أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد لفته محل - المركزية الغربية للمثلية الجنسية















المزيد.....



المركزية الغربية للمثلية الجنسية


محمد لفته محل

الحوار المتمدن-العدد: 8722 - 2026 / 5 / 31 - 14:46
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أُثيرت في السنوات الاخيرة (أول العقدين في القرن الواحد والعشرين) حقوقياً وإعلامياً قضية "حقوق المثليين" في الشرق الأوسط، ما بين رافض لها ومرحب بها، وساعد على نمو تلك الإثارة توافر شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، تساندها في تلك الإثارة وسائل اعلام فضائية أوربية ناطقة بالعربي. نسمع عبّر ما تبث من برامج موجهة بعناية مصطلحات على سبيل المثال لا الحصر "المثلية"، "الاقليات الجنسية"، "مجتمع الميم"، "الجندر"، "التوجه الجنسي"، "الهوية الجنسية"، "فوبيا المثلية" و"الجنسانية"(1)...الخ. وأصبحت هذه المصطلحات ذاتها جزء من المعركة، فالمناصرين للقضية يطلقون عليها مصطلح الــ"مثلية" والرافضين لها يطلقون عليها مصطلح الـ"شذوذ"، والأكثر من ذلك صار هناك من يؤيد المثلية يُصنف من خلالها كمنفتح أو حداثوي ومن يقف ضدها يُصنف كمتعصب أو متخلف في منظور المؤيدين لها، وبالمقابل نجد مصطلح المثلية دليل وصفها بالـلاأخلاقية والإنحلال والإباحية والتغريب عند المنأوئين لها، فلا نجد الحياد في الإستعمال السجالي لتلك المصطلحات. وتمحور النقاش حول ثنائيات من مبدأ مع أو ضد، مكتسب أو فطري، حرية شخصية أو حرام، غربي مقابل إسلامي، أو تراث مقابل إمبريالي. وطبعاً هذه الثنائيات الضدية تضيق الموضوع وتحجب المناقشة الدقيقة. من خلال ما تقدم سنطرح القضية بمجال أوسع من هذه الضدية. وسيقتصر النقاش حول الدعاوى الموجهة للشرق الأوسط لإباحة وتقنين العلاقات الجنسية بين الذكور (ولا يشمل الإناث). ولا علاقة للمقال بموضوع المثلية في الغرب أو في النقاش "العلمي" حولها.
هناك نظرتان عامة في دراسة المثلية الجنسية يطلق عليهما دونان وماغوان هما: المنظور الأممي (أو العالمي) والمنظور النسبي الثقافي (دونان، ماغوان،2017: 482) ويسميهما خالد الرويهب: النظرة الجوهرية التي ترى أن المثلية تؤلف حقيقة واضحة ذاتياً عن العالم البشري، تتجاوب معها الثقافات المختلفة بدرجات معينة من التسامح أو القمع. وخلافاً لهذه النظرة الجوهرية، شدد عدد من الانثربولوجيين وعلماء الاجتماع والمؤرخين على الطبيعة المبنية أو المشروطة تاريخياً لتصانيفنا وإبداعاتنا الجنسية الحديثة(الرويهب،2020: 45) وإعتمد هذا المقال في صياغته للطرح العلمي على النظرة البنائية بشكل مطلق.
قبل الدخول في صلب الموضوع لابد من الإشارة السريعة إلى بداياته، حيث أن التاريخ الحديث شهد فيه العلماء "إن كل ممارسة غير طبيعية يثبت تعاطيها من مجموعة غير قليلة من الناس، تدفع الباحثين إلى إخراجها من نطاق الإنحراف ووضعها ضمن نطاق التنوع)، وهذا ماهو واقع بالفعل في بعض المجتمعات، التي راحت تنظر إلى الانحراف الجنسي المثلي (وهو أوسع الانحرافات انتشاراً" بأنه تنوع في الممارسة الجنسية، وإذا ما استمر هذا النهج في تقرير الإنحراف على أساس إحصائي، فقد يأتي ذلك الوقت الذي ينعدم فيه مفهوم الانحراف(كمال،1985: 214)، إن واقع الحياة الجنسية كما تدلل الدراسات الإستبيانية، هنالك تنوعاً عظيماً في أساليب الممارسة الجنسية في حياة نسبة غير قليلة من الناس، وأن معظم هذا التنوع يحدث خارج نطاق العلاقات الزوجية، وهذا الإبتعاد ليس بالشيء الجديد في حياة الإنسان كما تدلل على ذلك مخلفات الماضي الكتابية والتصويرية، غير أن العصر الحاضر يمثل خروجاً صارخاً على النمط التقليدي في الممارسات الجنسية، وإلى الحد الذي أصبح من الصعب على الباحث ان يقرر فيما إذا كان أي أسلوب للممارسة هو الإسلوب الطبيعي في تنوعه أو إنه منحرف في طبيعته(كمال،1985: 221).
شهد خطاب المثلية الجنسية في أوروبا تاريخياً تحولات عدة بدءاً من القرنين الثاني عشر والخامس عشر، حيث كانت المثلية بوصفها خطاب أخلاقي ديني ومن ثم خطاب قانوني 1533- 1861، بعدها خطاب قانوني سيكولوجي 1870- 1918، من ثم كانت خطاب اكلينيكي – طبي 1991، وخطاب جنوسي احصائي 1947-1953، وخطاب سيكولوجي –طبي- مرضي 1952-1974، وبعدها خطاب سيكولوجي – طبي- تطبيعي 1974-1987، لتنتهي إلى خطاب الهوية الجنوسية منذ عام 2013 (حسين،2024: 53_76) وربما هذه التحولات غير قابلة للتوقف.
ظهرت في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية أواخر ستينيات القرن الماضي أجندة الحقوق الجنسية، وبدأت عولمة تلك الأجندة في الثمانينيات والتسعينيات، فأصبح الكلام عن الممارسات الجنسية في بقية أنحاء العالم بما في ذلك العالم العربي يُطرح على أجندة حقوق الإنسان العالمية، جنباً إلى جنب مع أفكار السلوك المتحضر وغير المتحضر(مسعد،2013: 65)، وأفردت الأممية المثلية في خطابها ودعواها مكانة خاصة للدول الإسلامية، وما انفك هذا الحس الإستشراقي المستعار من التصورات السائدة عن الثقافات العربية والإسلامية في الولايات المتحدة والبلاد الأوروبية يوّجه كل فروع مجتمع حقوق الإنسان(مسعد،2013: 223)، وهكذا فإن مهمة سياسات الحركة الدولية للمثلييّن والمثليّات ليست أقل من إعادة صياغة الحقيقة، وإعادة تشكيل الإنسان(مسعد،2013: 69).
أبرز ما نجده في الدعاوى الموجه للشرق الأوسط، هو أن المثلية موجودة في الشرق الأوسط في تاريخه وفي حاضره (واحيانا يستشهد بوجودها بين الحيوانات!)، وأنها مقموعة ومضطهدة، وانها يجب ان يٌعترف بها، ومنحها حقوقاً مثل أي فئة اجتماعية أخرى. وافضل وسيلة للتحقق من صحة هذه الدعاوى هو اختبار التعريفات على الواقع العربي وتحليل عناصرها الضمنية.
