|
|
تهجيري من فلسطين!
توفيق أبو شومر
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 22:16
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
قالت والدتي: "كان عمرك تسعة شهور عندما انتزعتك بسرعة وأنا أسمع صوت زخات الرصاص بالقرب من بيتنا، وضعتك فوق كومة الفراش على ظهر حمار جدك، كان هذا الحمار هو وسيلة مواصلاتنا الوحيدة إلى حقولنا، كان حمار جدك ينقل منتجاتنا من الحبوب والثمار إلى سوق المجدل، ويافا، كنتَ يا ولدي تنظر إلى السماء لأن صوت الطائرة كان يستولي على آذاننا، كنا نظن أن الطائرة توشك أن تُسقِط قنبلة فوق رؤوسنا، كل سكان قريتنا يتحدثون عن مجزرة دير ياسين، لا حديث سوى أخبار المجزرة والقتل والتهجير، حملتك بسرعة لأبعدك عن صوت الرصاص وصوت الطائرة، لم أكن أعلم أن صوت الطائرة خارج الغرفة كان أعلى من صوتها في الغرفة، كان جدك مُصرَّا على البقاء في غرفته، حاول والدك أن يحمله بقوة، ولكن جدك أصر على البقاء في غرفته، كان جدك أول الشهداء في قريتنا" أعاد لي صوت أمي المسجل في شريط قديم ذكرى يوم النكبة 15-5-1948م، هذه الذكرى، لم تكن ذكرى أليمة فقط، بل كانت كارثة وطنية فلسطينية كبرى! عندما قرأتُ التاريخ وجدت أن هذا اليوم لم يكن يوما محسوبا بالساعات، بل كان يقع ضمن مؤامرة كبيرة على وطننا، اعتدنا في كل عام أن ننكأ الجراح، ونمارس طقوسنا في هذا اليوم، وأول الطقوس هو طقس التسميات، هل ما حدث في هذا التاريخ كان كارثة أم نكبة، أم هو كارثة ونكبة في الوقت نفسه؟ اعتدت في كل عام أن أبحث في صفحات الكتب عن تاريخنا الفلسطيني، وعن طريقة احتفال الصهاينة المحتلين بهذا اليوم، كيف يُحيون يوم 14-5-1948م بمسيرات واحتفالات وبث أشرطة رقمية، كيف يُعيدون صياغة هذا اليوم باعتباره يوم بطولة، نحن نحزن لهذه الكارثة الكبرى، للأسف، ستظل روايتنا عن التشريد والتهجير مكررة ومنقوصة، لأننا لم نُحسن تسخير الفنون بمختلف أقسامها وتعزيز الثقافة وبرامج التربية والتعليم لنقل حقيقة المأساة، بصورة تُرغِّب الأجيالَ في فهم حقيقة ما جرى! اقتبست من صحيفة، جورسلم بوست بعض الجمل من مقال، مارك ليفنسون يوم 11-5-2026م هذا الكاتب هو رئيس الحركة الصهيونية الأمريكية، كتب المقال بمناسبة ذكرى تأسيس إسرائيل، ودور أمريكا في هذا التأسيس، وهو يقارن بين تلك الذكرى، وبين ما يجري اليوم من أحداث بين إسرائيل وإيران، جاء في المقال: "تذكروا، أعلن، بن غريون في الساعة السادسة مساء يوم 14-5-1948م قيام دولة إسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة فقط، اعترف، هنري ترومان الرئيس الأمريكي بدولة إسرائيل، كان هو أول المعترفين بدولتنا، إن هذا الحدث يمثل الشراكة بين دولة أمريكا واليهود أصدق تمثيل، سيشارك في هذه السنة أكثر من مائة ألف من المحتفلين في مدينة نيويورك لتخليد هذه الذكرى بين الدولتين، لعبت أمريكا دورا محوريا في بناء إسرائيل، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، ففي مؤتمر، بالتيمور في نيويورك عام 1942م جرى إقرار تأسيس دولة يهودية في فلسطين في زمن الانتداب البريطاني، اعترف الرئيس ترومان بدولة إسرائيل بعد ست سنوات من مؤتمر بالتيمور"! لم أكن أعرف سرَّ اعتراف أمريكا السريع بإسرائيل، بعد إحدى عشرة دقيقة إلا بعد أن قرأت تاريخ الحدث، فقد كان، إدورد (إيدي) جاكوبسون المتوفى عام 1955م هو بطل هذا الاعتراف السريع، هذا الصهيوني الليتواني المولود لأبوين يهوديين، كان أقرب المقربين من