|
|
هل الحزبية عند العرب هَمٌ؟
توفيق أبو شومر
الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 22:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
سأظل أتذكر أول انتخابات جرت في غزة وأنا في الصف الأول الإعدادي عام 1962م، هذه الانتخابات عاصرتُ أحداثها متفرجا، فلم أكن قد بلغت سن الانتخاب القانوني، كنتُ معجبا بدعايات المرشحين المكتوبة على جدران منازلنا القرميدية، لأنها كانت تبشرنا بقرب العودة إلى مدننا وقرانا المسلوبة، ولا سيما فإن إعجابي كان كبيرا بدعاية أحد المرشحين، لأنه فصَّلَ لدعايته الانتخابية المكتوبة على الجدران قطعة حديدية مفرغة من الحروف العربية الجميلة مكتوب فيها: "ستعودون إلى قراكم ومدنكم، مرشحكم"، وكان يرش عليها الطلاء فتظهر الحروف جميلة بعد رفع اللوح الحديدي، كان يطبع دعايته على جدران المنازل والمحلات التجارية، وسأظل أذكر مرشحا ذا شنب برتقالي غزير كان جارا لنا بسيطا في معلوماته، كان يستمتع بلقب المختار، كان يبتسم لنا عندما نقابله، وكنا نبتسم له وهو يردد: "اطمئنوا قضية فلسطين أصبحت في أيدي أمينة" حفظنا هذه العبارة وحفظنا حركة إصبعيه وهو يبرم شنبه الغزير الأشقر وهو يردد العبارة السابقة، أصبحت هذه اللقطة تجري على ألسنتنا وتجعلنا نحرك أصابعنا على شفتنا العلوية التي لم تنبت عليها الشنبات، تقليدا لأبي سليمان طلبا للفكاهة والطرافة، فقد كنا نعرف أن هذه العبارة لم تكن من إبداعاته بل كان يحفظها ويرددها في كل مجالسه، كنا نعرف أنه لن يفوز! هذا التاريخ أعاد لي بعض المؤلفات التي رصدتْ تقدم الفلسطينيين السياسي والثقافي في العصر السالف، ليس لأنني أعشق القديم لأن فيه مخزنا لذكرياتي الطفولية الجميلة، ولكنني عشقت هذا الزمن، لما فيه من أحزابٍ صغيرة يقودها مدرسونا الأكْفاء، وما فيه من عبر تاريخية وثقافية، لا يشك أحد بأن لرؤساء الأحزاب طموحا شخصيا يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار، غير أن طغيان الشخصية الحزبية على العقيدة الوطنية المقدسة هو الكارثة التي لا يجب أن نغض الطرف عنها، لأن قضية فلسطين ليست قضية شخصية، بل هي قضية وطنية فلسطينية وعربية وعالمية مقدسة، لذا يجب أن نعيد النظر في كيفية تخفيف غلواء النظام الحزبي الفلسطيني بتقليل الطغيان الشخصي لرؤساء وقادة ومسؤولي الأحزاب في فلسطين، لتصبح الأحزاب والحركات والتنظيمات أحزابا وحركات وطنية خالصة، تتوافق مع قضيتنا الفلسطينية المقدسة! لم يكن تاريخنا الفلسطيني مقررا علينا في سنوات دراستنا في تلك الحقبة، لأن مقررات الجغرافيا والتاريخ والثقافة في مناهجنا كانت فقط هي تاريخ العرب والعالم! لأجل هذا التاريخ حاولتُ أن أجد بعض الكتابات عن تاريخنا السابق وكانت الكتب التاريخية عن فلسطين نادرة بسبب تهجيرنا! ونظرا لرغبتي في معرفة الحقائق التاريخية عن مأساة نكبتنا عثرت على كتابٍ جميل ألفه الآستاذ، محمد خالد الأزعر عام 1998م، اسم الكتاب (حكومة عموم فلسطين) قدَّم لهذا الكتاب الصحفي البارز، محمد حسنين هيكل، أثنى المفكر والصحفي محمد حسنين هيكل على الكتاب، قال في التقديم: "في كتاب، حكومة عموم فلسطين نحن أمام عملٍ شديد الأهمية، فكرة ورأيا وتوقيتا، لأن ملف حكومة عموم فلسطين نصف غائب وهامشي عند كثيرين، لكن الكتاب يستعيد هذه الحكومة من بعيد ويقدمها في إطار علمي معاصر، إن تجربة حكومة عموم فلسطين قد تبدو للناظر على عجل مشهدا من الماضي، ولكن ما هو كامنٌ فيها