوى الكرة الارضية ، متباعدة مكانيا ولكنها مكملة لمهام بعضها البعض عالميا . لقد توزعت المهام مع بقاء الهدف واحدا : السيطرة على العالم والتحكم به. وتحقق ذلك مع التقدم التقني الهائل في الاتصالات (الانترنيت) ، حيث اصبح لبنوك المعلومات سطوة و هيمنة على مقدرات الدول و الشعوب والافراد . فالجميع تحت المراقبة ، ليلا ونهارا .
ليوجين اونسكو دور كبير في تعريفنا بحقيقة تغافلنا عنها فعلا : ان من بيده المعرفة سيحكم العالم و يقتل من لا ينصاع اليه ويحقق رغباته النرجسية . خاصة وان هناك من يسنده ، ليس فقط (الخادمة – ماري) بل وايضا جيش من الرعاع و المتملقين و جامعي سقط المتاع . انهم موجودون في كل زمان وفي كل مكان ، انهم جرذان الارض ومصدر الخراب والدمار فيها . نحن محكومون ليس من قبل حكامنا المباشرين فقط ، بل من قبل من يتحكم بهم ، ويدير العالم كقرية يملكها بدون منازع وبلا وازع اخلاقي او قيم سماوية .



#مضر_خليل_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثقافة الفقر وتداعياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية
- الجغرافيا ومهارات القرن 21
- الجامعة في الالفية الثالثة
- لماذا التاكيد على ثقافة البحث الجغرافي ؟
- التاريخ والجغرافيا توأم السطو على مصائر الامم
- الجغرافيا في منظور الذكاء الاصطناعي
- ثقافة البحث الجغرافي في الميزان
- التعليم من اجل التعلم
- التعليم الجامعي في الالفية الثالثة
- ثقافة البحث العلمي
- علة الجغرافيا كما حددها الذكاء الاصطناعي
- بناء المواطن الصالح
- مثالب النظام التعليمي في العراق
- العلاقة الجدلية بين مكامن الخلل في التعليم في العراق
- التعليم في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي
- التعليم العالي مقابل التعليم الثانوي: استيعاب الفروقات
- ما كان عليه التعليم في عقدي الخمسينات والستينات
- للثقافة جغرافيتها المميزة في كل مكان و زمان
- تسارع خطى ماراثون الحياة
- حياتنا بين جنة نحلم بها و واقع نعيشه


المزيد.....




- أزياء جريئة للنجمات تخطف الأضواء في عرض -سان لوران- الرجالي ...
- كبير مفاوضي إيران يبين الأساس لأي اتفاق مع دول الخليج والجير ...
- تدشين نصب تذكاري للبحارة الروس في جزيرة موريشيوس بالمحيط اله ...
- الإعلام العبري يشن هجوماً على اتفاق واشنطن وطهران: إسرائيل ت ...
- إيران: هجوم سيبراني يضرب نظام البطاقات المصرفية ويعطل خدمات ...
- الأمن المصري يوجه ضربة استباقية لبؤر شديدة الخطورة
- مصر.. توفيق عكاشة يحدد سعرا بالدولار لظهوره في الإعلام
- لبنان يسلم 128 محكوما سوريا إلى دمشق ضمن اتفاقية تبادل السجن ...
- عون: التفاوض مع إسرائيل مستمر في واشنطن ومنفصل عن اجتماعات س ...
- قاليباف: مذكرة التفاهم مع واشنطن إعلان هزيمة لها ولتل أبيب


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - مضر خليل عمر - مسرحية الدرس ومضامينها