أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمود نجم الدين المعمار - كريمة النسب بين الحق في الهوية والحق في التقاضي














المزيد.....

كريمة النسب بين الحق في الهوية والحق في التقاضي


محمود نجم الدين المعمار

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 16:04
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


أثار قرار تمييزي حديث يقضي برد دعوى أقامتها فتاة مجهولة الأب تطلب فيها إثبات نسبها إلى أمها، استناداً إلى عدم امتلاكها الشخصية القانونية اللازمة لإقامة الدعوى، جملة من التساؤلات القانونية والفقهية والدستورية التي تستحق الوقوف عندها.

فالقرار، بحسب ما نُشر من أسبابه، انتهى إلى أن المدعية لا تملك الشخصية القانونية التي تخولها إقامة الدعوى، وأن المحكمة كان يتعين عليها رد الدعوى استناداً إلى المادة (80/1) من قانون المرافعات المدنية المتعلقة بعدم توجه الخصومة.

غير أن هذا التسبيب يثير إشكالات عميقة تتجاوز حدود القضية ذاتها.

أولاً: الخلط بين الشخصية القانونية والصفة في التقاضي

إن الشخصية القانونية تثبت لكل إنسان بمجرد ولادته حياً، وهي لا تتوقف على ثبوت النسب أو معرفة الأب أو امتلاك الأوراق الثبوتية.

فلو سلمنا بأن مجهولة النسب لا تملك شخصية قانونية، للزم من ذلك نتائج لا يمكن قبولها قانوناً أو عقلاً؛ إذ لن يكون بالإمكان مقاضاتها إذا أخلت بالتزام، أو مساءلتها جزائياً إذا ارتكبت جريمة، أو تمكينها من التملك والإرث وسائر الحقوق المدنية.

ومن ثم فإن المشكلة لا تكمن في الشخصية القانونية ذاتها، بل في الخلط بينها وبين الصفة أو الأهلية أو المركز القانوني محل النزاع.

ثانياً: الدور المنطقي الذي وقع فيه القرار

إن الدعوى محل البحث لا تتعلق بحق فرعي أو أثر قانوني لاحق، وإنما تتعلق بأصل الهوية القانونية للمدعية.

فالمدعية لم تأت إلى المحكمة وهي تحمل نسباً ثابتاً ثم تطلب أثراً إضافياً، بل جاءت لتطلب إثبات النسب ذاته.

ومن ثم فإن القول بعدم جواز سماع الدعوى لعدم ثبوت النسب يؤدي إلى دور منطقي مغلق مفاده:

لا تستطيعين إثبات نسبك لأن نسبك غير ثابت.

وهذا يعني مطالبة الشخص بإثبات ما جاء إلى المحكمة أصلاً لإثباته.

ولا يستقيم المنطق القانوني مع مثل هذا التسبيب.

ثالثاً: انتهاك غير مباشر للحق الدستوري في التقاضي

إن حق التقاضي من الحقوق الدستورية الأساسية التي كفلتها الدساتير الحديثة باعتباره الوسيلة التي يلجأ إليها الفرد لحماية حقوقه وحرياته.

والقواعد الإجرائية لم توضع لتكون عقبة تحول دون الوصول إلى الحق، بل وضعت لتنظيم الوصول إليه.

وحين يصبح الشرط الإجرائي سبباً لمنع المحكمة من بحث الحق الموضوعي ذاته، فإن الشكل يتحول من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة لإهدارها.

فإذا كان موضوع الدعوى هو إثبات النسب، فلا يجوز الاحتجاج بعدم ثبوت النسب لمنع نظر الدعوى، لأن محل النزاع نفسه أصبح سبباً لعدم سماعه.

رابعاً: التمييز بين الالتزامات الإرادية وغير الإرادية

إن النسب ليس عقداً ولا تصرفاً إرادياً حتى يقال إن المدعية تفتقر إلى أهلية إبرامه أو المطالبة به.

فالنسب واقعة قانونية تنشأ بحكم الولادة، ولا دخل لإرادة الطفل في وجودها أو عدم وجودها.

