أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود نجم الدين المعمار - الهوية الوطنية بين الدين والعقل: نحو تأسيس أخلاقي جامع














المزيد.....

الهوية الوطنية بين الدين والعقل: نحو تأسيس أخلاقي جامع


محمود نجم الدين المعمار

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 23:32
المحور: المجتمع المدني
    


تأتي هذه المقالة استجابة للدعوة الكريمة التي وجّهها أمين عام حزب تيار الخط الوطني السيد عزيزي الربيعي ، ضمن الندوة الحوارية الموسومة بـ"الهوية الوطنية ومتطلبات الدولة"، حيث طُرحت فيها إشكالات عميقة تمس جوهر العلاقة بين الدين والدولة، وبين الانتماء الطائفي والانتماء الوطني.

استهلّ النائب السابق جوزيف صليوة مداخلته بنقدٍ مباشرٍ للنص الدستوري الذي ينص على أن الإسلام دين الدولة، مؤكدًا أن الدولة، بوصفها إطارًا جامعًا، لا ينبغي أن يكون لها دين، لأنها تحتضن الأديان جميعًا. وانطلق من هذا التصور ليشير إلى اختلالٍ في التمثيل السياسي للمسيحيين، حيث تُفرغ "الكوتا" من مضمونها حين يُمنح حق التصويت لها لجميع العراقيين، الأمر الذي يجعل الممثلين المسيحيين، في نهاية المطاف، خاضعين لإرادة الأغلبية المسلمة. ومن هنا اقترح أن يُحصر التصويت في هذه المقاعد بأبناء المكوّن نفسه، ضمانًا لحضور إرادته المستقلة.

وفي سياقٍ موازٍ، قدّم الدكتور علي طاهر الحمود تصورًا لنموذج الدولة المؤسسية القائمة على الرؤية الاستراتيجية، محذرًا من خطر الريع النفطي بوصفه آلية لإعادة إنتاج السلطة عبر توزيع المناصب والمغانم. إذ تحوّلت العملية السياسية، بحسب وصفه، إلى منظومة لتقاسم الوظائف والأراضي والنفوذ، حتى تآكلت ما سمّاه بـ"صهاريج الهوية الوطنية"، في إشارة إلى انحلال الرابط الجامع تحت وطأة المصالح الضيقة.
وأمام هذه الإشكالات، حاولتُ لفت النظر إلى التجربة اليابانية بوصفها مثالًا كاشفًا عن العلاقة العميقة بين المعتقد والهوية. ففي إطار ديانة الشنتو، لا يُنظر إلى العالم بوصفه مادة صامتة، بل بوصفه كيانًا حيًا تسكنه أرواح "الكامي"؛ أرواح تمتد من الأسلاف إلى الشجر والحجر والبحر. ومن هذا التصور الكلي للعالم، نشأ شعور بأن الإنسان ليس مركز الكون، بل جزء من نسيج حيّ ينبغي الانسجام معه، وهو ما يفسّر احترام اليابانيين للطبيعة بوصفه التزامًا دينيًا لا مجرد سلوك أخلاقي.

ومن المصدر الاعتقادي ذاته، تتفرع الطاعة السياسية؛ إذ يرتبط الإمبراطور، في المخيال الياباني، بالإلهة أماتيراسو، بوصفه امتدادًا لها. وهنا لا تكون الطاعة مجرد انضباط مدني، بل استجابة لسلطة ذات أصل مقدس. لذلك فإن امتثال الفرد الياباني لأوامر الإمبراطور، واستعداده للتضحية القصوى كما في ظاهرة "الكاميكازي"، لا يمكن فهمه إلا ضمن هذا النسق الاعتقادي الذي يوحّد بين الإنسان والطبيعة والسلطة في إطار قدسي واحد.

إن هذه التجربة تكشف أن الهوية الوطنية لا تُبنى بقرارات سياسية مجردة، بل تتأسس في العمق على منظومة المعتقدات التي تحدد موقع الإنسان في العالم وعلاقته بالسلطة والمجتمع. وهنا يبرز جدل فكري بين من يرى، على نهج كارل ماركس، أن الاقتصاد هو الذي يُنتج هذه البنى، وبين من يرى، كما ذهب ماكس فيبر، أن القيم الدينية نفسها قادرة على تشكيل السلوك الاقتصادي والاجتماعي، كما في التجربة البروتستانتية.

وفي مجتمعاتنا، تصطدم فكرة الهوية الوطنية بالبنى الدينية الطائفية حين تُقرأ النصوص بوصفها حصرية وخلاصية، إذ تمتلك كل جماعة سرديتها الخاصة للنجاة، مما يجعل الاندماج في هوية جامعة أمرًا بالغ الصعوبة.

ومن هنا، فإن المخرج لا يكمن في إلغاء الدين، ولا في تركه على حاله، بل في إعادة توجيه العقل نحو مبدأ أعلى يتجاوز هذه الانقسامات، وهو مبدأ الواجب الأخلاقي. فهذا المبدأ، بوصفه قاعدة عقلية عامة، قادر على استيعاب جميع المعتقدات دون أن يلغيها، ويمنح الدولة أساسًا مدنيًا مشتركًا.

ولن يتحقق ذلك إلا إذا أُعيد توظيف الخطاب الديني نفسه ليكون حاملًا لهذا الواجب، لا عائقًا دونه. فالمؤسسة الدينية، إن اقتنعت بضرورة هذا التحول، يمكن أن تكون الأداة الأنجع في بناء هوية وطنية لا تقوم على الخوف أو الغلبة، بل على عقل أخلاقي مشترك يوحّد المختلفين دون أن يذيبهم.



#محمود_نجم_الدين_المعمار (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نداء لارجاني بين المذهب والدين
- اقتصاد في الجوهر ايدلوجيا في الغلاف
- هل من الممكن ان تقلب الطاولة على امريكا نتيجة حربها على ايرا ...
- السلطة امام المراة
- دعوى للجاهلية
- الانجاب ليس حقا للجميع
- حقوق الانسان العاري
- زينلسكي يدفع فاتورة خسارة ماكرون للنيجر
- اي انسان تريد ان تربيه الدولة


المزيد.....




- مسيرة في تونس مناهضة للعنصرية ضد المهاجرين
- الكويت.. اعتقال 24 ورصد 8 هاربين متورطين في مخطط -يمس بأمن ا ...
- تونسيون يتظاهرون للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين
- تصعيد إسرائيلي في الجنوب السوري: اعتقالات وتوغلات جديدة في ا ...
- إستخبارات حرس الثورة: اعتقال 123 شخصاً وتفكيك شبكة من المرتز ...
- توغلات إسرائيلية في ريفي درعا والقنيطرة واعتقالات بحق مدنيين ...
- السعودية.. الداخلية تعلن إعدام مواطن وكويتي -حدا- وتكشف عن ج ...
- قانون إعدام الأسرى: تحولات جذرية في مفهوم الانتظار ومعاناة ا ...
- قانون -إعدام الأسرى- يعيد تشكيل علاقة ذويهم بـ -مفهوم الانتظ ...
- أصوات من غزة.. قلق وخوف عائلات الأسرى من مصير مجهول


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمود نجم الدين المعمار - الهوية الوطنية بين الدين والعقل: نحو تأسيس أخلاقي جامع