أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل















المزيد.....

انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل


ياسين الحاج صالح

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 14:20
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


في التداول السوري والعربي لكلمة دكتاتورية شحنة قيمية سلبية حصراً، تعززها أجنبية الكلمة وانقطاع تداولنا لها عن اشتقاقها اللغوي كمفردة، كما عن تاريخها كمفهوم. شيء يشبه ذلك يخص كلمة ديمقراطية، وإن كانت الشحنة إيجابية هنا (ليس بين الإسلاميين، أو في أوساط تنويعة تحديثية معينة). وهو ما يصعب التحكم بتداول الكلمتين ووصلهما بتجاربنا وذاكرتنا التاريخية الحديثة.
في الأصل نشأت الدكتاتورية في روما في أواخر القرن السادس قبل الميلاد كتفويض مؤقت بسلطات استثنائية في مواجهة أزمة خطيرة، حرب أو تهديد حربي غالباً. وفي الزمن المعاصر اقترنت الدكتاتورية بحالة الطوارئ (او الاستثناء، أو الحصار) التي يفترض بالتعريف أن تكون مؤقتة، ينص على مدتها الجهة المرجعية التي قررت ضرورتها، مجلس الشيوخ في روما القديمة مثلاً (أو "مجلس قيادة الثورة" إثر الانقلاب البعثي الأول عام 1963). والأمر راهن في سورية اليوم بفعل حالة الاستثناء التي تعيشها إثر انطواء 54 عاماً من الحكم الأسدي وفوق ستين عاماً من الحكم البعثي. لكن الوضع يبدو أقرب إلى اللاقانونية العامة التي كانت سائدة في الحقبة الأسدية منه إلى تعليق القانون المعرِّف لحالة استثناء. وهذا رغم أن البلد في وضع انتقالي فعلاً، مضطرب ومتعثر، وهو ما يدعو بالضبط إلى دكتاتورية وطنية، تحل الميليشيات وتحتكر السلاح وتبسط الأمن وتقمع الدعوات الطائفية والنزعات الانفصالية، وتعلن حالة الاستثناء من أجل ذلك. الدكتاتورية بهذا المعنى هي سلطة انتقالية تعتمد سياسة القوة ضد أقوياء مهددين، وليس منها اعتقال معارضين سياسيين، أو قمع محتجين على قرارات عامة، أو كبت حرية التعبير، أو مراقبة الإعلام والثقافة، من مسالك ميزت الحقبة الأسدية. الدكتاتورية الانتقالية ليست اعتماد القوة ضد الضعفاء.
ولذلك فإن هذه الدكتاتورية ليست نقيض الديمقراطية بالضرورة، فالأولى سياسة قوة تعتمدها الدولة ضد الأقوياء، والثانية سياسة دولة لحماية وتعزيز دور الضعفاء في الحياة العامة. نقيضهما معاً هو حكم الميليشيات والعصابات، وكذلك الحكم المطلق، سواء برر نفسه بالدين أو بالعرق أو بالسلالة أو بالإيديولوجية.
وبهذه الدلالة، مشكلة سورية اليوم لا تتمثل في دكتاتورية أكثر بل في دكتاتورية أقل، وفي رؤية غائبة، لبناء الدولة (وبالتالي الأمة). مشكلة سورية تتمثل بالأحرى تتمثل في طائفية أكثر، في أنه تقوم في البلد سلطة طائفية تمييزية، لا ينضبط سلوكها بقواعد معلومة في التعامل مع ضعفاء عامين (محتجين سلميين، منظمات وجمعيات مستقلة، أصحاب رأي...)، لكنها متساهلة مع أقوياء من أهل ولائها المسلحين، فلا تقمع مخلين بالأمن من المعتدين على حياة الناس في حمص والساحل وخاطفي النساء، ولا تضبط المحرضين الطائفيين من "مؤثرين" مسعورين وجهلة في آن.
والمسألة بنيوية، فالشعور بالتخويل للتصرف بدون ضوابط واسع الانتشار ضمن جهور السلطة اليوم، ولا يعرف مثال واحد على محاسبة صارمة للمعتدين. بالعكس، إنكار خطف نساء علويات، والمهزلة التي شوهدت مؤخراً بخصوص بتول علوش، ترسل رسالة سماح إلى المنتهكين أو غض نظر في أقل الأحوال. تقنياً، ربما تكون بتول علوش "هاجرت" إلى الإسلام السني، لكن هذا وسط علاقة قوة لا تسهل الحركة في هذا الاتجاه دون غيره فقط، وإنما تتكتم كذلك على مسؤوليتها عن اضطرابات نفسية وعائلية تعيشها قطاعات من السوريين، علويين بصورة خاصة، بأثر محتمل لصدمات ورضوض لم تتوقف خلال ما يقترب من عام ونصف. تقنياً كذلك، تملك السلطة القدرات على قمع شراشيرها (المجموعات الطائفية التي تعتدي على خصوم السلطة، مثل الشبيحة أيام الحكم الأسدي)، لكن تكوينها لا يسمح بذلك، إذا يبدو أنه يفكر فيه كإضعاف ذاتي.
