|
|
من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 20:12
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
هذه صيغة محررة قليلاً لكلمة ألقيت بالعربية في افتتاح المؤتمر السنوي لمنظمة مديكو إنترناشنال الألمانية في مدينة فرنكفورت مساء 7 أيار الجاري.
أود بداية أن أشكر مديكو إنترناشنال على دعوتي لإلقاء هذه الكلمة أمامكم. هذا شرف عظيم. لقد شعرت طوال سنوات بالانتماء إلى هذه المجموعة، وبأني أقل غربة في ألمانيا بفضلها. عملت خلال السنوات الخمسة عشر الماضية على وضع قضية بلدي سورية في منظور أوسع، عالمي، وبالمثل حاولت النظر في أحوال عالم اليوم في منظور سوري. الفكرة الشائعة هي أن سورية جزء لا يتجزأ من العالم، الفكرة غير الشائعة هي أن العالم جزء لا يتجزأ من سورية. هذه الفكرة محتاجة للتدبر والهضم، وهي إن كانت تصح على جميع البلدان في عالم اليوم، إلا أنها أصح على بلدان خبرت أوضاع انكشاف وتعرية قصوى، ما سمته حنه آرنت worldlessness، مثل سورية حتى وقت قريب، ومثل فلسطين طوال الوقت. ثمة مفارقة هنا: العالم مكون جوهري للبلدان المرمية خارج العالم، المنكشفة، المستباحة، المتروكة للبوار. وراء المفارقة ازدواج في دلالة العالم سأقول شيئاً عنها لاحقاً. في مخاطبتي لكم هنا سأتكلم على سورية وفلسطين والعالم، وكذلك على ألمانيا، ليس فقط لأننا نلتقي في هذا البلد، ولكن لأن ألمانيا على صلة خاصة بسورية وفلسطين، وإن بصورتين مختلفتين، ثم لأنها مركزية في أوربا، وبصورة ما في عالم اليوم.
1 سورية ليست بلداً مهماً بصورة خاصة إلا للسوريين، لأنها وطنهم. لكن لنحو 15 عاماً، كانت سورية عالماً مصغراً، ميكروكوزم، فيها كثير من العالم الفعلي، الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، ومنظمات ما دون الدولة من البلدان المجاورة، من تركيا ولبنان والعراق، وشبكات جهادية سنية وشيعية اجتذبت مجاهديها من عشرات البلدان، هذا بينما تناثر ما لا يقل عن سبعة ملايين من السوريين، نحو 30% من السوريين، في 126 بلداً. ما بدأ ثورة شعبية سلمية، تحول إلى حرب متعددة الأطراف والجبهات في بلد واحد صغير. لقد صارت سورية مهمة لأنها كانت لسنوات طويلة عالماً مصغراً. وخلال تلك السنوات أخذ العالم يبدو أشبه بسورية، من حيث تراجع حكم القانون وضعف المؤسسات الديمقراطية وانتشار روح التشاؤم على نطاق واسع. وبينما أخذ العالم يبدو سورية مكبرة، ماكروسورية، أخذت سورية تشكل صورة محتملة عن مستقبل العالم. المستحيلات التي صارت ممكنات في سورية، بما فيها المجازر الإبادية والتعذيب المنهجي والانتهاكات الجنسية، وتدمير بيئات الحياة، أي ما يمكن تسميته الحرب المطلقة بلا أي ضوابط، رأينا إسرائيل تمارسها في غزة طوال أكثر من عامين فتقتل فوق 70 ألفاً من الفلسطينيين، وتعتقل وتذل وتنتهك جنسياً المعتقلين، بما في ذلك اغتصاب النساء والرجال، وبما في ذلك انتهاكهم جنسياً من قبل كلاب مدربة، في قفزة قد تكون غير مسبوقة في نزع الإنسانية و"حيْونة الإنسان" بتعبير الشاعر والكاتب السوري ممدوح عدوان؛ ثم نرى الحرب المطلقة عارية من جديد ضد إيران، بدأت بقتل المرشد، رمز الدولة الإيرانية وقائدها الروحي السياسي، أي بدأت كحرب بلا قواعد على الإطلاق، حرب قطع رأس، فلا بد أن يكون لها ما بعدها. الحروب المطلقة لا تنتهي فعلياً، ربما تفتر وتهدأ لوقت، لكنها تنبعث من جديد هنا أو هنالك. وقبل ذلك رأينا تلك الحرب في لبنان في مواجهة حزب الله ومناطق واسعة من الجنوب اللبناني ومن العاصمة بيروت، وهي مستمرة اليوم وعلى صلة وثيقة بالحرب الإسرائيلية الأميركية في الخليج. ما يجمع بين هذه الأمثلة هو حكم القوة العارية التي تحيل السياسة والقانون الدولي إلى ممسحة لأقدام الأقوياء.
