|
|
الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:06
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
نشأت سورية في نهاية الحرب العالمية الأولى كدولة وطنية حديثة (أو دولة- أمة) مثل كل مجايلاتها، تواجه مثل مجايلاتها كذلك تركة الماضي السلطاني المنقضية لتوه، وتحديات الحاضر الاستعماري الذي دهمها على الفور تقريباً، وتتوجه بعسر في محيط يشاركها التعثر والافتقار إلى نموذج إيجابي قريب. كان يمكن لتركيا أن تكون ذلك النموذج، بوصفها البلد الذي نجح في الحفاظ على وحدته وتجنب الاحتلال الأجنبي، وعمل على تحديث بناه السياسية والاجتماعية على يد نخبة السلطة القومية ما بعد السلطانية. لكن في التجربة المكونة لسورية انفصال عن المتن التركي للسلطنة، ووقوع تحت الاستعمار حال دون ذلك. وفي التجربة المكونة لتركيا عداء للعرب الذين "خانوا" السلطنة مكنون إلى اليوم في الوعي الذاتي التركي. تباعد التجربتين المكونتين حكم على التعاون المحدود بين ثائري الشمال السوريين بقيادة إبراهيم هنانو والكماليين بأن يكون حدثاً عارضاً لا يؤسس لشيء باق. لكن لم يكن في مخيلة النخب الوطنية التي قاومت الانتداب الفرنسي وفاوضته وتعاونت معه غير نموذج الدولة الوطنية التي لا تمييز بين سكانها في الحقوق، وبخاصة بين المسلمين والمسيحيين الذين كان الاستعمار الفرنسي يتذرع بحمايتهم. ينسب إلى فيصل الأول شعار: الدين لله والوطن للجميع (في مصر، ينسب الشعار إلى سعد زغلول)، وهو يضمر في الحالين أن الدولة ليست دينية، أنها لـ"الجميع" على اختلاف أديانهم. وفي جذر ذلك تحول عالمي حديث، تحدى العالمين كلهم، ودعاهم إلى إعادة هيكلة مواريثهم وواجه مقاومات في كل مكان، بما في ذلك في مهوده الأوربية. ومنذ القرن التاسع عشر عملت السلطنة العثمانية بالذات على إعادة ترتيب مؤسساتها وقوانينها وتفكيرها وفق هذه الأسس الجديدة. التنظيمات كانت اسماً لأكثر من موجة من هذا المسعى. ولعله بفعل ذلك التدرب السياسي المؤسسي، كان المهد التركي للسلطنة البلد الذي نجح أكثر من غيره في التحول إلى دولة أمة حديثة، لا يغير بنيتها 23 عاماً من حكم حزب شبه إسلامي. كان واقع السوريين، بالكاد مليونين ونصف قبل قرن، معقداً على مستويات متعددة، جماعات متفرقة، قليلة المشتركات، وبلا دولة جامعة. سورية ككل لم تكن دولة تحت الانتداب الفرنسي لأنها السيادة فيها كانت للفرنسيين. وهي قسمت ووحدت أكثر من مرة قبل ان تستقر على ما يقارب جغرافيتها الحالية عام 1943. كان محتوى الاستقلال هو السيادة في دولة واحدة يحكمها السوريون، جمهورية وليست ملكية، وطنية وليست دينية. وبعد الاستقلال، أرادت نخب إسلامية سنية إقرار بند خاص ينص على أن الإسلام دين الدولة، في دستور 1950، واستقر الأمر على أن يكون ديناً لرئيس الدولة، ما يفترض أن يعني بدوره أن الدولة للجميع، مع امتياز محدد للمسلمين، يتمثل في أن الرئيس منهم، أضيف إليه أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للقوانين. بعد نحو جيل، وفي الدستور الدائم لعام 1972، ثبتت المادة نفسها، لكن هذه المرة بعد احتجاجات على إغفالها. وبين الدستورين انقلابات عسكرية وانتخابات حرة لمرة واحدة ووحدة مع مصر ثم انهيارها، كانت سورية بمحصلتها آية من آيات انعدام الاستقرار السياسي والمؤسسي. وهو ما يسوغ القول إن سورية المستقلة ظلت، رغم الاستقلال، أقرب إلى اللادولة، إن استحضرنا الدلالة الحديثة للدولة، المكنونة في تنويعات اوربية مختلفة لمفردة State، تتضمن كلها الثبات والاستقرار والاطراد القانوني. وفي الحقبة البعثية قامت سورية، أو بالأحرى، تقلبت، على