ماثل في الحاضر"! نعم كان الصحفي البارز، محمد حسنين هيكل يملك استشعارا عن بعد، لما ستؤول له الأحداث، وسوف أضع في هذه السطور بعض اللقطات التي تؤشر على أن الفلسطينيين ممن حاولوا تحويل النكبة عام 1948م كانوا واعين لحجم الكارثة، ظلوا يحاولون تحويل النكبة إلى دروع مقاومة حضارية يحتاجها المهجَّرون! مما جاء في الكتاب: "أصدرت حكومة عموم فلسطين بيانها الأول جاء فيه: قطاع غزة جزء لا يتجزأ من أرض فلسطين وشعبه جزء من الأمة العربية، يشكل الفلسطينيون في قطاع غزة اتحادًا وطنيًا يضم جميع الفلسطينيين أينما وُجدوا، وهدفه العمل المشترك لاسترداد أراضي فلسطين المغتصبة، والمشاركة في تحقيق نداء القومية العربية" اختارت حكومة عموم فلسطين، أحمد حلمي باشا رئيسا لحكومة عموم فلسطين، من عام 1948م إلى عام 1963م ثم عهدت حكومة عموم فلسطين بالمهمة إلى منظمة التحرير الفلسطينية عقب إعلان قيامها 1964م، حظيت حكومة العموم باعتراف أهم الدول العربية، مصر، وسوريا، والمملكة العربية السعودية، صاغت حكومة العموم مبادئها بسرعة البرق بعد النكبة بأشهر قليلة في شهر سبتمبر 1948م، كانت المبادئ كما يلي: "إقامة دولة عربية على كل فلسطين على أسس ديموقراطية، أقرتْ الهيئة إنشاء مجلس إدارة للهيئة العربية العليا مبني على احترام حقوق الأقليات، وضمان حرية العبادة، والوصول إلى الأماكن المقدسة، والالتزام بتطبيق الحريات والمساواة أمام القانون، وانتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور فلسطين"! أيضا لم أكن أعرف أن كل هذا الجهد كان بالتنسيق مع مصر، وأن جريدة، المصري نشرت تعليقا على تأسيس الهيئة العربية العليا يوم 23-9-1948م جاء فيه: "إن إعلان دولة فلسطين سيقوي قضية العرب في الأمم المتحدة ومجلس الأمن" ولم أكن أعلم أن، عباس محمود العقاد الكاتب الكبير، قد أشاد بتأسيس حكومة عموم فلسطين في كتابه، الصهيونية وقضية فلسطين! كذلك لم أكن أعرف أن أول اجتماعٍ للمجلس الوطني الفلسطيني عُقد في مدرسة الفلاح بقطاع غزة يوم 30-9-1948م، أي بعد أربعة أشهر من إعلان قيام إسرائيل، وقد دُعي للمؤتمر مائة وواحد وخمسون عضوا، تمكن من الوصول للمؤتمر في غزة من هذا العدد سبعة وتسعون عضوا فقط، وأن رئيس المؤتمر كان المناضل والباحث والأديب، خليل السكاكيني! أوردتُ التاريخ السابق شبه المجهول لأجيالنا الحديثة لأبثَّ الرغبة في إعادة قراءة هذا التاريخ، لنعرف أن فلسطين كانت منذ القدم رمزا للمقاومة بمعانيها المتعددة، فليس النضال هو فقط النضال العسكري كما رسخ في إذهان كثيرين من الفلسطينيين، بل هو نضال في كل قطاعات الحياة! أوردت التاريخ السابق تعليقا على الذين لا يزالون يعتقدون بأن النظام الحزبي الفلسطيني نظام مقدس، لا يأتيه الباطل من بين يديه، وأن ما يجري في الساحة الفلسطينية من شقاق وخلاف وكره بين الأحزاب الفلسطينية ناتج من نواتج ألفيتنا الراهنة، وأن أحزابنا الفلسطينية قبل تأسيس إسرائيل كانت نموذجا على النقاء والإخلاص، ولم تكن كحال أحزابنا في هذا الزمن! غير أنني وجدتُ أن عيوبنا الحزبية متأصلة في تراثنا القديم والجديد، وأن معظم أحزابنا تُصاب بالأمراض ثم تدخل العناية المركزة تمهيدا لاندثارها! تصديقا لهذه النظرية حاولت أن أعرف شيئا عن حالتنا الحزبية قبل تأسيس إسرائيل، سأظل مسكونا بكتابٍ قرأته للدكتور، أحمد أمين وهو يسرد فيه حياته الشخصية، ويصف رحلته بالقطار من القاهرة إلى القدس مرورا بقطاع غزة، ورأيه