الملاحظ من الجانب العربي هو إستفراد الرد الإسلامي في التصدي لدعاوى المثلية، والذي ليس لديه سوى الرفض الأخلاقي والتحريم الديني، من دون تفكيك الخطاب المضاد له. حيث "تتفق كل من الأممية المثلية والإسلاميين على اعتبار أن الشذوذ أمر وثيق الصلة بالحضارة"(مسعد،2013: 272)، وتبنى الإسلاميون ذات المصطلحات والتصنيفات التي استخدمتها الاممية المثلية لنزع الأهلية عن المثلية، والتي تحاول الأممية إضفاء المشروعية عليها، وإستخدام الدولة كميدان تتحول فيها الممارسات الجنسية إلى هويات(مسعد،2013: 358)، ناهيك عن هذا النقد الإسلامي لا يمثل العرب العلمانيين أو من الاديان المختلفة، يرافقه قلة النقد العلماني العربي لدعوى المثلية، والمتأثر عموماً أما بالنقد الأوروبي أو النقد الاسلامي.
وقبل كل شيء لابد من تحديد مصطلح سوف استخدمه في تسمية الموضوع الذي اتناوله. قلت في المقدمة ان المصطلحات كانت ضمن الحرب السجالية بين الاسلاميين والمدنيين، فأي تسمية اختار لتكون خارج الصراع؟ هل اسميه مثلية ام شذوذ ام لواط؟. ان تسمية مثلية او شذوذ تبقينا في دائرة الخطاب الطبي النفسي، الذي يبقينا في نفس محور المؤيدين والمناوئين على حد سواء، فهي اما مرض نفسي او حالة نفسية سوية. علاوة ان هذا الطب (الطب النفسي) الذي نحتكم اليه هو منتج غربي بحت. ومنطقيا ان لوم المريض (على فرض انه مرض) على مرضه حالة غير مألوفة في عالم الامراض الطبيعية كحال اي مرض آخر. كذلك ان هذه التسمية تعني ان الموضوع لا ينتمي للخطاب الديني والأخلاقي، وهذا يجعل النقد يراوح مكانه. لكل هذا سأسمي الجنس بين الذكور هو -اللواط- في الشرق الاوسط وهي التسمية الشعبية والدينية المعاصرة التي تنتمي للمجال الديني والاخلاقي في الشرق الاوسط. لان اللواط ينتمي للخطاب الاخلاقي والديني في الشرق الاوسط وهذا مهم في فهم الموضوع. مع العلم ان تسمية مثلية سأبقى استعملها في الحديث عنها في المجتمعات الغربية حصرا، ومسمى لواط استعملها في الحديث عن مجتمعاتنا العربية.
اول إشكالية في هذه الدعاوى الموجهة للشرق الأوسط هو تعريف المثلية، حيث يعرفها قاموس الأنثربولوجيا: "ممارسة الجنس مع الجنس المماثل"(سليم، 1981: 457) بينما تعرفها موسوعة علم الإجتماع: "أولئك الذين يمارسون الجنس مع أشخاص من نفس نوعهم على أن ينجذبون إليهم"(مارشال، 2000، ج1: 563)، وتُعرفه الجمعية النفسية الأمريكية المثلية بالتوجه الجنسي: "نمط دائم من الإنجذابات العاطفية والرومانسية للرجال أو النساء أو كلا الجنسين."((2
ان هذه التعريفات تضمنت وجود التساوي القيمي في الادوار الجنسية، واشترطت وجود العاطفة والجاذبية بين المثليين. وهذا التساوي القيمي في الادوار الجنسية غير موجود في الشرق الاوسط، وليس شرطا وجود العاطفة اذ تكفي الرغبة وحدها لممارسة الجنس بين ذكرين في الشرق الاوسط، ويمكن ان يٌمارس اللواط الموجب للتفاخر بالفحولة او لأخذ الثأر او لغرض الابتزاز من شخص، وليس لعاطفة او جاذبية. وقد يمارس اللواط الموجب في فترة المراهقة فقط. وقد يمارس اللواط السلبي بدافع المال (البغاء الذكوري) وقد يمارس اللواط لضرورة ظرف مثل الفصل بين الجنسين (السجون، الجيش، المدارس غير المختلطة) وليس بدافع العاطفة او الجاذبية. او قد يمارس اللواط بوجود عاطفة من طرف واحد دون وجود ميل ثابت للذكور او رغبة محددة بشخص واحد، مع بقاء احتقار الائط للمليوط حتى لو احبه عاطفياً. وكثيرا ما نسمع اللائط الموجب يفخر بعدد الذكور الذي ضاجعهم في شبابه دون اي اهتمام عاطفي باي واحد منهم.
إن هذه الحالات التي ذكرت، لاتنطبق عليها التعريفات ولا يمكن أن يطلق عليها هذا المسمى، فليس كل من يقوم بفعل جنسي مع جنس مماثل له يمكن أن يعد مثلياً، إذ أن كثيرون ممن يمرون بخبرة كهذه يقلعون عنها(صادق،2019: 22)، لأن المثلية ليس معناها علاقة جنسية وعاطفية وجاذبية بين رجل ورجل آخر فقط، بل هي وفق السياق الغربي، تعني توافر سن البلوغ بين الطرفين، وجود العاطفة والجاذبية، اشتراط التراضي المتبادل، والمساواة في الرغبة والإشباع والدور الجنسي، وعدم وجود العنف والإيذاء، وحق الوجود والإعتراف الاجتماعي والطبي، وفردية الفعل الجنسي، والوعي بالتوجه الجنسي، وتقنين العلاقة قانونياً، هذه الشروط الضمنية يتم تجاهلها ويختزل المصطلح فيها بعلاقة جنسية أو عاطفية بين ذكرين، ولا أعتقد أن هذا القصور بالتعريف نتيجة خطأ فني، بل القصد منه جعل التعريف يتسع للعالمية، لعولمة القيم الضمنية للغرب، وهذا التعريف هو الذي قاد إلى اخطاء الاسقاط بالمقارنة في الإنتقال بالحجج من الحاضر إلى الماضي وفي جميع بقاع العالم كأنها نسخة كاربونية عن النسخة الأوربية ذات المحتوى الليبرالي، متجاهلين الإختلافات الإجتماعية والثقافية الهائلة بين هذه المجتمعات والمجتمع الأوروبي(مايسميه خالد الرويهب الاتجاه الجوهري)
كذلك ينبغي تفكيك مصطلح المثلية من عناصره الثلاثة، وهي الميل الجنسي، والهوية الجنسية، والحق القانوني. ان العلاقة بين الميل والهوية الجنسية صميمية بين الذكر والانثى بحكم اختلاف الجنسين, لكن هذه العلاقة تتعقد في المثلية الجنسية. لأن الميل المثلي الموجب (المولج) اذا كان حصراً يشتهي الذكور المتأنثين (الانوثة الجنوسية) فقط، فهذا ينفي الصفة المثلية عنه، لأنه سيكون تكرار لأي علاقة ذكر بأنثى. أما إذا كان المثلي الموجب يشتهي ذكور غير متأنثين فهذه مثلية نموذجية. ونفس الاشكال يعاد مع الميل المثلي السالب، إذا كان يشعر انه انثى (هويته الجنوسية) فإنه لم يعد يسمى مثلياً، لإن العلاقة مع أي ذكر ستكون تكراراً لعلاقة الذكر بالأنثى، وإذا كان المثلي السالب يشعر بأنه ذكر فهذه يمكن تسميتها فعلاً مثلية. فعلاقة الميل المثلي بالهوية لا تكون صحيحة الا مع هوية جنوسية ذكرية للطرفين، وهذا يعني أن العلاقة بين الميل المثلي والهوية الجنوسية علاقة مشروطة بالهوية الذكرية للطرفين وليست علاقة جوهرية.