الرئيس الأمريكي، هنري ترومان المسيحاني الصهيوني، كان صديقه الحميم في مرحلة الدراسة ومرحلة الشباب، حتى أن الاثنين افتتحا بالشراكة محلا لبيع الكرفتات والقبعات والأحزمة في مدينة كانساس سيتي، كما أن إيدي جاكوبسون كان تلميذا مُطيعا لفرانك غولدمان زعيم جمعية، بني بيرث اليهودية المؤثرة في السياسيين الأمريكيين! نقلت الروايات التاريخية أنَّ، إدورد جاكوبسون، كان أول من عَلِمَ بإعلان دولة إسرائيل، طلب منه، بن غريون رئيس وزراء إسرائيل أن يحصل على اعتراف سريع بدولة إسرائيل، فأسرع إلى الرئيس ترومان في المكتب البيضاوي بدون موعدٍ مسبق، وأقنعه بضرورة الاعتراف بدولة إسرائيل فورا، على الرغم من أن، جورج مارشال وزير خارجية أمريكا في ذلك الوقت كان يعارض إقامة دولة يهودية، رفض عدة مرات مقابلة، حايم وايزمن رئيس الجالية اليهودية، كان، جورج مارشال يسعى لتحقيق الاعتراف بحل الدولتين، أي قرار التقسيم، أي أنه كان أول الذين اعترفوا بحل الدولتين، إحداهما (عربية) والثانية يهودية! لاحظتُ أثناء متابعتي للتاريخ أن هناك إغفالا مقصودا في معظم الصفحات الرقمية لقرارات الكتاب الأبيض عام 1939م، مع العلم أن الكتاب الأبيض وثيقة سياسية أصدرتها الحكومة البريطانية، بقيادة، نيفيل تشامبرلين، بعد موافقة مجلس العموم البريطاني، بخاصة القرارات المتعلقة بهجرة اليهود إلى فلسطين، وكيف أن بريطانيا كانت تغض الطرف عن هجرة أعداد كبيرة من اليهود، مما أدى إلى ثورة الفلسطينيين ضد البريطانيين عام 1936م، ومن أبرز تلك القرارات الواردة في الكتاب الأبيض: "يسمح بالهجرة اليهودية لفلسطين إلى أن يصبح عدد اليهود ثلث السكان الفلسطينيين فقط، يسمح بإدخال 75 ألف يهودي على مدى خمس سنوات، ثم تتوقف بعدها الهجرة نهائياً ما لم يوافق عرب فلسطين على غير ذلك، إن حكومة جلالة الملك مصممة على منع الهجرة غير الشرعية، وسوف يخصم عدد كل مهاجر غير شرعي يتمكن من دخول البلاد، من الكوتا المقررة"! إن كثيرا من الصفحات الرقمية بها سُمٌّ كثير ودَسَمٌ قليل، بخاصة في سرد تاريخ النكبة الفلسطينية، إليكم بعض الاقتباسات من هذه الصفحات سأبدأ أولا بموسوعة الويكيبيديا المشهورة لأنها هي الأكثر طلبا وشهرة، جاء فيها: "عقب انتهاء الانتداب البريطاني لفلسطين (نشبتْ الحرب) على أرض فلسطين، بين كل من المملكة الأردنية، والمملكة المصرية، والعراق، وسوريا، ولبنان، والمملكة العربية السعودية ضد الميليشيات الصهيونية المسلحة، المكونة من البالماح وليحي وشتيرن والهاغاناه، أودت الحرب بحياة آلاف الجنود من الطرفين، انتهت بهزيمة العرب، فأطلقوا عليها اسم النكبة، سيطرت إسرائيل على المنطقة التي اقترحتها الأمم المتحدة للدولة اليهودية، بالإضافة إلى 60 % من مساحة الدولة العربية، وسيطرت على الضفة الغربية"! هكذا صورت الويكبيديا أن هناك طرفين للحرب، طرف مكون من ست دول عربية في مقابل ميليشيات إسرائيلية صغيرة، وأن الانتصار الأخير كان من نصيب الميليشيات، لم تذكر الموسوعة سبب نشوب هذه الحرب، كما أنها منحت إسرائيل مبررا شرعيا دوليا مقبولا للقارئين وهو: "استولت إسرائيل على المنطقة التي منحتها الأمم المتحدة لإسرائيل"! أما موسوعة، بريتانيكا الرقمية فقد وضعت التعريف التالي: "بدأت الحرب بين (العرب) واليهود يوم 15-5-1949م وانتهت 20-7-1949م، أسمت إسرائيل هذه الحرب، حرب الاستقلال، لأنها حررت البلاد وانتصرت على الأعداء، أما بالنسبة للعرب فهي نكبة، نظرا للتهجير الجماعي للفلسطينيين، تصاعدت