في زعماء الأحزاب الفلسطينيين وزعماء الطوائف الدينية ممن التقي بهم في ذلك التاريخ المتقدم، وصف زيارته للقدس والخليل وبيت لحم قبل تأسيس إسرائيل بثماني عشرة سنة في كتابه (حياتي) جاء في الكتاب السطور التالية: "وصلنا القدس في شهر ديسمبر 1930م استقبلنا بعض علمائها وأدبائها، وعلى رأسهم المرحوم، إسعاف بك النشاشيبي وقد بالغ في إكرامنا، والتقينا بالأستاذ السيد الحسيني مفتي فلسطين، كان منظره يوحي بقوة إرادة وتصميم وعزم ونفس لا تهدأ، وأنتهز الفرصة فأجتمع برؤساء بعض الأحزاب في فلسطين، فأستمع إلى أحاديثهم، وأعرف كيف (يتنازعون) على المصالح الشخصية لا على المبادئ العامة، فأرثي لحالهم وأتوقع من ذلك الشر لبلادهم! ونزور بيت لحم، ونرى كيف تتنازع الطوائف المسيحية المختلفة على الأمكنة الدينية، فأعجب بسماحة الإسلام واعتباره بأن الأرض كلها مصلى. (صفحة 170 من كتاب حياتي للأديب والمفكر، أحمد أمين) نعم كانت عبارة المفكر، أحمد أمين عن رؤساء الأحزاب الفلسطينيين عام 1930 صادقة، (يتنازعون على المصالح الشخصية، أتوقع الشر لبلادهم)! سأظل أتذكر حديثا مرويا عن رسول الله إكمالا لهذه المرض الحزبي، يقول الرسول الكريم: "كان النبيُ إذا (حَزَبَهُ) أمرٌ صَلَّى"! أستعيد هذا الحديث عندما تأتي سيرة أحزاب فلسطين! إن كلمة (حَزَبَه) في الحديث تعني أصابه همٌّ أو مرضٌ، فهل أصبحت أكثرُ أحزابنا همَّا ومرضا يجب أن نُصلي ونتمنى ونرجو وندعو أن يَشفَى الفلسطينيون منه؟! أما الحزب باللغة الإنجليزية في الدول المتقدمة فهو بارتي، (Party) كما ورد في قاموس، كمبردج الرقمي، إليكم معاني بارتي في هذا القاموس: "هو احتفالٌ اجتماعيٌ لمجموعة من الناس لبث الفرح والسرور في النفوس، حيث يتبادلون الكلمات ويتناولون الطعام والشراب، يغنون ويرقصون احتفالا بمناسبة سعيدة، مثل أعياد الميلاد أو الوداع أو اللقاء! ومن معاني بارتي أيضا: "كل تجمع للناس ممن يتقاسمون الأفكار الثقافية والسياسية، لغرض الفوز في الانتخابات"!
#توفيق_أبو_شومر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كيف تتقدم الأوطان؟
-
تهجيري من فلسطين!
-
النضال عند معلمي!
-
تقنيات السياسة في إسرائيل!
-
عائلاتهم وقبائلنا!
-
من أرشيفاتهم!
-
حروب الألفية حروب دينية!
-
محرضون عنصريون!
-
المعركة الأولى على الصين!
-
أغرب مهنة في غزة!
-
الجائزة الكبرى في عيد المرأة!
-
الحرب على إيران!
-
سفراء أمريكا مسيحانيون!
-
اليساريون في إسرائيل!
-
مصباح علاء الدين في جزيرة إبستين!
-
حصار الخليل ونابلس!
-
موقف إسرائيل من مجلس السلام!
-
فلسطين وإسرائيل في عام 2026م
-
هل تتحقق الديموقراطية بالقوة العسكرية؟
-
نزع سلاح حماس في صفقة القرن!
المزيد.....
-
لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
-
جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق
...
-
طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم
...
-
مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ إيرانية
...
-
ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات
...
-
لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
-
بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
-
ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي
...
-
تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
-
قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|