اما علاقة الميل الجنسي بالقانون في الغرب فهي علاقة محددة تاريخياً بالميل بين الجنسين. فقد كان الزواج بين الرجل والمرأة هو الميل الوحيد المقنن رسمياً، لان الزواج هو العقد الاجتماعي الذي ينظم الاشباع الجنسي والتكاثر والانساب والمواريث الخاصة. وكانت اي ميول اخرى ممنوعة بل تصنف كأمراض (الميل للغلمان، للحيوانات، للجثث...الخ). فما الذي يجعل المثلية تحتاج إلى قوانين للزواج وحقوق خاصة؟ وهو لا يحقق شروط التكاثر والأنساب في الزواج بين الجنسين؟ ثم أليس غريباً أن يربط الميل المثلي الجنسي بحق الزواج في مجتمع يكثر فيه العزوف عن الزواج ويسمح بتكون علاقات وعائلات خارج إطار الزواج الرسمي؟. هل ارتباط الحق القانوني بالميل المثلي هو نتيجة ان المثلية انتقلت من الافراد المنعزلين الى جماعات ضغط مدنية تطالب بحقوق خاصة بها؟ ام انها (علاقة الميل المثلي بالقانون) وفق نظرية فوكو هو للسيطرة التنظيمية على هذه الجماعات التي باتت واقعا يضغط في المجتمعات الاوروبية وفق اي حركة مدنية منضوية داخل القانون العام؟ إذ لم تقتصر المثلية في المجتمعات الغربية على تمظهراتها الفردية بوصفها سلوكاً جنسياً خاصاً بالأفراد أو بعض المجتمعات، بل تموضعت ايضاً في مبحث معرفي (حسين،2024: 53) وبكلمات فوكو نشهد تحوّل المثليّ إلى نوع مستقل بذاته من الكائنات (مسعد، 2013: 513)
إن إثبات علم النفس أن المثلية حالة سوية(3)، لا يعني تشريع قانون للزواج للمثليين. لأنها قضيتان منفصلتان. وليس من إختصاص علم النفس إنتاج تشريعات. ولا يمكن القول ان العلاقة بين الحقوق الجنسية واللذة الجنسية هي علاقة مباشرة وواضحة (دونان،ماغوان،2017: 56)، ان علم النفس لا يدين نفسيا تعدد الزوجات او الخيانة الزوجية مع ذلك لا توجد تشريعات قانونية تبيح تعدد الزوجات او الخيانة الزوجية في الغرب. كذلك ان الطب يحذر من مخاطر التدخين والكحول مع ذلك لا توجد تشريعات قانونية تحضر شرب الكحول او التدخين في الغرب. "أن الحق يصدر عن الهيئة الإجتماعية والقواعد الحقوقية تعبير عن الطريقة التي ترى هذه الهيئة أن تقوم عليها العلاقات الاجتماعية"(برول،1989: 55)، و "إن واضع القانون الحقيقي ليس المشرع منظوراً اليه فردياً بقدر ماهو الجماعة التي ينطق بلسانها"(برول،1989: 97) "وبما أن الحق هو التعبير عن إرادات الهيئة الإجتماعية فإن كل ما يؤثر في المجتمع له ردة فعل على حقوقه"(برول،1989: 108) "وهناك إنسجام ضروري بين الأحداث الحقوقية والأحداث الثقافية" و"أن الثقافة تؤثر في الحقوق."(برول،1989: 112،113) وعليه فالعلاقة بين القانون والميل المثلي علاقة مشروطة في السياق الغربي بتنامي جماعات ضغط احتاجت للسيطرة والتنظيم المؤسسي وليست مشروطة بعلم النفس.
والسؤال هل لدى المثليين وعي بميولهم في كل انحاء العالم حتى يشكلوا جماعات ومن ثم المطالبة بحقوقهم؟ وهل هم بعد ذلك متجانسون بالخطاب والتصورات والحقوق بحيث يمكن ان نطلق عليهم "مجتمع الميم"؟ لماذا تنفرد القيادات الأوروبية والامريكية البيضاء في قيادتهم حصراً؟ وقد سلمت الأممية المثلية على "شيوع" الممارسات الجنسية المثلية، مع إعترافها بندرة وجود السياسات المثلية أو تبني الهويات الجنسية المثلية(مسعد،2013: 240)، "والواقع أنه حتى عندما ارتحل تصنيف الجنسانية مع الاستعمار الأوروبي إلى مواقع غير أوروبية، فإن عملية تبنيه المؤسسي، ناهيك عن الثقافي في السياقات التي حدث فيها هذا التبني، لم تكن لا متطابقة ولا حتى بالضرورة متناظرة مع كيفية مأسسته في اوروبا و اورو- اميركا." "لم يكن المثليون والمثليات موجودين دائماً. وإنما هم، بخلاف ذلك، مٌنتج تاريخي، فقد ظهروا للوجود في حقبة تاريخية معّينة...مرتبطة بالعلاقات الراسمالية"(مسعد،2018: 266)
"لقد عرفت كل المجتمعات رجالاً يمارسون الجنس مع رجال، ولكن اتخإذ هذا السلوك كأساس لهوية اجتماعية... يعد ظاهرة غربية وحديثة" (مارشال، 2000، ج1: 563) "إن سلوكيات وممارسات ظاهرة الجنسانية المثليّة لم تصل عبر تاريخها البشريّ الطويل إلى حدود العتبة الضروريّة لتحولها إلى خطاب متكامل إلاَّ في آخر عقدين من القرن العشرين حصراً"(حسين،2024: 52) ويصرح هالبرين أن الجنسانية المثلية هي تصور حديث بشكل مميز، ربما ليس للجنسانية المثلية تاريخ بحد ذاتها خارج الغرب أو قبل وقت طويل في بداية قرننا، فالمصطلح قد لايكون مناسباً لفهم كيف فهمت مجتمعات الماضي العلاقات الايروتيكية من شخصين من نفس الجنس. والجنسانية بحاجة أن تفُهم أولاً وقبل كل شيء في سياقها التاريخي المحدد (بريستو،2019: 11) "إن الثقافة موضوع البحث قد لا تشاطرنا رؤيتنا للمثلية الجنسية وفهمنا لها، وتبعاً لذلك قد لاترى هذه الثقافة أي وجه ارتباط بين المثلية كما نفهمها، وبين ظاهرات محددة نميل إلى ربطها بها"(الرويهب،2020: 52)
يقول فوكو: تاريخيا هناك إجراءان كبيران لإنتاج حقيقة الجنس. هما فن الشبق وعلم الجنس. من جهة، المجتمعات التي خصت نفسها ب"فن شبقي"، وهي كثيرة: الصين، اليابان، الهنود، الرومان، والمجتمعات العربية –الاسلامية. في الفن الشبقي، تستخرج الحقيقة من اللذة بنفسها، المٌنالة كممارسة والمحصَّلة كتجربة. بالمقابل، "علم الجنس" في الحضارة الغربية. التي طورت خلال قرون من أجل قول حقيقة الجنس إجراءات تٌنَظّم أساسياً في شكل من أشكال السلطة – المعرفة، وهذا الشكل هو الاعتراف.(فوكو،1990: 71، 72)
وعلينا أيضاً تفكيك مصطلح "فوبيا المثلية" الذي يطلق على الخصوم، وهذا الوصف يدخل في مجال العقائد السياسية (اشتهرت بها الشيوعية عندما تصف خصومها بالمرضى) وليست من العلم مطلقاً، والغريب أن مصطلح فوبيا مصطلح نفسي تم تطبيقه على الجموع، و"المفهوم مايزال محدوداً، حيث أنه يركز على الخصائص السيكولوجية، ويميل إلى إهمال المصدر البنائي الأوسع لتابو المثلية"(مارشال، 2000، ج2: 672).