2 ماذا تفعل الحرب؟ تقتل وتدمر، والحرب المطلقة تقتل وتدمر تدميراً مطلقاً. ضحاياها الكثير من البشر، الكثير من العمران والبنى التحتية وما يعيش فيه ومنه وعليه الناس. ثم أن الحرب تدمر الحقيقة التي يتواتر القول إنها أول ضحايا الحروب. عملت إسرائيل في غزة على منع وصول المعلومات خارج القطاع المحاصر والمقصوف وقتلت 215 صحفياً بين أكتوبر 2023 ونوفمبر 2025. وأنكرت، وشاركتها ألمانيا إنكار أن ما كان يرى في العالم كله هو جينوسايد. مثل ذلك فعله الحكم الأسدي في سورية، إن من حيث قتل الصحفيين، ومن حيث إنكار الإبادة (شاركه في ذلك حلفاءه). إلا أن أهم المفاعيل المحتملة للحرب تتمثل في أنها تُصلِّب أرواح الناس بالغضب والكراهيات والعدوات، ما يحول دون القدرة على تمثل الغير، التفكير من موقعهم أو استضافتهم في أنفسنا ومحاورتهم. وقد جعلت حنه آرنت من ذلك جذراً للشر، بقدر ما جعلت من التفكير كحوار مع النفس جذراً للضمير. أحيل كثيراً إلى آرنت بالنظر إلى تجارب متقاربة، أبرزها اضطرار مشترك للجوء في أكثر من بلد، وحضور واسع للتجربة الحية في النتاج الكتابي، ومركزية فكرة الحرية في التفكير. ومما يحول دون التمثل ما تغذيه الحرب من سرديات تفوق: من هؤلاء الوضعاء الذين أنظر إلى نفسي بعيونهم أو أستضيفهم في نفسي؟ أنا الأبيض، أنا الآري، أنا المسلم، أنا اليهودي، أنا المسيحي، أنا الأوربي! وسرديات مظلومية: أنا مظلوم، ويجب على الجميع الوقوف على جانبي ومساعدتي دون أن يتوقعوا من جانبي شيئاً؛ أنا اليهودي، أنا الفلسطيني، أنا المسلم، أنا الشيعي، أنا الأسود...! ونزعات امتثال: لماذا أخرج من نفسي وأنظر إليها من موقع آخر بعين الغير، حين لا يكاد يفعل أحد حولي ذلك؟ وقد أضيف الكسل: يحتاج التمثل إلى جهد، وإلى دافع لبذل الجهد، وليس كثيرون مستعدون لذلك. فيما يخص الصراع السوري طوال سنوات اقترن غياب التمثل بالتعامل مع القضية السورية كشأن إنساني، يُعامل بتفَضُّل، وتعلن الدول والوكالات الدولية أنها خصصت هذه المبلغ أو ذاك لدعم اللاجئين السوريين. ما يجري نفيه عمن يعاملون كشأن إنساني هو المشيئة (إيجنسي) السياسية والمعرفية والأخلاقية الخاصة بهم. سياسياً، لا يتعلق بصراع من أجل التحرر والمساواة والعدالة، بل بنزاع غير عقلاني غامض؛ ومعرفياً ليس السوريين هم من يُنظِّرون لصراعهم وينتجون المفاهيم للتفكير فيه، بل باحثون وصحفيون غربيون، قد يأخذون اقتباساً من بعض السوريين ليعطوا انطباعاً بعمل ميداني جدي؛ وأخلاقياً يجري إنكار المشيئة الأخلاقية بنفي أن المعنيين بالصراع هم من يحددون ما هو خير وما هو شر لهم، وأن القوى الدولية، في الغرب وغيره، هي من تحدد، ومعلوم أن هذه القوى لطالما فكرت في الصراع السوري في إطار الحرب ضد الإرهاب. وما يعنيه نفي المشيئة على المستويات الثلاث: أنت لا تعرف كيف تسمي، أنت لا تميز بين الخير والشر، وليس لديك قصة كفاح من أجل الحرية، هو في الواقع خفض المرتبة البشرية لمن لا مشيئة لهم، أي بالضبط العنصرية. وهذه قد تأخذ شكلا خاملاً، شكل سقوف زجاجية تحول دون أن تروي قصتك وتعبر عن نفسك ويعترف بك محاوراً، أو شكلاً نشطاً بقمع محاولة إسماع صوتك والقول إن لك قضية محقة. هذا الوجه الأخير خبره مباشرة في شوارع برلين الفلسطينيون والمتضامنون معهم. في هذا الشأن ألمانيا أقرب إلى دولة حزب واحد، توتاليتارية، ترفرف فوقها رح اسمها Staatsraison (إسرائيل اليهودية كعلة وجود للدولة الألمانية المعاصرة)، لا تريد أن تفكر من موقع الفلسطيني أو تتمثّله. فلسطين ليست موجودة وجوداً حقيقياً حتى يجري التفكير من موقع الفلسطيني: علمها ليس شرعياً، الكوفية ذاتها مشبوهة، شعاراتها يجب قمعها. ليس للفلسطينيين قضية عادلة، وهم بالطبع ليسوا مثلنا نحن الألمان أو مثل الإسرائيليين، وحياتهم ليست لها القيمة نفسها. ليس هذا حال جميع القضايا في ألمانيا وفي أوربا. حظي الأوكرانيون باعتراف بمشيئتهم السياسية والأخلاقية والمعرفية بعد الحرب العدوانية الروسية عليهم، وهم يستحقون ذلك. ودون معرفة تذكر، حظي نظام روجافا في سورية باعتراف وتضامن واسعين من قبل طيف واسع من الناس، يساري ويميني، في الغرب، نال عموم السوريين القليل جداً منه. حظي بعض الضحايا بالفهم والدعم وحجب عنهما ضحايا آخرون.
3 هذا للقول إن التمثل يمكن أن يكون انتقائياً مثلما يمكن للتضامن أن يكون كذلك. خلال سنوات إقامتي في ألمانيا تسنى لي أن ألاحظ علاقة قوة وعلاقة أبوية من قبل متضامنين في هذا البلد مع القضايا التي يتضامنون معها، أي أن التضامن بحد ذاته مفهوم لا يقوم على الندية والمساواة. إنه علاقة ضامنين بمضمونين، وجغرافيته هي الغرب المزدهر الذي يعطي ويمنع: يعطي التضامن لقضايا منتقاة ويمنعه عن قضايا أخرى (بين خمسينات وسبعينات القرن العشرين كانت جغرافيا التضامن أفروآسيوية أو تشمل "القارات الثلاث"، بإضافة أميركا اللاتينية لهما). وهو ما يسهل اندراج التضامن في منطق "أنسنة" القضايا، وإنكار المشيئة على المستويات السياسية والإبستمولوجية والأخلاقية، فيكون مظهراً من مظاهر العنصرية لا نقضاً لها. ويكمل ذلك بعد طبقي للتضامن منذ ارتحاله إلى الغرب بنهاية الحرب الباردة، هو بدوره تكميل لطبقية التضامن داخل المجتمعات الرأسمالية الغربية ذاتها. هناك سوق للقضايا، تتنافس فيه على التضامن، لكن السوق ليس حرة تماماً. هناك احتكارات توزي احتكارات الموارد والمعلومات والقوة، تحدد ما يروج في السوق وما بالكاد يعرض. بهجرة التضامن إلى الغرب الرأسمالي، استبطن التضامن منطق السوق الرأسمالية السائد، على مستوى المعلومات وإنتاجها وتداولها مثلما على مستوى الإنتاج المادي، ومثلما على مستوى توزيع القوة السياسية. التمثل على المستوى الفردي معادل للتضامن على المستوى الجمعي. ربما يجعل التمثل منا أفراداً صالحين، لكنه لا يخلق روابط سياسية ولا ينفتح حتماً على عمل مشترك من أجل التغيير، ولا يتحدى علاقات القوة والثروة القائمة. ما العمل لمنع فساد التمثل والتضامن؟ ليس، في الحد الأدنى، غير المعرفة الغنية بالمعلومات والمعطيات الموثوقة لأي أوضاع عيانية يثار بخصوصها سؤال التضامن والتمثل، أي ليس غير المعرفة الصحيحة والقابلة للتصحيح المستمر، تصحح اختلالات سوق المعلومات، وتمنع التضامن من أن يكون موالاة على القرابة أو الهوية (فنوالي من هم من عرقنا أو ديننا أو حضارتنا أو معسكرنا الإيديولوجي والسياسي، أو من هم أعداء أعدائنا، بصرف النظر عن عدالة قضيتهم)، مثلما تحول دون أن يعمل التمثل اعتباطياً وفي اتجاه واحد، كأن أتمثل البعض ولا أتمثل غيرهم، وأعترف بندية البعض ولا أعترف بندية غيرهم. ومن أجل معرفة تقبل التصحيح يتعين أن تتاح الفرص للنقاش الحر المتكافئ، وأن تسمع جميع الأصوات، ليس دون قمع بوليسي فقط مثلما جرى في ألمانيا كثيراً ضد الفلسطينيين وداعمي قضيتهم، بل وأن تقاوم ثقافة الإلغاء المزدهرة بدورها في السنوات الأخيرة، وعقلية صيد الساحرات المرتبطة بها، وقد استهدفت أسماء محترمة في العالم كله مثل أشيل مبمبه وجوديث بتلر وعدنية شبلي وغسان الحاج وماشا غيسن وأرونداتي روي وكثيرين غيرهم. وما يقارب هذا المزيج من القمع البوليسي وثقافة الإلغاء يجري في طول الغرب "الديمقراطي الليبرالي" وعرضه. لسان الحال يقول: حرية الرأي والتعبير مكفولة، طالما أنها لا تتعارض مع ما نعتقد نحن به! ترى، ما هو نظام الطغيان الذي ليس مع حرية التعبير وفقاً لهذا التحديد؟ وينبغي أن يكون هذا التوضيح الخاص بالعلاقة بين التمثل وكل من المعرفة الموثوقة وحرية التعبير بديهياً. فالتمثل هو العملية الذاتية التي نتقمص فيها الآخرين، فيما المعرفة هي جهد الموضوعية الذي نقوم به لمعرفة الواقع حولنا، أما الحرية فهي الإطار الأكثر صحية للتعارف بين الناس ولتداول المعلومات، بما يوفر أساساً صلباً للتمثل والمعرفة معاً. 4 وهذا صحيح في الشرق الأوسط بقدر يفوق أوربا. نفتقر في بلداننا إلى الحرية، وهو ما يضعف فرص التمثل، ظهور الأفراد الأحرار الذين يستخدمون حريتهم للتواصل مع غيرهم والمشاركة في صنع مجتمع أكثر أخلاقية، كما يعوق التداول الحر للمعلومات والأفكار التي تؤسس لمعرفة بصيرة بواقع الحال نبني عليها توجهاتنا وسياستنا. وهو أصح بعد في سورية. خلال سنوات طويلة من الصراع السوري ترسخت انقسامات قديمة وظهرت انقسامات جديدة، ونمت سرديات المظلومية والتفوق، ومعهما تصلب الأنفس والعدائية حيال الغير، وهذا بالتوازي مع تعثر الصراع من أجل الحرية. محنة التمثل كجهد للإحساس بالآخرين، كمحاولة لتطوير روحية كريمة تتسع لأناس مختلفين، مستمرة إلى اليوم بعد سقوط الحكم الأسدي دون جهود عامة تذكر لصنع مساحات عامة آمنة. والمتمثلون الذين يعبرون الحواجز الهوياتية الفاصلة، وربما يخلقون معاً روابط سياسية جديدة، ليسوا كثرة اليوم. هناك في الواقع تماهيات (وليس تمثلات) بلا معرفة، تقاربات هوياتية سطحية تتقلب بسهولة. وهناك نقص مزمن ومستمر في المعرفة وتوفر المعلومات الصحيحة في مختلف ميادين حياة السوريين بالذات. وإنما لذلك السوريون لا يشكلون أمة. ليس هذا لأنهم مختلفون عن بعضهم، ولا حتى لأنهم منقسمون سياسياً، فليس هناك مجتمعات ليست كذلك؛ السوريون ليسوا أمة لأننا لم نطور مركبات التمثل/ التضامن- المعرفة/ السياسة التي تصنع مجتمعاً حياً متفاعلاً. فالتمثل يشرك غيرنا في أنفسنا، والتضامن يشركنا