وفي تكوين المسيطرين الجدد هذا ما يحول دونهم ودون قبول كلمة الديمقراطية لأن فلسفتهم السياسية (كانت) تقوم بالأحرى على تصور دولة إسلامية تحتكم إلى الشريعة، وتستمد شرعيتها العليا من الحاكمية الإلهية، لا من حاكمية الشعب أو سيادته. أقول كانت ليس من باب القطع بأنهم لم يعودوا كذلك، ولكن لأنهم قبل غيرهم، كبارهم على الأقل، يعرفون أنه لا يمكن أن تقوم دولة ويستقر حكم على هذا الأساس اللاهوتي. فلا القوم قادرون اليوم على القول إنهم ليسوا حاكمين إلهيين ولا هم حاكميون شعبيون. الطائفية هي الحل.
الحكم الطائفي هو المشكلة الأخطر في سورية اليوم بالضبط لأنه الحل الفاسد لمشكلة حقيقية: التخلي عن الحاكمية الإلهية بثمن رفض الحاكمية الشعبية، الديمقراطية. حل فاسد كذلك لمشكلة هوية النظام: ليس وطنيا سورياً ولا سلفياً جهادياً، شيء ما بينهما: حكم سني طائفي. يمكن لهذه الطائفية أن تبرر نفسها باعتبارات ديمغرافية أو تاريخية، قديمة أو حديثة، لكنها في كل حال النقيض الجذري للوطنية التي لا تقوم إلا على المواطنة والمساواة في ملكية البلد من قبل قطاعات سكانه المختلفة.
هناك حل غير فاسد: دكتاتورية وطنية انتقالية، يمكن تعريفها بالضبط بسحق الطائفية والطائفيين، ومن الشراشير قبل الجميع، الشبيحة الجدد.
صحيح أنه لا الدكتاتورية المعادية للضعفاء، والتي لا تعرف حدوداً زمنية، ولا الطائفية التي تمحو الفرق بين الارتباط بأهل وبين الجريمة بحق أهل غيرهم، شيء جديد في سورية. جمع بينهما الحكم الأسدي وتسبب في حربين أهليتين، قبل أن يترك سورية مكسورة الظهر قد لا تستطيع الوقوف على قدميها يوماً. الأخطر في هذه التركة تطبيع الطائفية، واعتبار الانتقال من دكتاتورية طائفية إلى دكتاتورية طائفية هو التغير السياسي الوحيد الممكن. ظاهرتي الشبيحة والشراشير معاً وثيقتي الصلة بانمحاء أو تضبب الحدود بين الدولة وقطاع أهلي. الطائفية هي المفهوم الذي يمثل هذه الحدود الضائعة أو المشرشرة.
وبترسخها اليوم، يجنح الحكم الحالي لأن يكون استمراراً للحكم الأسدي لا قطيعة معه، وهو ما يضع الحرب الأهلية واحتمالات التقسيم أمامنا من جديد. ذلك أن الحكم الطائفي هو حرب أهلية بالقوة، تتحول إلى حرب أهلية بالفعل في ظروف مناسبة. وآخر ما تشكو سورية من قلته هو الراغبين بحرب أهلية فعلية، إن من بين السوريين أو من دول وتشكيلات ما دون دولة، من الجوار ومن غيره. فإن حدث ذلك، فمن غير المرجح أن تكون الخسائر البشرية والمادية مهولة فقط، وأن يكون الصراع إبادياً فقط، وإنما أن تشمل الإبادة سورية ذاتها. ليسوا قلة المتحمسين لذلك أيضاً.
ويبدو هذا مكتوباً في منطق الحتمية المتحكم في الذهنية الاجتماعية والسياسية السورية، المنطق الذي ينسب الناس لجماعاتهم، ويجعل سياسة اليوم تحقيقاً للهويات الموروثة من الأمس، ولا يفكر في هذه الهويات إلا كمعسكرات متنازعة، لا تنوي إلا شراً ببعضها، وإن تمسكنت إلى حين تتمكن. وليست الحتمية أصلاً غير استبطان منطق الهوية، أي التطابق التام مع النفس واللاتطابق أو التمايز الكلي مع الغير، وما يقتضيه ذلك من جهود تطهر وتمييز نشطة. الشعار الضمني لمنطق الهويات هذا هو "عدو جدك ما بيوِدَّك"، حيث يقع علينا أن نقتلهم لأنه إذا انقلبت الأمور سيقتلوننا. هكذا فكرت مراكز السلطة الفعلية في الحكم الأسدي، وهكذا يفكر فيما يبدو قطاع نافذ في الحكم الحالي، وكل شراشيره. وهو ما يبقى الصراعات المفترضة للأجداد مستقبل الأحفاد، وما يضمن مستقبل الدم وروابطه.
وهكذا يبقى الحكم "طبيعياً"، حكم شوكة وغلبة، ونسير بابتهاج نحو الهاوية. ومع الأناشيد والحداء كذلك.