تميز الانسان بالانتقال من حالة الطبيعة الى الثقافة كما بينت ذلك البحوث والدراسات الانثروبولوجية، يتشكل لدينا تساؤل لما يستشهد المثليون بالحيوانات كمعيار لطبيعية السلوك البشري! وهل "مثلية الحيوانات" تتضمن حقوق وواجبات ووعي بالميول؟ عندئذ نحاول أن نسقط رؤيتنا البشرية وخطابنا التصنيفي للعالم من حولنا، على بنية التصنيفات الوظيفية لبقية أصناف الحيوانات الأخرى(حسين،2024: 109، 110).

أنثروبولوجيا الجنس بين الذكور:
"على الرغم من تمثيل الجنس دافعاً بيولوجياً في جوهره إلا إنه يندر أن يجربه الناس بالطريقة ذاتها في أنحاء العالم المختلفة، إذ أن طرائق ممارسته والشعور به تختلف اختلافاً كبيراً، وذلك تبعاً للسياقات الاجتماعية والثقافية التي يقع فيها"(دونان،ماغوان،2017: 23)، و "حتى التجارب الجنسية المفردة تتأثر بطيف واسع من المواقف والرؤى والمنظورات التي تسهم الجوانب الإجتماعية والسياسية والعرقية والقومية والقانونية في بلورتها وتجسيدها وتقييدها على نحو ذاتي بيَن(دونان،ماغوان،2017: 32)، "في المجتمعات البشرية كافة، تنشأ معايير لقبول بعض الممارسات الجنسية أو النهي عنها وإدانتها... بيد أن هذه المعايير تتنوّع وتختلف بإختلاف الثقافات، ومسألة الجنسية المثلية مثال واضح على ذلك، وتتسامح بعض الثقافات الغربية أو تتساهل في النظر إلى هذه المسألة في سياقات محددة، وتعتبر الدراسة التي قام بها كليلاند فورد وفرانك بيش عام 1950 البحث الأكثر شمولاً، عندما أجريا مُسوحاً أنثروبولوجية تحليلية لأكثر من مئتي مجتمع، وأظهرت الدراسة أن هناك ثمة تباين وتنوّع بارزين في ما يعتبر كلاً من هذه المجتمعات سلوكاً جنسياً طبيعياً أو سوياً(غدنز، 2005: 210، 211)
"تنتشر المثلية بين بعض المجتمعات التي تقوم على التنظيم العسكري، أو على طبقات العمر، أن لها علاقة بالشامانية والسحر، وتقف الشعوب البدائية منها مواقف تتراوح بين القبول، والتسامح والاستنكار والعقاب. كما تزاول بعض الشعوب هذه الممارسة، في فترات معينة، أو تمارسها فئة بعينها فحسب"(سليم، 1981: 457)، وهي "ظاهرة موجودة على مستوى العالم، لكنها تخضع لتنوعات هائلة في مدى حدوثها، أو في الطريقة التي ينظُر من خلالها المجتمع والثقافة إلى الممارسات أو العلاقات الجنسية المثلية"، وركزت الدراسات الانثروبولوجية بشكل خاص على الجنسية المثلية التي تتخذ الطابع الطقوسي (طقوس التأهيل) في بعض المجتمعات. مع ذلك يجب أن التفريق بين الممارسات الخاصة بالجنسية المثلية ذات الطابع الطقوسي، وتلك التي تتسم بأفعال ذات طابع خاص و(شإذ) وبين الممارسات الجنسية المثلية التي تظهر بشكل طبيعي داخل أُطر لا تتضمن طقاس خاص بها (سميث، 2009: 259).
تفيد الدراسات الانثروبولوجية ان 49 من 76 مجتمعاً بدائياً تمت دراسته، إن 64 منها تنظر إلى الممارسة الجنسية المثلية بوصفها امراً طبيعياً ومقبولاً اجتماعياً، (والمجتمعات البالغة 36% لا تجيز تلك الممارسة) وبعض هذه المجتمعات تبيح العلاقة، وبعضها يبيح فقط الاتصال اليدوي والفموي، وفي بعض هذه المجتمعات نظمت العلاقة على نحو رتيب(كمال،1985: 243).
"إن ماترمي إليه أنثربولوجيا الجنس هو مناقشة الدور الذي يضطلع به الإختلاف الثقافي في إنتاج التجارب المتنوعة والفئات التصنيفية الجنسية، لا الإكتفاء بالنظر إلى الجنس بوصفه نتاجاً لعلاقات الجنوسة..." (دونان،ماغوان،2017: 36) وبينما تميز الانثروبولوجون بصراحة في حديثهم عن الكثير من الموضوعات أمثال الحقوق الجنسية، تلاحظ ندرة الحديث عن صفة "الأنثروبولوجي" وتلاشي حضور الآراء الأنثروبولوجية في دهاليز سياسات الموضوع الجنسي وتداخلها مع أصوات الناشطين والعاملين في منظمات حقوق الانسان والباحثين الآخرين"، "وقد جرى التأكيد على أجندات محددة أمثال؛ سياسات الجنس العالمية والجنس بوصفه مواطنة أو قومية على حساب التحليل الانثروبولوجي لإظهارات الجنس الثقافية" (دونان،ماغوان،2017: 89، 90).