مع الغير في قضية جامعة، والمعرفة مسعى من أجل الموضوعية يحول دون انزلاق التمثل والتضامن إلى الذاتية والهوياتية والانتقائية، والسياسة الجهد المشترك لحل نزاعاتنا المحتملة دون عنف. وبمجموعها تؤسس لما تكلم عليها يورغن هابرماز بخصوص ألمانيا من وطنية دستورية، مدارها الحقوق والمؤسسات والدستور، وليس العرق والأصل. لقد كنا في سورية بلا دولة وبلا حقوق، ولا تبدو الترتيبات السياسية القائمة اليوم سائرة باتجاه دولة عامة تستوعب التعدد السوري وتحكم بالقانون الواحد، فتقرب السوريين من بعضهم.
5 ينظر في ألمانيا إلى الوضع السوري اليوم من مدخل العودة المحتملة للاجئين، بعد أن كان منظور الحرب ضد الإرهاب هو المهيمن. ويبدو أن هذه كانت القضية الأبرز في المحادثات بين الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع والمستشار الألماني ميرز أواخر آذار الماضي. المدخل هذه المرة يمتزج فيه الاقتصادي بالإنساني، والسياسي يبقى غائباً. حالة الفلسطينيين أعقد من حال السوريين، فوطنهم مستباح من قوة عدوانية مدعومة من أقوياء العالم وأثريائه، ومحاولتهم تمثيل أنفسهم في العالم تقمع مثلما يقمع وجودهم وتقرير مصيرهم في وطنهم. بل إن تمثيلهم وتمثُّلَهم في الجامعات الأميركية والألمانية وغيرها يقمع. ينتقد أكثر من الفلسطينيين السلطة الفلسطينية، ولا يقرون لها بصفة تمثيلية، لكن مصدر العنصرية والتمييز ليس هذه السلطة البائسة، بل سلطة إسرائيل المطلقة فوق وجودهم، وتضامن أقوياء العالم مع المعتدين لا مع الضحايا. وإنما في صلة بالتعامل الألماني مع الشأن الفلسطيني تراجع بشدة الكلام على برلين كعاصمة للثقافة العربية، بعد أن كان في صعود لسنوات. إثر فوز فيلمه "وقائع أيام الحصار" بجائزة في بينالي برلين في شباط الماضي، والكلمة التي ألقاها واتهم فيها ألمانيا بدعم الجينوسايد في غزة، اضطر الفلسطيني السوري عبد الله الخطيب للفرار من ألمانيا واللجوء إلى الأردن. هذا محزن. ألمانيا التي لم تكن قوة استعمارية في المجال العربي، أهدرت بلا مبالاة كاملة هذه الفضيلة بدعم الإبادة الإسرائيلية بالمال والسلاح والدبلوماسية. فكأنها صارت استعماراً بالوكالة، مستمراً فوق ذلك. وهذا كله وسط تراجع عالمي في الروح العالمية، اليونيفيرسالية. في الغرب الرأسمالي، ليسوا مستعدين لدفع ثمن إحياء هذه الروح، وبخاصة احترام القانون الدولي والقبول بالمساواة مع الغير بمن فيهم الفلسطينيون، وبالتالي إدانة إسرائيل على جرائمها. وينعكس ذلك في الشرق الأوسط عبر تواتر استخدام مبدأ حقوق الإنسان استخداماً أداتياً، رفعه كشعار أو سحبه من التداول بحسب تقلبات المصالح الاقتصادية والجيوسياسية لقوى التحالف الغربي. ويبدو أنه لا سبيل لانبعاث الروح العالمية دون إعادة نظر واسعة في توزع السلطة والثورة والمعنى في الكوكب ككل، أي دون موجة اشتراكية جديدة، تخرج الديمقراطية من أزمتها وتكسر وضع اللابديل الراهن. الرأسمالية والأنانية الحضارية هما ما يجران العالم إلى إقطاعية جديدة، إلى بناء مزيد من القلاع والأسوار، وإلى المزيد من سياسات الفصل والهوية.