ومن ثم فإن إخضاع هذا النوع من الحقوق للقواعد ذاتها التي تحكم التصرفات الإرادية يوقع التطبيق القانوني في اضطراب واضح.

خامساً: من صاحب المصلحة إن لم تكن هي؟

إن المصلحة في دعوى النسب مصلحة شخصية ومباشرة تمس اسم الإنسان وهويته ومركزه الاجتماعي والقانوني.

فإذا لم يكن لصاحبة الشأن نفسها حق اللجوء إلى القضاء لإثبات نسبها، فمن هو الشخص الذي يملك مصلحة أقوى منها؟

إن القول بحرمانها من إقامة الدعوى يجعل الحق معلقاً في فراغ قانوني لا يجد من يطالب به.

اما فقهيا

لم ينظر الفقه الإسلامي إلى النسب باعتباره امتيازاً يمنحه المجتمع للإنسان، بل اعتبره من الحقوق الأصيلة التي يجب صيانتها.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

«"إن من حق الولد على والده أن يحسن اسمه ويحسن أدبه."»

وروي أيضاً بمعانٍ متقاربة أن من حقوق الولد على أبيه أن يسميه اسماً حسناً.

وإذا كان الاسم الحسن من حقوق الولد على أبيه، فكيف يكون أصل الانتساب ذاته أقل شأناً من الاسم؟

إن الشريعة التي حرصت على حفظ الأنساب وعدّتها من المقاصد الكبرى لا يمكن أن تتصور أن يُحرم إنسان من المطالبة بأصله وهويته بسبب نقص في الإجراءات أو قصور في الأوراق الثبوتية او ان تكون حاجزا او عقبه امامه لاستحصال ابسط الحقوق


وعليه..
إن العدالة لا تقاس بصرامة النصوص الإجرائية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان حين يكون في أضعف حالاته.

ومجهول النسب أو منازع النسب لا يلجأ إلى القضاء لأنه يملك هوية مكتملة، بل لأنه يبحث عنها.

فإذا أغلق القضاء بابه أمامه بحجة أنه لم يثبت بعد ما جاء لإثباته، فإننا نكون أمام مفارقة قانونية خطيرة تجعل الطريق إلى الحق مشروطاً بامتلاك الحق مسبقاً.



#محمود_نجم_الدين_المعمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام تحت مجهر الفلسفة السياسية
- الهوية الوطنية بين الدين والعقل: نحو تأسيس أخلاقي جامع
- نداء لارجاني بين المذهب والدين
- اقتصاد في الجوهر ايدلوجيا في الغلاف
- هل من الممكن ان تقلب الطاولة على امريكا نتيجة حربها على ايرا ...
- السلطة امام المراة
- دعوى للجاهلية
- الانجاب ليس حقا للجميع
- حقوق الانسان العاري
- زينلسكي يدفع فاتورة خسارة ماكرون للنيجر
- اي انسان تريد ان تربيه الدولة


المزيد.....




- عمليات الترحيل الطوعي للمهاجرين من تونس تتسارع وسط ضغوط داخل ...
- جدلية السيادة وحقوق الإنسان: هل أصبح رفض التوطين في ليبيا ته ...
- 3 منظمات حقوقية تناشد الحوثيين في اليمن الإفراج عن موظفين أم ...
- بانتظار إشارة ترامب.. الجيش الأميركي يستعد لإعدام عسكريين
- منظمات حقوقية تطالب بوقف إزالة ترام الإسكندرية وضمان عملية ت ...
- موجة عنف ضد المهاجرين في جنوب أفريقيا
- بن غفير يتوعد بإعدام منفذ إطلاق النار وسط إسرائيل حال القبض ...
- هيئة الأسرى الفلسطينيين: 3 أسرى يعانون الإهمال الطبي المتعمد ...
- استشهاد صياد واعتقال 4 آخرين في اعتداءات لبحرية الاحتلال قبا ...
- الخارجية الفلسطينية تدين مجزرة الاحتلال بحق النازحين في غزة. ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمود نجم الدين المعمار - كريمة النسب بين الحق في الهوية والحق في التقاضي