"الدراسات المثلية، الإناثية والذكورية، في الانثروبولوجيا قد بلغت منعطفاً تخطى الباحثون مهام البحث عن الحقائق قائمة وتصنيفات ودراسات ارتباطية إلى صياغة أسئلة عن التغير التاريخي والعلاقات المادية وكيف يدرك السكان الأصليون سلوكياتهم التي صورها المراقبون الأكاديميون الغربيون باعتبارها مثلية جنسية...(مسعد،2018: 280)
"يفترض نموذج التأثير الثقافي كمنهج أن الأفعال الجنسية تحمل دلالة ثابته وكونية في ما يتعلق بالهوية وبالمعنى الذاتوي. وتنظر الأدبيات باعتياد إلى الاتصال الجنسي مع الجنس المغاير على أنه "غيرية جنسية" وإلى اتصال نفس الجنس بأنه "مثلية جنسية". كما لو أن مايتم رصده هو الظاهرة نفسها في كل المجتمعات التي تمارس فيها هذه الأفعال. وعندما نعيد النظر في هذه التصريحات، نرى كيف أن هذه الافتراضات ذات مركزية عرقية مثيرة للاهتمام، ذلك أن المعاني التي أضيفت على هذه السلوكيات الجنسية هي المعاني التي أضافها أولئك المراقبون ومجتمع القرن العشرين الصناعي والمركب." "باختصار فإن نموذج منهج التأثير الثقافي يعترِف بالتنوع في أنماط الممارسات الجنسية وبالمواقف الثقافية التي تشجع او تقيد هذه الممارسات، ولكنه لايعترف بتنوع معاني هذه الممارسات بحد ذاتها. وعلاوة على ذلك، يتقبل الأنثربولوجيون العاملون في هذا التأطير بدون مساءلة وجود تصنيفات كونية كالغيرية والمثلية الجنسية، وجنسانية الذكر وجنسانية الأنثى، والدافع الجنسي.(مسعد،2018: 280)
ان "الالتزام البحثي والنشاطوي بالأصرار، المتسم بالمركزية الأوروبية والامبريالية، على جعل هذه التصنيفات، ذات الخصوصية الثقافية والتاريخية، كونية، وعلى دمج العالم في المعيارية الاوروبية والاورو-اميركية على أنها المسار الوحيد للحداثة المتحضرة بالتسامح والاعتراف "الغربي" بها."(مسعد،2018: 263)

الكتابات الجنسية عند العرب:
ان الحياة الجنسية عند العرب القدماء، نادراً ما ظهرت بشكل مستقل، بل كانت ترد في ثنايا نقاشات أكثر عمومية في الأدب والتراث (مسعد،2013: 86)، إن "الثقافة العربية الإسلامية عشية عصر الحداثة كانت تفتقر إلى مفهوم المثلية الجنسية، وإن كتابات تلك الفترة لا تتخذ موقفاً موحداً تجاه مختلف أوجه ما ننزع لتسميته بالمثلية الجنسية"(مسعد،2013: 103)، المثقفون الذين كتبوا عن ذلك من مختلف المدارس الفكرية، ومن شتى ارجاء العالم العربي وجدوا أن الوثائق القروسطية مفيدة للعديد من المشروعات السياسية والثقافية المختلفة التي يمكن لهم من خلالها طرح نقاشهم عن الجنس والشهوة. "ويستمد جانب كبير من التحليل المستخدم في هذا السجال معرفته من الافكار الأوروبية السائدة أواخر القرن التاسع عشر عن الحضارة والثقافة، وما أعقبها من مفاهيم كالتقدم والتأخر، والتطور، والإنحلال، والإنحطاط، والنهضة، والإرتقاء، والإنحدار، وكذلك الإحصائية للسوّية والشذوذ."(مسعد،2013: 87).
يرى الكتاب المعاصرين أن كلمة لواط، تنصرف دلالتها وفق المعايير العربية إلى الفعل الجنسي الشإذ بحد ذاته الذي قد يكون عابراً، لكنها لا تدل على الشذوذ بما يمثله من علاقات مثلية أو نمط حياة وفق المنظومة الغربية، وتأسيساً فإن اللفظة الـ(لوطي) لا تترادف مع ما تدل عليه كلمة الــ(GAY) الانجليزية.(هوبود،2009: 230، 231).
تناول التاريخ العربي الإسلامي اللواط في إتجاه "لم يكن حب الغلمان في المجتمعات العربية أمراً مستقبحاً ولم يكن محبو الغلمان عرضه إلى القمع الاخلاقي والسياسي، كما كان بعض الخلفاء كالأمويين والكثير من أصحاب السلطة في دولة بني العباس عُرفوا بهذا الميل وجاهروا به"، و"الغزل بالمذكر باب هام من أبواب الشعر والغناء ولا نجد من شنع على المتغزل بالغلمان"(السحيري،2008: 148)، و "في الأخبار المأثورة بين المسلمين أن هذا اللواط أتى من المشرق مع جيوش العباسيين الذين جاؤوا من خرسان"(السحيري 2008: 147)، التفسيرات الاخرى تربط حب الغلمان بكثرة الجواري أو بعلامات إنهيار الحضارة الإسلامية كسبب أو نتيجة لها، و"في المقابل نلاحظ أن المخنثين من الرجال تعرضوا إلى الكثير من حملات القمع وإهدار الدماء وتعرضوا للأخصاء"، لأن "هناك تفوق واضح للميول المثلية النشيطة على الجنسية المثلية السلبية الشديدة الإستنكار بسبب التحقير المحيط بكل تأنيث مذكر"، ذلك " لإنه مسموح للذكر أن يقيم علاقة جنسية ذكورية مع الآخر دون عار كبير يلحقه، وما يعلل بهذا الاختلاف هو في التعامل وأن العلاقة بين الرجل والغلام يكون فيها الرجل فاعلاً فلا يُخِلًّ ذلك بالفعل الذكوري المتمثل في الوطء والنفاذ، أما المخنث فهو يخل بهذا الفعل لذلك وجب إخصاؤه"(السحيري،2008: 149).
"إن التمايزات التي لا يكشف عنها مفهوم المثلية الجنسية هي تمايزات مهمة للغاية من وجهة نظر الثقافة السائدة في الحقبة الزمنية... فالتمايز بين الشريك الفاعل والشريك المفعول به في العلاقة الجنسية المثلية مثلاً، هو أحد أنواع التمايزات التي لم تكن تقيّم أو ينظر إليها من الناحية المفهوماتية بالطريقة ذاتها في العادة"، وثمة تمايز آخر بين العشق والشهوة الجنسية، وإدراك هذا النوع من التمايز مهم للغاية للمدافعين عن جواز عشق الغلمان دينياً(الرويهب،2020: 49).
"إن ماكان الفقهاء يدينونه بشدة لم يكن المثلية وإنما اللواط، أي ممارسة الجنس في الدبر بين الرجال، وتبعاً لذلك فإن كتابة قصيدة حب عن غلام، لاتندرج بسهولة تحت مفهوم اللواط الفقهي (الرويهب،2020: 48).
تغاضى المؤرخون والذي يبدو كنهج طبيعي عن التمييز القائم بين اللواط بالغلمان وبين التعبير عن شدة الحب والولع بالغلام، وأن يتحدثوا عن الفعلين كليهما بوصفهما مظاهر للمثلية، الا أن التعامل مع المثلية على هذا النحو لايفيد سوى في إظهار ماتنطوي عليه هذه المفردة عن مغالطة تاريخية (الرويهب،2020: 60)، وليس مستغرباً خلو اللغة العادية من مفهوم متطابق يصدق على الأفراد الذين يفضلون إداء الفاعل مقابل الذين يفضلون اداء المفعول به في العلاقة الجنسية المثلية، ويلحظ إستخدام لفظ لوطي بنحو إنموذجي لوصف الفاعل مقابل المأبون أو المخنث لوصف المنفعل، وهذه المسألة مهمة لأن بعض الباحثين الغربيين اسقط هذا الجانب من الاعتبار وترجم الكلمة المحلية لوطي إلى مثلي جنسي (الرويهب،2020: 73)، وخلافاً لمؤيدي المقاربة الجوهرية أكد كتاب آخرون الذين تبنو مقاربة بنائية عامة لدراسة موضوع المثلية في التاريخ العربي الاسلامي... أكدو غياب مفهوم المثلية الجنسية الحديث عن الثقافة الاسلامية ماقبل الحديثة... التي كانت تميل إلى تصنيف الناس وتقييمهم على وفق فاعلين أو مفعول بهم لا على وفق توجهاتهم الجنسية (الرويهب،2020: 52)، إن المأبون أو الخنوثة لم تكن يوماً جزءاً من صورة اللوطي (الرويهب،2020: 86) وصورته في أدبيات المجون مماثلة لصورة القحاب (الرويهب،2020: 89).