#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
- جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
- حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
- بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
- سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
- سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
- أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
- في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
- في العنف وعوالمه
- حرب جديدة في الشرق الأوسط القديم
- حوار: الجسد الصغير والجسد الكبير
- يوميات مغربية
- في الفقر الثقافي والروحي في سورية اليوم
- لو كنت كردياً: في أخلاقيات التّمثُّل وسياسته
- في شأن الجماعات و-اللاجماعات- السورية اليوم
- الكيانيّات السورية: صراعاتها الوجودية ونزعاتها العدمية
- ما بعد روج- آفا: عن كرد الجزيرة السورية وعربها
- زمن الأقاصي: محاولة لتسمية الراهن وتمثيله
- فَقْرا السوريين الاقتصادي والسياسي والعلاقة بينهما
- قراءة في دفاتر ماجد كيالي الفلسطينية السورية


المزيد.....




- الأشهر الأخيرة لإبستين وكيف تمكنت أجهزة إنفاذ القانون من تضي ...
- الجيش الأمريكي يرد على مزاعم البحرية الإيرانية بمهاجمة سفنه ...
- اتفاق وقف النار يفاقم الانقسام في لبنان.. عون وسلام يحملان إ ...
- ألمانيا: موكب بحري في بحيرة بافارية يحيي تقليدا كنسيا عريقا ...
- -هذه ليست بلادكم-.. عون يتهم إيران باستخدام لبنان -ورقة مساو ...
- حزب الله يرفض وقف إطلاق النار وإسرائيل تواصل غاراتها على جنو ...
- الكادميوم.. كيف يسمم غذاءنا وأجسامنا وما علاقة المغرب بالجدل ...
- جدل كبير في فرنسا بعد اختفاء طفلة من أمام مدرستها والعثور عل ...
- ماذا يعيق المفاوضات الإيرانية الأمريكية؟
- صعود القومية في اليابان.. دعوات لإحياء -اليابان العظمى- ومطا ...


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - ياسين الحاج صالح - انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل