أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يونس العموري - الى بيسان ...















المزيد.....

الى بيسان ...


يونس العموري

الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 13:07
المحور: الادب والفن
    


كنا نمضي بالسيارة في طريق طويل يتلوى بين التلال والسهول، وكانت الشمس تنحدر ببطء نحو الغور كأنها تعود إلى بيتها الأول .. لم يكن بيننا الكثير من الكلام. كانت تنظر من النافذة إلى الأفق البعيد، بينما كنت أراقب الضوء وهو ينكسر على الزجاج الأمامي مثل ذاكرة قديمة تبحث عن شكلها... مددت يدي إلى جهاز التسجيل وأدرته متعمدا... لم أفعل ذلك لأكسر الصمت، بل لأدع شيئا أعمق منه يتكلم ... وما إن انساب صوت فيروز حتى شعرت أن الطريق نفسه أصغى معنا. كانت تغني .. خذوني إلى بيسان... خذوني إلى بيسان... عندها فقط عرفت إلى أين سيقودنا الطريق. .. لم تكن الأغنية مجرد أغنية .. كانت مفتاحا صدئا فتح بابا هائلا من الحنين... كانت فيروز تجلس معنا كرفيقة ثالثة في الرحلة، تسبقنا إلى المكان الذي نقصده، وتعرف تفاصيله أكثر منا. التفتت نحوي، وفي عينيها سؤال لم تنطق به بعد، فأمسكت يدها وقلت إننا سنسافر الآن نحو الأرض الخصبة، نحو الأرض السمراء، نحو دفء الشمس الذي لم ينطفئ رغم كل هذا الرماد ... ابتسمت وسألت إلى أين يأخذنا هذا الطريق، فقلت إلى بيسان... وما إن خرج الاسم من فمي حتى شعرت أنه لم يخرج من الحنجرة بل من مكان أعمق بكثير، من طبقة قديمة في الروح ظلت تنتظر هذه اللحظة كي تتنفس...
ظلت صامتة قليلا، ثم سألتني ما الذي يجعل مدينة واحدة قادرة على كل هذا الحضور ... نظرت إلى الطريق الممتد أمامنا وقلت إن بعض المدن تشبه البشر، وبعضها يشبه الأساطير. أما بيسان فهي شيء بين الاثنين... إنها مدينة عاشت زمنا أطول من كثير من الإمبراطوريات، ورأت وجوها أكثر مما رأت المرايا .. أخبرتها أن الكنعانيين عرفوا هذه الأرض منذ آلاف السنين، حين كانت الشمس تشرق على سهولها كما تشرق اليوم، وحين كان الماء يخرج من ينابيعها صافيا كما لو أنه يخرج من قلب الأرض مباشرة... اختارها الأوائل لأنهم أدركوا أن الخصوبة ليست في التراب وحده، بل في الروح التي تسكنه. ومنذ ذلك الوقت ظلت بيسان تستقبل العابرين... مر عليها المصريون القدماء والإغريق والرومان والبيزنطيون، وتعاقبت عليها حضارات كثيرة حتى بدا كأن الزمن نفسه اتخذ منها محطة للاستراحة.. لكن المدينة بقيت دائما أكبر من الذين مروا بها، لأن الأرض كانت تعرف أصحابها الحقيقيين حتى وهي تفتح أبوابها للغرباء.
كانت فيروز تواصل الغناء، وكأنها تروي لنا فصلا بعد فصل من تاريخ طويل. كانت السيارة تشق الطريق بهدوء، بينما كنت أشعر أن آلاف السنين تجلس معنا في المقعد الخلفي .. سألتني كيف تستطيع مدينة أن تحمل كل هذا العمر دون أن تنحني، فأخبرتها أن الأرض التي تتعلم الصبر مبكرا تصبح أقوى من الزمن. كانت بيسان مثل نخلة عتيقة تضرب جذورها عميقا في التراب، تمر عليها العواصف وتنكسر حولها الأغصان، لكنها تظل واقفة لأنها تعرف سر البقاء.
ومع اقتراب المساء أخذت السهول تتسع أمامنا. كانت الأرض تمتد كبحر أخضر لا نهاية له، وكانت الريح تمر فوق السنابل فتتشكل أمواج من الضوء والظل ...أشرت نحو الأفق وطلبت منها أن تنظر... قالت إن السهول تبدو بلا نهاية، فقلت إن هذا هو سر بيسان. إنها لا تنتهي عند الأفق بل تبدأ منه. ضحكت وقالت إن الأغنية جعلتني أتحدث بلغة لا تشبهني، فأخبرتها أن بعض الأمكنة تجعل اللغة أقل قدرة على الشرح. فكيف يمكن للكلمات أن تصف أرضا كانت يوما من أغنى بقاع فلسطين وأكثرها خصوبة؟ كيف يمكنها أن تشرح مدينة كانت قلبا نابضا لقضاء كامل، تستقبل الفلاحين القادمين من القرى المحيطة، وتفتح أسواقها للقمح والخضار والحمضيات، وتربط الأغوار بمرج ابن عامر كما يربط الشريان القلب بالجسد؟

كانت بيسان قبل النكبة مدينة تعرف كيف تعيش. لم تكن مجرد تجمع من البيوت والحجارة. كانت حياة كاملة. كانت الأسواق تضج بالحركة، وكانت الحقول تتنفس مع الفصول، وكانت القرى المحيطة بها ترسل إليها كل صباح وجوهها وأحلامها ومحاصيلها. أخبرتها أن الناس هناك لم يكونوا أغنياء جميعا، لكنهم كانوا يملكون ثروة من نوع آخر؛ كانوا يملكون علاقتهم بالأرض. كانوا يعرفون أسماء المواسم كما يعرفون أسماء أبنائهم، ويعرفون اتجاه الريح من رائحة التراب، ويعرفون أن السنابل التي تنحني ليست ضعيفة، بل ممتلئة.
سألتني إن كانوا سعداء، فقلت إنني لا أعرف مدينة عاش أهلها سعداء تماما. لكنهم كانوا يملكون أسباب الفرح رغم معرفتهم بالحزن. كانوا يزرعون ويحبون ويغنون ويخططون للمستقبل كما يفعل كل الذين يظنون أن الغد امتداد طبيعي لليوم. لم يكونوا يعلمون أن التاريخ يخبئ لهم منعطفا حادا ينتظرهم خلف الأفق.
ساد الصمت بيننا لحظات. حتى فيروز بدت وكأن صوتها صار أكثر هدوءا. سألتني لماذا توقفت عن الكلام، فقلت لأن الحكاية وصلت إلى جرحها الأكبر. ففي عام النكبة تغير كل شيء دفعة واحدة. البيوت التي كانت تنتظر أصحابها بقيت وحدها. الأبواب ظلت مفتوحة على الغياب. الحقول التي حفظت أسماء فلاحيها استيقظت على وجوه أخرى. خرج الناس وهم يعتقدون أن الرحيل مؤقت، وأن العودة تحتاج إلى أيام أو أسابيع فقط. حملوا مفاتيحهم معهم كما يحمل الإنسان وعدا صغيرا، ثم تمددت الأيام حتى أصبحت سنوات، وتحولت السنوات إلى عقود طويلة من الانتظار.
كانت تنظر عبر النافذة بصمت. رأيت انعكاس الضوء في عينيها، ورأيت شيئا من الحزن أيضا. أخبرتها أن النكبة لم تكن مجرد خسارة بيوت وأراض، بل محاولة لاقتلاع الذاكرة نفسها. محاولة لإقناع الناس بأن الحكاية انتهت. لكن المدن الحقيقية لا تموت بهذه السهولة. ولهذا بقيت بيسان حاضرة في الأغاني والقصائد والذكريات. بقيت حاضرة في مفاتيح البيوت القديمة، وفي الحكايات التي رواها الأجداد للأحفاد، وفي أسماء القرى التي رفضت أن تغادر الذاكرة مهما ابتعدت الجغرافيا.
سألتني عن بيسان اليوم. نظرت إلى الطريق المظلم الذي بدأ الليل ينسجه أمامنا، وقلت إن اسمها تغير على الخرائط. صارت تعرف اليوم باسم بيت شان. تسكنها وجوه أخرى، وتعيش فيها حياة مختلفة عن تلك التي عرفها أهلها قبل عقود. لكن الأسماء الجديدة لا تستطيع أن تمحو الطبقات القديمة من الذاكرة. فالمدن ليست لافتات تعلق على المداخل. المدن هي ما يتركه البشر فيها من أرواحهم. ولهذا ما زالت بيسان القديمة تعيش تحت الاسم الجديد كما تعيش الجذور تحت التراب، لا يراها أحد لكنها ما تزال هناك.
ارتفعت الريح قليلا، وحملت معها رائحة الأعشاب البرية والتراب الدافئ. سألتها إن كانت تعرف ما الذي يخيف المحتلين أكثر من البنادق. أجابت بأن الذاكرة هي ما يخيفهم. قلت نعم، لأن الذاكرة لا يمكن مصادرتها. يمكن تغيير الأسماء، ويمكن تبديل السكان، ويمكن إعادة رسم الخرائط، لكن من الصعب جدا اقتلاع مدينة من قلوب الذين أحبوها.