يبدو واضحاً أن العلاقة الجنسية الفعلية بين الرجال البالغين كانت تعد نوعاً من الشذوذ أو الخروج عن العرف العام يرتبط بالعنف واما بالمرض، وكانت النظرة العامة إلى العلاقة الجنسية المثلية في الشرق العثماني المبكر غالباً نظرة علاقة يشترك فيها رجل بالغ وغلام أو صبي مراهق(الرويهب،2020: 97)، ويستعمل الشعراء في اكثر الحالات النوع الذكر في حديثهم عن المحبوب، إذ تبيح اللغة العربية التقليدية استعمال الصيغة المذكرة للاشارة إلى الأنثى وهذا ماقاد بعض الباحثين إلى استنتاج ان هذا الحب هو متخالف جنسيا(الرويهب،2020: 179) وبحسب بعضهم أن مسألة تحديد جنس المحبوب، لم تكن من المسائل الملحة في تلك الحقبة (1500- 1800) ولم يكن ثمة محبوب حقيقي في الكثير من الحالات، وكان الشعراء يوظفون السمات والخصائص الجسمية ذاتها بوصفها خصائص جذابة في حديثهم عن الشباب من الرجال والنساء على حد سواء(الرويهب،2020: 194)، فالتفضيلات الجنسية والجمالية ليست الشيء ذاته كالتوجه الجنسي(الرويهب،2020: 207).
ومن الواضح أن هذه العلاقة التاريخية لا ينطبق عليها مسمى المثلية، إذ نجد إنعدام التساوي بين اللائط والمليوط حسب المفهوم الأوربي يساوي بين الإثنين في الحقوق والتسمية، لإن هذه العلاقة كانت تعيد إنتاج الهيمنة الذكورية على الأنثى، ولم تكن في هذه العلاقة فكرة الزواج أو تكوين أسرة أو تبادل ادوار أو نشوء مواريث أو انساب أو حقوق ...الخ(من هنا يحدث الاختلال في المقارنة)، كذلك ان الكتابات العربية التي تحدثت عن اللواط كانت من وجهة نظر اللائط بينما كان المليوط موضوع صامت لايتكلم بذاته، وهناك شبه غياب تام لقصائد كتبها مليوطون، ولا نجد ذكر المليوط الا في العقوبات الدينية والتشهير الاجتماعي بسمعته.
وعن اللواط في المجتمع العربي المعاصر فأنقل مقابلة الصحفي براين مع اللوطيين في كتابه "الحب الممنوع" يقول: "إن الكثير من العرب، والأرجح أكثريتهم، المشاركين في علاقات مثلية لايعتبرون أنفسهم بالضرورة مثليين"(ويتاكر، 2007: 13) ويجمع العرب بأفراد عائلاتهم حسّ عال جداً بالواجب، والمثليون والمثليات مستعدون في كثير من الأحوال تقديم ولائهم العائلي على جنسانيتهم(ويتاكر، 2007: 33)، و"يوافق بعض المسلمين الذين يصفون أنفسهم بالمثليين أنه لا يسعهم البته التعبير عن مشاعرهم جنسياً من دون ارتكاب إثم"(ويتاكر،2007: 195) و"غالبية المبحوثين أكدوا في حالة لو توفرت لهم الإمكانية لربط علاقة زواج مع شخص مثلي من جنسهم فستكون بالطريقة الإسلامية..."(مزيوقا،2017: 123) وهذه الشهادات تكشف حالة التناشز المعرفي ما بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، ويضيف براين "اهتم المجتمع العربي تقليدياً بالأفعال والأدوار الجنسية أكثر من اهتمامه بالهويات الجنسية"، و"على عكس الغرب، ثمة غياب لافت لأي مفهوم يعتبر أن العلاقات بين الجنس الواحد قد تصل إلى ماهو أبعد من الإشباع الجنسي أي إلى نمط حياة مثلي أو إلى علاقات محبّة وإهتمام." (ويتاكر،2007: 255، 256) وللأسف ان المؤلف يعتبر الغرب مقياس للشرق والعالم للسلوك السوي، دون أي إهتمام بالتنوع الثقافي.
عندما نتكلم عن اللوطية في المجتمع العربي المعاصر فأننا نتحدث عن عالمين منفصلين بين اللائط الفاعل وبين المليوط المنفعل لا يجمعهما سوى الايلاج، ولذلك سأتحدث عنهما بصورة مستقلة عن الأخر ضمن المجتمع العربي المعاصر.
هناك تساهل إجتماعي عام إتجاه اللواط الإيجابي، فهو دليل فحولة أحياناً، ويمكن أن يمارسه أي إنسان عربي في ظرف ما (سجن، مراهقة، جيش، مدرسة) لفترة ما، لكن ماهو غريب هو عندما تصبح الممارسة دائمة وحصرية بالذكور دون النساء، لإن أي إمتناع جنسي عن الانثى، يُفسر بضعف القدرة الجنسية للرجل العربي. وعموماً كل رجل عربي له القدرة على اللواط الإيجابي فيزيولوجياً أو رغبة، لكن التحريم وعدم الرغبة هي التي تمنع الشيوع. ولا يعتبر اللائط مريضاً أو شإذاً، بل سلوك طيش، أو نزوة أو نشاط جنسي زائد، وإرتكاب محرم مثل أي محرم قابل للغفران. والشائع أن اللائط يتنقل بين المليوطين ليفاخر بنشاطه الجنسي، مع فصل هذه العلاقات السرية تماماً عن العلاقة الزوجية. ونسمع قصص عن ضرب اللائط للمليوط وإهانته لأن الأخير يحُب ذلك. وينظر للجنس الإيجابي رمزياً على أنه سيطرة وإذلال او أخذ ثأر. وهناك في الثقافة الجنسية الفرعية صنف من الذكور يتكلم عن متعة جماع الشرج مع المرأة، يمنعها غالبا تحريم اسلامي لجماع الدبر، وكلام شعبي عن خطر انحراف المراة بهذا الجماع، وما يزيد من صعوبة اشباع هذه الرغبة هو ارتباط هذا الجماع بالزنى والدعارة عند الزوج والزوجة، من هنا فان ميل بعض الشرقيين الى جماع الصبيان ربما متأتي من الرغبة المحرمة في جماع الزوجة من الدبر.
أما المليوط فهو عالم معكوس، أدنى من اللائط في السمعة والدور الجنسي، وفعله ليس مجرد ذنب فردي أنما ذنب عظيم وعار ووصمة لاتلحق به وحده، انما تلحق بأسرته وأهله (ابويه واخوانه وأطفاله). وتستثني المحاكم المليوط من العفو العام. والمليوط عموماً هو فقط من يقرن بالمثلية أكثر من اللائط في الوعي الشعبي. وهو محط سخرية وإحتقار وتحرش وفضيحة ووصم، تتناقل اخباره حتى لو تخلى عن سلوكه لاحقاً. وكل الشتائم تنحت حوله أو يشبّه بالأشياء المجوفه أو المثقوبة أو بأعضاء الأنثى التناسلية.
عموماً يرتبط الميل الجنسي (الإنجذاب والإشتهاء الجنسي بالجنس المماثل أو كلاهما) أياً كان موضوعه في الشرق الأوسط بالدور الجنسي (المولِج أو المولَج فيه) الموجب الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقيم الاجتماعية عن الذكورة والانوثة، فالدور الجنسي الموجب ليس الإعتلاء والإيلاج فقط، إنما يعني الفحولة والقوة والسيطرة والابتزاز، بينما الدور الجنسي السالب يرتبط بالتخنث والإذلال والخضوع والعار. وتستخدم الأدوار الجنسية كعقوبات سواء بالسجون (معاقبة بعض المعتقلين باللواط بهم فعلياً أو رمزياً مثل الجلوس على إشياء مدببة) أو السنن العشائرية (سابقا كانت معاقبة اللائط المعتدي باللواط به فعلياً أو رمزياً مثل إلباس الجاني زي العروسة)، يعني أن هذا السلوك المثلي المرتبط بعلم النفس في الغرب ليس هو كذلك في الشرق الأوسط، حيث لا علم النفس ولا الحقوق هي من تحدد علاقة اللائط بالمليوط إنما القيم الإجتماعية عن الهيمنة الذكورية على الأنثى. فنرى تسامحاً إجتماعياً مع اللواط الموجب المعلن، ورفضاً ونبذا للواط السالب المتخفي، والرفض القوي للمثلية السالبة متأتي من الإخلال بالقيم الذكورية، حينما يتخلى الذكور عن أدوارهم الجنسية الموجبة وتقنين هذا الإخلال الذكوري رسمياً.