الهجمات بسبب سعي العرب لتوسيع سيطرتهم على فلسطين، ومنع قيام دولة يهودية، على أرض (زعموا) ملكيتها"! دست هذه الموسوعة سطرا حين أشارت إلى أن سبب الحرب يعود لسعي العرب لمنع قيام الدولة اليهودية، بدون توضيح لأسباب هذه الحرب. أما صفحة البي بي سي العربية فقد كتبت النص التالي: "عمد المهاجرون اليهود لشراء مساحات كبيرة من الأراضي من صغار المزارعين ومن النخب العربية، ولكن تدريجيا تأججت المشاعر ضد هؤلاء اليهود المهاجرين المستوطنين في مزارعهم التي أصبحت ملكا لهم، قامت قوات عربية (بغزو) المنطقة مما أدي إلى طرد الفلاحين الفلسطينيين، خلال الشهور التي سبقت تأسيس إسرائيل، هاجمت ميليشيات (عربية) مستوطنات يهودية وقاموا بعزلها"! هكذا أصبحت القوات العربية التي دخلت فلسطين لحماية الفلسطينيين من المجازر، أصبحت عند البي بي سي قواتٍ (غازية)، كذلك فإن هذه الوكالة البريطانية عززت شائعة شراء اليهود لأراضي فلسطين بمساحات كبيرة! أما الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، فقد نشرت مدلولات اسم (النكبة) ولكنها ذكرت موضوعا هامشيا آخر وهو: " ولَّدت النكبةُ أدبا سياسيا، حاول منتجوه معرفة السبل الكفيلة (بتجاوزها)، برزت مقارنات نقدية رأت في النكبة نتيجة منطقية ومتوقعة للتخلف العربي"! حاولت فهم السطر الأول السابق، ولكنني لم أفهم مدلول ولادة الأدب السياسي، ولا كيفية محاولة رواد الأدب السياسي أن يتجاوزوا النكبة، هل حولوها إلى انتصار، أم أنهم تجاوزوا النكبة والانتصار معا؟! اعتدتُ أن أبحث في روايتنا عن هذه الكارثة، اقتبست من صفحة فلسطينية باسم، مؤسسة الدراسات الفلسطينية بعض الجمل، فوجدتها تختار للنكبة اسما جديد، هو مَظْلَمَة: "يحيي ملايين الفلسطينيين حول العالم ذكرى النكبة التي أسفرت عن تشريد 750 ألف فلسطيني من بيوتهم، لا تزال هذه الذكرى (مَظلمة فلسطينية)"!
#توفيق_أبو_شومر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
النضال عند معلمي!
-
تقنيات السياسة في إسرائيل!
-
عائلاتهم وقبائلنا!
-
من أرشيفاتهم!
-
حروب الألفية حروب دينية!
-
محرضون عنصريون!
-
المعركة الأولى على الصين!
-
أغرب مهنة في غزة!
-
الجائزة الكبرى في عيد المرأة!
-
الحرب على إيران!
-
سفراء أمريكا مسيحانيون!
-
اليساريون في إسرائيل!
-
مصباح علاء الدين في جزيرة إبستين!
-
حصار الخليل ونابلس!
-
موقف إسرائيل من مجلس السلام!
-
فلسطين وإسرائيل في عام 2026م
-
هل تتحقق الديموقراطية بالقوة العسكرية؟
-
نزع سلاح حماس في صفقة القرن!
-
اليوم العالمي للغة العربية!
-
قصة الثعلب والديك في فنزويلا!
المزيد.....
-
الإمارات: إدراج أفراد وكيانات -مرتبطة بحزب الله- في قائمة ال
...
-
-الأقوى في العالم-.. بوتين يشيد بتجربة إطلاق روسيا لصاروخ با
...
-
جدل بشأن -قاعدة إسرائيلية سرية- في العراق.. وبغداد تطلق عملي
...
-
السودان والشرق الأوسط ومالي... أبرز الملفات التي تناولها ماك
...
-
لا نصر ولا مخرج.. ترمب عالق في الفخ الإيراني
-
أكثر من مجرد مسابقة.. ما أسباب اهتمام إسرائيل الشديد بمسابقة
...
-
بدون الضغط على رابط أو رسالة.. كيف تراقبنا إسرائيل عبر شركات
...
-
أسلحة تُستنزَف وأسئلة عن الشفافية.. كلفة حرب إيران تقفز إلى
...
-
كازاخستان تطلق نظام قطار خفيف ذاتي القيادة بعد 10 سنوات من ا
...
-
وزير الخارجية السوري ليورونيوز: نعم لاتفاق أمني مع إسرائيل و
...
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|