6Z يبدو العالم اليوم في حال استثناء مستمرة، تكلم عليها فالتر بنيامين في آخر ما كتب قبل انتحاره على الحدود الفرنسية الإسبانية عام 1941، والنازيون في آثره. القانون الدولي والمؤسسات الدولية اليوم معطلة، ويصعب الدفاع عن العالم على أساسها. لكن ما يلزم ليس حالة سواء قانوني، بل حالة استثناء حقيقية، تؤسس لحالة سواء جدية، عالمية. حالة الاستثناء الحقيقية التي فكر فيها بنيامين هي الثورة، وهي تصير أكثر وأكثر حاجة عالمية. لكن حين تكون الثورة حاجة، دون أوضاع ثورية ولا قوى ثورية، نكون في أوضاع خطيرة. نحن في وضع خطير بالفعل اليوم، مع أمثال ترمب ونتنياهو على دفة القيادة العالمية. الثورة في تصور بنيامين ليست، بالمناسبة، "قاطرة التاريخ" التي فكر بها ماركس، بل هي استخدام مكبح الطوارئ بالأحرى، والتحكم بحركة القطار أو وقفه لأنه متجه إلى الدمار، دمار الكوكب ودمار البشرية. وأرجو أن تسمحوا لي هنا أن أقول من جديد شيئاً في نقد أوربا والغرب. كسوري من خلفية يسارية، عملت على نقد شؤون سورية وشؤون العالم في آن، ومستنداً إليهما معاً في محاول الفهم والتوجه. هنا، أمامكم، أعتقد أن الصحيح هو نقد مجتمعكم وسياستكم. هناك، في بلدي الأم، أو حين أكتب وفي بالي قراءة سوريين وعرب، لا أفعل لك. أنتقد شؤون بلدي وقومي، وأعترض على نظامهم وأوضاعهم وسياساتهم. لكن بما أنكم دعوتموني لأخاطبكم، معتقدين ربما أني أصدر عن منظور عالمي (يونيفيرسالي)، فسأستغل هذه الفرصة لقول بعض "الحق في وجه السلطة". أعرف أنكم لستم سلطة، لكن لعلكم في موقع مؤثر بعض الشيء على السلطة في هذا البلد، وفي أوربا. يعتقد كثير من الناس هنا وفي أوربا أن تفكيرهم أسلم من غيرهم حتى بخصوص قضايا غيرهم، أن حكمهم أصح، أن عقائدهم وعوائدهم ولغاتهم وأدبهم وفنهم أفضل، وباختصار يطابقون أنفسهم بالعقل والعالم والحضارة. على العالم أن يشبههم، ليس دون أن يفعلوا هم شيئاً من أجل ذلك، بل ودون قبول بالمساواة الضرورية من أجل تشابه أكبر. والكلمة غير اللطيفة المناسبة لتسمية هذا الاعتقاد هي التعصب، أو السوليبسيزم الحضاري (حضارتنا وحدها موجودة). أتشوق إلى قراءة كتاب أو أفضل سلسلة كتب قد تظهر يوماً في نقد التعصب الأوربي ومخاطره، في الكوكب وفي أوربا ذاتها. وبوصفي قادماً من بيئة عربية وإسلامية، من المألوف أن توصف في أوربا بالمتعصبة، وأعلم يقيناً أن فيها غير قليل من المتعصبين الذين لا يعتقدون أن ديانتهم وحدها هي الحق، بل يضيفون إلى ذلك عدم احترام الغير وعدم محاولة معرفة الغير وعدم قبول المساواة مع الغير، فإني ألاحظ تصاعداً للتعصب في أوربا يقترن بالدفاعية وتآكل الثقة بالنفس، تماماً مثلما حصل في مجتمعات المسلمين. وهو أثر قرون من التفوق العسكري والاقتصادي والحضاري، كان محجوباً حين كان التفوق لا منازع له. اليوم هناك منازعة من الداخل (مهاجرين، جاؤوا بفعل أوضاع اللامساواة العالمية) ومن الخارج. ويظهر التعصب في صورة رقابة على الفكر والتعبير (قلما استطعت نشر شيء في ألمانيا دون رقابة على ما أقول حين يتعلق الأمر بإسرائيل)، في صورة قمع للتعبيرات الأخرى، في صورة ثقافة إلغاء، في صورة تلقين للمعتقدات الوطنية تحت اسم الاندماج. وأخشى أن لهذا التعصب مستقبل مخيف، ويقلقني ألا أرى خشية مماثلة من مثقفي أوربا وفلاسفتها. بعضهم حراس للتعصب في واقع الأمر. وأثر التعصب يضاف إلى ما تقدم ذكره من عوائق للتمثل، التفوق والمظلومية والامتثال والكسل. ويتصل بذلك أن العلاقة بين الألمان والسوريين والفلسطينيين، وعموم المهاجرين، تخلو من عنصر الاحترام، وهذا هو الحال عموماً في أوربا، وهو ما يحكم على سياسات الاندماج بقلة المحصول. تنجح ألمانيا في تربية بعض متعهدي الذنب Subcontractors of Guilt، بتعبير إسرا أوزيريك في كتاب لها بهذا العنوان، من بعض الفلسطينيين والعرب، يلومون أنفسهم بمفعول راجع على الجرائم الألمانية بحق اليهود في الهولوكوست، لكن هؤلاء الذين يقدمون كقصة نجاح، هم بالذات لا يعاملون باحترام في سياقات أخرى، ولا ينظر إليهم كأنداد ومساوين.
7 أعود قبل النهاية إلى استعارة سورية كعالم صغير والعالم كسورية كبيرة. سورية اليوم في وضع انتقالي بعد أكثر من نصف قرن من حكم طغيان قاتل، ونحو 14 عاماً من صارع مركب متعدد الأطراف، ذهب ضحيته ما لا يقل عن 2% من سكان البلد، وربما أكثر. الحرب تصنع العداوات والصداقات (وليس العكس، خلافاً لما يرى كارل شميت)، والعداوات والصداقات تصنع الهويات المتخارجة والمتنابذة، وتعوق تشكل أمة متعارفة متفاعلة. بوصفه سورية مكبرة، عالم اليوم في وضع مقارب: وعد اليونفيرسالية بتطوير ذات عالمية فشل تماماً. العالم ليس موجوداً كإرادة، كذات، كـ"مجتمع دولي" له سمع وبصر، كرأي عام عالمي، لكنه موجود كعمليات عولمة، كتفاعلات غير ودية (حتى داخل الغرب، اليوم)، كعلاقات قوة وإكراه ضمني لا كعلاقات ثقة وتعاون. نعيش في worldless world، عالم بلا عالمية، موجود كعراء وصحراء، عالم قبائل وهويات متنابذة مثل سورية. ومثلما سورية ليست أمة اليوم وتكاد تكون بلا دولة، فالعالم ليس "أمماً متحدة"، وبلا تمثيل أممي عام. نحن في العالمين الصغير والكبير في أزمة، تدعو إلى تجديد التفكير في التمثل والتضامن والعالمية. وإنما لذلك، أعني لوجود العالم كعلاقات وتفاعلات وعمليات موضوعية، لا في صورة ذاتية واعية وراغبة، فإن المزيد من العالم في بلدان في سورية وفلسطين ولبنان وغيرها، يعني المزيد من الانكشاف واللاعالمية، لا الأقل منهما. بالعكس، ينمو مستوى العالمية والارتباط الإيجابي بقدر ما تتاح الفرص لجماعات وقوى سياسية في بناء دولة وداخل وطني، وهي فرصة معدومة في فلسطين، وربما تهدر في سورية، وتعطل في لبنان. الحرب التي هي شرط مزمن لهذه البلدان الثلاثة تبقيها مصغرات عن صحراء العالم، وصوراً محتملة لمستقبله.
8 قلت شيئاً فوق عن المعرفة المفصلة وحرية التعبير كجهود حد أدنى للتغلب على انتقائية التمثل والتضامن. هل من جهود حد أعلى؟ نعم، تحدي الأوضاع غير المتكافئة على المستوى العالمي التي تحمي نفسها بالأسلحة والأسوار وتغذية النزعات القبلية، وتسخر الكوكب لمصلحة أقلية فيه، يسمونها في روسيا بانتهازية كاملة: المليار الذهبي. عالمنا اليوم عالم إبستيني، إقطاعي ووقح وعديم الحساسية، يجوع فيه كل يوم ما لا يقل عن 800 مليون. العمل على تغيير هذه الأوضاع في اتجاهات أكثر عدالة ومساواتية هو برنامج الحد الأعلى. قبل عقود خلت كان اسم هذا البرنامج هو الاشتراكية. وما أفهمه من الكلمة هو فتح الديالوغ الديمقراطي على ما يتجاوزه من مسرح يشارك فيه جمهور الحضور، وهذا مثلما تطلع المسرحي السوري سعدالله ونوس، وقبله المسرحي الألماني برتولد برخت. وهذا لأنه إن لم يجر فتح الديمقراطية على ما يتجاوزها من حضور لغير المشاركين في الحوار، فسينفتح عليها ما يشدها على الوراء، إلى المونولوغ والصوت الواحد ومختلف ضروب الواحديات. هذا يحدث سلفاً في ديمقراطيات تسلطية متكاثرة.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
-
حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
-
بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
-
سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
-
سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
-
أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
-
في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
-
في العنف وعوالمه
-
حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم
-
حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
-
يوميات مغربية
-
في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
-
لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
-
في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
-
الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
-
ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
-
زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
-
فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
-
قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية
-
الإسلامية البريّة: روح هائمة تبحث عن جسد
المزيد.....
-
سجال سياسي محتدم.. نائب ترامب يهاجم الديمقراطيين وبوتيجيج ير
...
-
مسؤول إسرائيلي: اتصال بين نتنياهو وترامب بينما تدرس أمريكا خ
...
-
المحكمة العليا في السعودية: الاثنين غُرة ذي الحجة وهذا موعد
...
-
قرقاش عن استهداف محطة براكة للطاقة النووية: -لن يلوي أحد ذرا
...
-
التفشي الـ 16.. إيبولا يضرب مجددا الكونغو
-
سلالة جديدة من إيبولا: حقائق أساسية لفهم التفشي الحالي
-
شروط أمريكية وتوعد إيراني وتأهب إسرائيلي.. هل حانت عودة الحر
...
-
بين دموع الفرح وصبر السنين.. قوافل الحجاج الأردنيين تنطلق نح
...
-
بزشكيان لوزير الداخلية الباكستاني: نسعى لعلاقات ودية مع دول
...
-
هل تسلم أموالك للذكاء الاصطناعي؟ ميزة جديدة بشات جي بي تي تث
...
المزيد.....
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
-
نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار
/ ياسين الحاج صالح
المزيد.....
|