لايعتبر الجنس عند العرب مسألة شخصية لان الجسد يخضع لضوابط الحرام والحلال والصح والخطأ، والمباح والمحظور والأخلاق عموماً.
إن التوصيف الدقيق للواط في التاريخ العربي والمعاصر (الذي يسمى خطأ مثلية) هو حالة من الوجود غير الرسمي للواط محصور غالبا في مرحلة عمرية في الصبا او الشباب. وهذا شكلها الشرقي العربي. حالها كحال الغش في البيع او البغاء او تعاطي الكحول وغيرها من المحرمات التي يقبل المجتمع بوجودها في الظل مع عدم الإعتراف الرسمي والإجتماعي بها.
أن الفرق الأساس بين المجتمع العربي والمجتمع الأوربي/الامريكي هو علاقة الفرد بالجماعة، حيث أن الفرد في المجتمع العربي يذوب في الجماعة الدموية (عائلة، فخذ، عشيرة، قبيلة) وهذا الذوبان يسحب الشخصي والخاص ضمن الجماعة المنضوي تحتها، بحيث يصبحون مثل الجسد الواحد، فما يصيب الفرد يصيبها والعكس كذلك، من هنا فأن العار الذي يوصم به المليوط ينسحب على الجماعة كلها عبر الزمن وحتى الأحفاد احياناً. فالفرد ليس حراً بجسده مثل الفرد الأوربي المتحرر من الجماعة الدموية والمرتبط بالجماعات المدنية أو السياسية ارتباط يحفظ له حرية الإستقلال، ذلك أن الجسد منتج ثقافي من حيث الأزياء والاداء كما يقول علماء الإنسان، هذه الفروق الأساسية تجعل إستحالة تطبيق النموذج الغربي للمثلية في المجتمع العربي، لإن اللوطي سوف يجد نفسه معزولاً يخوض حرباً ليس مع المجتمع وحده وإنما مع أسرته وعائلته وعشيرته.

نقد جوزيف مسعد للمثلية:
ينقل جوزيف مسعد راي ميرسر "إن التشكل الأوروبي للجنسانية تواكب تاريخياً مع بداية حقبة الإمبريالية."(مسعد،2013: 27) ويضيف مسعد "إن مسألة الشهوة تقبع داخل منهج تطوري زمني غايته النهائية الاندماج في أوروبا"(مسعد،2013: 39)، "إن التعريف الجديد المعولم للذات الإنسانية الذي يبشرون به في بقية ارجاء العالم لايتمثل في إدراج المثليين جنسياً، وإنما في الترسيخ لتلك الثنائية: غيري/مثلي لتسهيل جدولة البيانات في قواعد صناعة حقوق الإنسان(مسعد،2013: 71)، "يحأول التكتيك الإحصائي إعادة إنتاج الخطاب الجنساني المثلي بوصفه حقيقة مجتمعية وديمغرافية، مفروغاً من إصالة وجودها على أرض الواقع اليومي والمعاش، لا للشعوب الغربية فحسب، بل ولجميع الشعوب الأخرى ايضاً في المستقبل، وفي الوقت الذي تحأول فيه السلطة طرح خطاب إحصائي مخادع، يزعم أنه مرآة للواقع الديمغرافي للجنسانية المثلية، يتحول نفس هذا الخطاب الإحصائي إلى مجرَّد أداة، إلى جانب الأدوات المعرفية والتنظيمية الأخرى، التي توظفها تلك السلطة في سبيل المضي قدماً في ممارسة استراتيجيتها التطبيعية، التي تعيد إنتاج خطاب الجنسانية المثلية..."(حسين،2024: 154).
لقد أكد بلاكوود وأخرون ان الذين حرصوا على تجنب الخطاب العالمي في دراستهم للذاتيات المثلية في آسيا على عدم وجود دليل على ثقافة مثلية وسحاقية جوهرية وغير متمايزة، وتحدث أخرون عن غياب القواعد الواضحة عالمياً التي يمكن إعتمادها لتفسير المجتمعات المحلية المثلية والسحاقية حول العالم(دونان، ماغوان، 2017: 452). "إن الذوات في كثير من السياقات غير الغربية لاتقوم على إدراج الغيرية وإستبعاد المثلية، حيث لاتشكل تلك الثنائية أصلا جزءاً من بنيتها الأنطولوجية، فإن النتيجة التي نجنيها من التحريض والتدخل الذي تقوم به الحركة الدولية لحقوق الإنسان هو استنساخ نفس "الذات الأوروبية الأمريكية التي يعارضها أنصارها في أوطانهم"(مسعد،2013: 71)، "إن تصنيفي المثليين والمثليات ليسا عالميين على الإطلاق، ولا يمكن أن يصبحا كذلك إلا من خلال ممارسة عنف معرفي وأخلاقي وسياسي على بقية شعوب العالم؛ عنف يسمح به ويسهله تدخُّل أنصار الحركة الدولية لحقوق الإنسان أنفسهم، الذين يهدفون للدفاع عن أشخاص هم نتاج تدخُّل هذه الحركة أصلا"(مسعد،2013: 71)، أن هوايات غير الاوروبيين وممارساتهم وشهواتهم المختلفة لاتعتبر تنوعات في/أو هويات وممارسات وشهوات الأوروبيين والأورو-أميركيين، وإنما انحرافات تحيد عنها، وهو ما يجب تصويبه.(مسعد،2018: 304)
والواقع أنه لايوجد أي تحرير في إدراج الذات الإنسانية الغربية للمثليين والمثليات، عندما يتم ذلك عن طريق الإدراج القسري في هذه الذوات لغير الأوروبيين الذين لايعتبرون أنفسهم مثليين ولا مثليات، فيما يُستبعدون، هم أنفسهم باعتبارهم "غير صالحين" لتعريف ذواتهم أو الدفاع عنها"، (مسعد،2013: 73)، إن الانثروبولوجيا الغربية التي لاتشكك في إدراكها للآخر، غير قادرة على رؤية الآخر إلا كإسقاط لكل ما ليست عليه...وهكذا يبقى الغرب الأسطوري، كمرجع المبدأ المنظم لمثل هذه النقاشات جميعاً، وذلك لتقديم الموقف العربي أو الإسلامي الصحيح والحقيقي من الجنسانية بين الذكر والذكر (مسعد،2013: 237). "ان المواطنة الجنسية قد طٌرحت في إطار الليبرالية السياسية من أجل أن تُنتج ذاتاً مخوًلة لأن تكون لها حقوق جنسية وكيف أن هذا ينتج عن مفهوم استشراقي للمواطنة. إنه في ظل هذا الفهم لكوننة ودمقرطة الجنسانية حيث لاتحدّد مُسبقاً فحسب الطرق التي ينبغي أن تتم عبرها تأدية الشذوذية كي يمكن قراءة الشذوذيين، بل تشرقن من يرفض أداء شذوذية هذه المعايير.(مسعد،2018: 325)
"كان الخطاب الإسلاموي قد رسخَ وتكرس بحلول منتصف الثمانينات باعتباره الخطاب السائد عبر العالم العربي، وسوف تُستخدم بديهياته وأخلاقياته من قِبل المؤيدين والمعارضين على حد سواء"، وقد "تعلم الإسلاميون جيداً الحجج التي يقدمها الأصوليون المسيحيون الغربيون وأطروها ضمن الرؤية الإسلاموية للعلم(مسعد،2013: 294)، و"لم يكن توسّع الخطاب حول الشذوذ ظاهرة مستقلة بذاتها، وإنما ظهر كردً على المساعي التوسعية للأممية المثلية وجماعات حقوق الإنسان الغربية التي تبنت اجندتها"(مسعد،2013: 334)، لكنها "أبرمت تحالفاً غير مقصود مع الأممية المثلية التوسعية، في تعريفها للأشخاص الذين يمارسون أشكالاً معينة من الجنس. حيث اتفقت كل من المثلية والإسلاميين على ضرورة التعريف بأولئك الممارسين، أما ما اختلفا بشأنه فكان حول ما إذا كان يجب التعريف بهم ومنحهم الحقوق وإسباغ الحماية عليهم من قِبل الدولة، كما تطالب الاممية المثلية، أم إذا كان يجب التعريف بهم وقمعهم وإخضاعهم لعقاب الدولة، كما يطالب الإسلاميون"(مسعد،2013: 357).