قالت إن الذاكرة متعبة أحيانا، وإنها تشعر بأنها أثقل من قدرتها على الاحتمال. أمسكت يدها أكثر وقلت إن لهذا السبب لا نحملها وحدنا. سألتني ومن يحملها معنا، فقلت الأرض. الأرض التي تحفظ الخطى حتى بعد رحيل أصحابها. الأرض التي تعرف أبناءها حتى لو تفرقت بهم المنافي.
كان الليل يقترب أكثر، والنجوم تظهر واحدة تلو الأخرى. أما فيروز فكانت ما تزال معنا، كأن صوتها أصبح جزءا من الطريق نفسه. شعرت للحظة أن الأغنية لم تعد تخرج من جهاز التسجيل، بل من السهول التي نعبرها، من الينابيع، من أشجار النخيل، من البيوت البعيدة التي ما زالت تنتظر أصحابها.
سألتني إن كنت أؤمن أن الأماكن تشتاق. قلت لها إنني لا أعرف. فقالت إنها تؤمن بذلك لأنها تشتاق هي نفسها، ولأنها جزء من هذه الأرض. عندها لم أجد جوابا أجمل من جوابها.
مضت السيارة في طريقها، بينما بدا العالم من حولنا أكثر بساطة. لا حدود ولا أسلاك ولا خرائط. فقط أرض وسماء وقلبان يحاولان فهم هذا القدر الهائل من الغياب. سألتني ماذا سنفعل إذا عدنا يوما. قلت إننا سنزرع شجرة. ضحكت وسألت ثم ماذا. قلت إننا سنجلس في ظلها. سألت ثم ماذا. قلت إننا سننتظر الذين سيأتون بعدنا. ظلت صامتة قليلا ثم قالت إنني أتحدث عن المستقبل بثقة غريبة. فأخبرتها أن المستقبل لا يولد من اليقين بل من الإصرار.
كانت النجوم تزداد وضوحا فوقنا. أخبرتها أن ما تعلمته من هذه الأرض هو أن الخسارة ليست نهاية الحكاية. سألتني وماذا تكون إذن. قلت إنها فصل مؤلم فيها فقط. قالت إنها تخاف أحيانا ألا ترى النهاية، فأجبتها بأننا لسنا مطالبين برؤية النهاية. يكفي أن نواصل السير نحوها.
وضعت رأسها على كتفي، وشعرت أن الطريق صار أكثر هدوءا. كانت الأرض تغرق في عتمة لطيفة، لكنني لم أشعر بالظلام. كان هناك نور آخر يولد من الإيمان العنيد بأن الأشياء الجميلة قد تتأخر لكنها لا تضيع. قلت لها إن كل هذه السنوات، وكل هذا الألم، وكل هذه المسافات، لم تنجح في إقناع الأرض بأن أبناءها غرباء عنها. أغمضت عينيها وقالت إن السنوات نفسها لم تنجح في إقناع الأبناء أنهم نسوها.
وبينما كانت فيروز تردد للمرة الأخيرة خذوني إلى بيسان، شعرت أن الأغنية لم تكن طلبا بالذهاب إلى مدينة، بل طلبا بالعودة إلى معنى كامل للحياة. كانت بيسان تواصل إشعال قناديلها القديمة في مكان ما من القلب، قنديلا بعد قنديل، كأنها تعرف أن الذين يحبونها سيهتدون إليها يوما، مهما طال الطريق، ومهما تكاثفت العتمة، ومهما ظن العالم أن الحكاية انتهت. فبعض الحكايات لا تنتهي. إنها فقط تنتظر اللحظة التي تعود فيها الأرض لتفتح ذراعيها، ويعود الأبناء ليضعوا جباههم على ترابها، ويكتشفوا أن الزمن كله، بكل قسوته، لم يكن قادرا على اقتلاع الجذور من أعماقها. وهكذا واصلنا السير، وهي إلى جواري، وفيروز ترافقنا، والطريق يمتد أمامنا مثل وعد بعيد، وخلفنا ليل طويل من الفقد، وأمامنا فجر لا نعرف موعده، لكننا كنا نعرف شيئا واحدا فقط... أنه آت.