حالة استثناء دائمة، لا غية بدروها للثبات والاستقرار. لكن التغير النوعي جاء مع الحقبة الأسدية التي ضمنت استقراراً فوقياً، لكن بثمن تطييف الأجهزة الارتكازية للدولة، الأمنية والعسكرية ذات الوظيفة الأمنية، مع دوام حالة الاستثناء، وبالتالي زوال الدولة من اعتبار آخر أهم: لم يعد ثمة قانون، ولا مساواة أمامه ولا خلفه، ولا عمومية تجمع السوريين غير الولاء المفترض للرئيس. عتبات تماهي السوريين بالدولة تفاوتت بشدة بين "نحن الدولة، ولاك" وبين درجات متقدمة من الغربة. البلد الذي كان في تعثر بعد الاستقلال، خرج من التعثر إلى دولة مخصخصة، أي لا دولة، وقد تكرست بتوريث الحكم وإقامة سلالة حاكمة مالكة. الدولة الحديثة ليست سلطة سيدة فقط، ولا هي مبدأ للقانونية والثبات فقط، وإنما هي وحدها السلطة العمومية الممأسسة: لها دون غيرها سلطة على الجميع والولاء الأعلى للجميع لها (لا للدين ولا لسلالة ولا لثقافة)، ويتشكل هؤلاء الجميع في أمة عبر ذلك. الحكم السلالي المخصخص، بالمقابل، يضمر مفهوم الدولة العربي القديم: نوبة في الحكم، تقوم على العصبية، و"الملك الطبيعي"، أي الحكم بمقتضى الشوكة والغلبة بعبارة ابن خلدون. يمكن أن نقول، بالتالي، إننا افتقرنا خلال قرن ونيف إلى الدولة. مرة لم تكن سيدة، ومرة لم تكن قوة استقرار وثبات، ومرة لم تكن عمومية. وفي سورية كما في غيرها من البلدان المستعمرة سابقاً، الدولة شرط تكون الأمة كجماعة مواطنين متساوين حقوقياً وناشطين سياسياً، أي كشعب. انتهى حكم السلالة الأسدية قبل عام ونصف، بعد أقل من العمر الطبيعية لدول العصبيات (هذا المعطى الجزئي من بين ما يظهر عدم ملاءمة نظرية العصبية الخلدونية لتحليل الدولة والمجتمعات في مجالنا اليوم، إلى جانب وجود النظام الدولي، ثم صنعية أو لا طبيعية العصبيات المعاصرة). الدولة ما بعد الأسدية تجمع بين نقص السيادة (لا تحتكر السلاح وتتدخل في شؤونها الداخلية قوى أجنبية) وبين التقلب المستمر بفعل تناقض المرجعية الدينية للفريق المسيطر غير المتجانس مع التكوين الوطني للدولة، وبين الطائفية والتمييز بين السكان. عتبات تماهي السوريين المختلفين التي كانت متفاوتة في الحقبة الأسدية متفاوتة اليوم، يشعر البعض أنهم في بيتهم، بينما ترك غيرهم ما بين الغربة والاستباحة. سوى أن طائفيي اليوم يصفون أنفسهم بأنهم الأمة. أي أمة؟ ليس أمة السوريين، ولا حتى أمة العرب (التي نازع تصورها جدياً وطنية الدولة السورية)، بل الأمة الإسلامية، الجماعة الدينية التي تضم ما لا يحصى من غير السوريين، وتستبعد ملايين السوريين. ويضيق أصحاب هذه الأمة بفكرة الشعب السوري التي تشكل عنصراً جوهرياًً في تصور الدولة الأمة الحديث، إلى جانب الأرض والدولة بحصر المعنى كمركب مؤسسي وحقوقي جامع. حدث قبل أسابيع أن اعترض أحد المشايخ الدمشقيين، علاء السايق، في خطبة جمعة على شعار "الشعب السوري واحد"، وهاجم العلويين دون ذكرهم على المنبر. الشعار الذي رفع في بدايات الثورة السورية ليس غافلاً عن انقسامات السوريين وتمزق مجتمعهم، بل هو بالضبط يصدر عن هذا الواقع، ويحاول أن يضيق على النظام فرص استخدام هذه الانقسامات الطائفية، ويعبر عن إرادة تجاوزه والعيش معاً. وإلى جانب شعار: اللي بيقتل شعبو خاين! وسورية لينا ما هي لبيت الأسد! كان ذلك الشعار من تعبيرات الروح الوطنية الشعبية للثورة ضد الحكم الأسدي، وإمكانياً ضد من يفرقون بين السوريين على أسس طائفية، أو يقتلون مواطنيهم، أو يصادرون سورية لحساب فئة من أهلها. ربما يقال إن هذا صوت متطرف ناشز، وليس سياسة الحكم اليوم. ربما ليس سياسة الحكم (هل للحكم سياسة يمكن تبيُّنها في شأن وطنية الدولة وتساوي المواطنين؟)، لكنه ليس صوتاً ناشزاً أو نادراً. هناك كثيرون يقولون قوله أو ما يقاربه، ومنهم جميع من يمكن تعريفهم بشعار متخيل: "نحن الأمة، ولاك!"، أعني من يردون على وصف الحكم الراهن بالطائفية بأن السنيين هم الأمة، وليسوا طائفة بين طوائف. ما يؤسس له هذا التصور ليس بعيداً عن حل صهيوني للتعدد الأهلي السوري: السيطرة على الجغرافيا دون ديمغرافيا، على الأرض السورية كلها، لكن دون سكان بعض مناطقها، ما يقتضي سياسة تطهير عرقي أو حتى إبادة ربما يحلم بها الشيخ في خطبته الرقيعة. ويشارك في التكوين نفسه الطائفيون المسعورون الذين أطلقوا حملة "لست شجرة" لمقاطعة العلويين. النموذج الضمني هنا هو نظام فصل عنصري، مثل جنوب أفريقيا قبل مانديلا. وبنظرة شاملة، كانت سورية بلداً مريضاً طوال معظم تاريخه، بفعل افتقاره إلى دولة تجمع بين السيادة والاستقرار والعمومية. وهي لا تشفى بدولة فئوية، قوية على الضعفاء وضعيفة أمام الأقوياء. سورية ليست أمة، لأنها بلا دولة: سلطة عمومية، لا تميز بين السكان، تضمن الاستقرار والسلم الاجتماعي. هذه هي مشكلتنا البنيوية المزمنة. من "نحن الدولة، ولاك" إلى "نحن الأمة، ولاك"، يستمر انعدام التطابق بين الدولة والأمة، بين مؤسسة الحكم العامة السيدة وبين السوريين العيانيين على اختلاف أصولهم وفصولهم. سورية لن تشفى دون أن تكون الدولة دولة الشعب، أخيراً، والشعب شعب الدولة.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
-
انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
-
من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
-
جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
-
حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
-
بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
-
سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
-
سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
-
أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
-
في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
-
في العنف وعوالمه
-
حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم
-
حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
-
يوميات مغربية
-
في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
-
لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
-
في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
-
الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
-
ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
-
زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
المزيد.....
-
إغلاق ممرات وإخلاء طوابق في البنتاغون بسبب -مواد خطرة-.. ماذ
...
-
مسؤولون إيرانيون يتحدثون عن تأثير ضربات أمريكا الأخيرة على و
...
-
الحرس الثوري الإيراني: إذا أرادت أمريكا أن تختبر إخفاقاتها ا
...
-
الجيش الإسرائيلي يعلن إصابة ضابط وجندي بانفجار عبوة ناسفة في
...
-
قصف إسرائيلي متواصل على لبنان.. والرئيس اللبناني يتمسك بمسار
...
-
بين الإفراج والقيود.. عقدة الأموال المجمّدة تعرقل التفاهم بي
...
-
بعد اتهامها بدعم حماس.. إسرائيل تمنع صحافية فرنسية من دخول أ
...
-
رويترز: فرنسا تقترح تركيز المزيد من الصلاحيات في يد كالاس
-
جولة إيجابية.. حماس تكشف تفاصيل محادثات القاهرة
-
إلزام قناة مصرية بحذف حلقة تلفزيونية بعد وفاة ممثل شهير.. وف
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|