#يونس_العموري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وبارض الكنانة ينتظرون ...
- أيها الصغير ...
- في حضرة ايقونة الحكاية .. دلال المغربي
- في انتظار الارتطام بالقعر
- عبثية فن الممكن في الحالة الفلسطينية
- فلسفة البحث عن الذات في زمن التيه
- في ظل انطلاقة حركة فتح وانتظار الإجابات للأسئلة المعلقة
- مرة اخرى حول شعار ( القدس اولا ...) الذي اصبح بلا معنى
- تراتيل في السقوط
- كان يا ما كان
- أحاديث على أرصفة القهر
- وحلمنا بعروس البحر فإذا بالمولودة قردة
- فخامة الموت
- (هناك من يغضب لمنظر امرأة لا ترتدي حجابا .... اكثر مما يغضب ...
- في عبثية الفوضى ....
- جدلية فعل الافراج عن مروان البرغوثي
- قراءة سياسية راهنة ....
- ما يجب ان يُقال بالظرف الراهن ....
- بيان هزيمة الذات ...
- لمُنتظر الزيدي ..شكرا لحزنك الجميل ولغضبك النبيل .....


المزيد.....




- ثقافة الشارع وأزياء -الآرت- تُثري منافسات جائزة كاردو الدولي ...
- -ما الحاجة إلى عالم بدون روسيا-.. روائية مصرية تشيد بزيارتها ...
- مهرجان الفيلم الروسي يُقام في المغرب لأول مرة بتشكيلة سينمائ ...
- افتتاح مهرجان موسكو للجاز بعرض أدبي موسيقي يخلد إرث الموسيقا ...
- وفاة الفنان المصري عبد العزيز مخيون
- معهد بطرس الأكبر يحدد أهداف مؤتمره الدولي التاسع عشر
- غاليري تريتياكوف يفتتح معرضا لأيقوناته النادرة في ذكراه الـ1 ...
- على طريقة فيلم -Catch Me If You Can-.. طيار سابق بطيران كندا ...
- -صاحب تجربة فنية فريدة-.. وفاة الفنان المصري عبدالعزيز مخيون ...
- مروان الغفوري: هذا سر الجدل حول -خمس منازل لله وغرفة لجدتي- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يونس العموري - الى بيسان ...