"ان الطبقات [العربية] التي تمارس المثلية الغربية هم أقلية، والواقع أن تلك الأقلية، شأنها في ذلك شأن أعضاء الأممية المثلية، هي واحدة من الأقطاب الرئيسة لحملة التحريض على خطاب المثلية في البلدان العربية، بينما لم يكن الوصال الجنسي المثلي بين الرجال في العصر الحديث موضوعاً للخطاب الحكومي أو الصحفي في العالم العربي خلال القرنين الماضيين، فإن حملة الأممية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي لتعميم نفسها على نطاق عالمي قد حرضت على هذا النوع من الخطاب" (مسعد،2013: 241،242)، "فلم يكن أمام هذا الخطاب سوى أن يرد على مزاعم عالمية بأحد ردين: إما أن يدعمها أو يعارضها، وليس له أن يسأل عن الأسس المعرفية التي تتكئ عليها، وهذا مايرسخ الأجندة العالمية للأممية المثلية ويدعمها، ويدفعها قدماً، وهكذا فأن معركة الأممية المثلية ليست معركة معرفية وأنما صراع سياسي محض، يقسم العالم فيها بين أولئك الذين يدعمون "حقوق المثليين" وأولئك الذين يعارضونها، وقد أفادت الأممية المثلية كثيراً من التحريض على الخطاب، إذ نجحت في إجتذاب إهتمام الإسلاميين والقوميين، واثارة ردود أفعالهم المعادية للمثلية الجنسية، وليس من المصادفة أن تلجأ الأممية إلى ذات المنظمات والممارسات والخطاب التي تدعم المصالح الإمبريالية والأمريكية(مسعد،2013: 244،243)، والحقيقة أن "معظم البلدان العربية والمسلمة التي لاتتوافر على قوانين ضد الوصال الجنسي بين الرجال تستجيب للتحريض على الخطاب الذي تقوم به الأممية المثلية بأن تعلن عداءها للمثلية الجنسية على أساس وطني"، في حين تحرض الأممية المثلية على الخطاب زاعمة التحرر الجنسي فأنها تدمر الأشكال الإجتماعية والجنسية للشهوة لمصلحة إعادة إنتاج عالم على صورتها الخاصة، عالم تأمن فيه تصنيفاتها وشهواتها الجنسية من المساءلة(مسعد،2013: 265،264).
"على مدى استعراضنا التاريخي، أنه ليس هناك ذات اسمها "لوطي" تصبو للتعبير عن نفسها، ولا صوتا لوطيا "جرى قمعه" "أن ثمة خطأ انطولوجي ومنطقي... يتمثل في الخلط بين الذوات والممارسات أو في الربط بين الشهوات الجنسية والهويات"(مسعد،2013: 319)، علماً أن ما "يجلب الإضطهاد هو علنية الهويات الاجتماعية الجنسية، وليس الممارسات الجنسية ذاتها"(مسعد،2013: 274)، ولم يكن يُنظر لمن كتب قصائد تشبيب في الغلمان أو مارسوا اللواط باعتبارهم مثليين، ولا نفي عنهم إشتهاء النساء، بل لم يكن الإشتهاء الحصري موضوع الخطاب الرئيس(مسعد،2013: 58)، "إن مفهوم الغلمان لا يشمل العلاقة المثلية بين الراشدين فيما بينهم... لاينبغي أن ننسى هذه الأبعاد من المثلية كحركة اجتماعية حداثية"(الديالمي،2009: 95)، إن مفهوم المثلية مستورداً غربياً، بل جزء من مشروع إمبريالي، ذلك أن "الثقافة العربية التقليدية التي تؤيد الفصل بين الجنسين من المألوف إيجاد حميمية بين أفراد الجنس نفسه من دون الحاجة إلى تسمية هذه العلاقات علاقات مثلّية"(ويتاكر،2007: 251، 252)، ذلك "ان خطاب الأممية المثلية ذاته هو من ينتج المثليين...في أماكن لاوجود لهم فيها، ويكبت في الوقت ذاته الشهوات والممارسات الجنسية المثلية التي ترفض الإندماج في منظومتها المعرفية الجنسية"(مسعد،2013: 225)، إن الإستعمار فشل في فرض نظام الغيرية الجنسية على الرجال العرب رغم مساعيه في الطبقات العليا والوسطى التي تتبنى قيمه، ورغم تبني تلك الطبقات من المثليين فقد ظلوا أقلية يمارسونها دون أن يعرِّفوا أنفسهم كـــ"جايز" gays."(مسعد،2013: 240،239).
"لامعنى ولامبرر لتطبيق إستراتيجية التطبيع تلك مع كل تكتيكاتها على الواقع الحافظ للهويات الجنسانية النمطية في مجتمعاتنا، فالخطاب الجنساني المثلي الغربي الراهن، ينبثق من سياق تاريخي وإقتصادي ومعرفي آخر، يختلف أنطولوجياً عن سياقنا المجتمعي العام"(حسين،2024: 169)، و"لا يعترينا أي شك حول حقيقة وجود السلوكيات والممارسات المقترنة بالخطاب الجنساني المثلي في فضاء المجتمعات البشرية مهما اختلفت جغرافياً، مما جعل هذا الخطاب حقيقياً ومبرراً فقط على مستوى الحضور والإثبات، لا على مستوى الإباحة والإدانة أو التوطين والإقصاء، ويسجّل الخطاب الجنساني المثلي حضوره القيمي على مستوى التقاطعات التاريخية المختلفة للشبكة الخطابية، التي لاتستقر ستاتيكياً عند تشكيلة واحدة وثابته، بل تتشكل إحداثياتها القيمية والتبريرية ديناميكياً على إمتداد طيف عريض من التصنيفات القيميّة، إعتماداً على الأفق التاريخي والإبستيمي الذي يتموضع فيه ذلك السلوك المثلي"(حسين،2024: 173)، "إن لعبة الحقيقة والجنس هذه، الذي تركها لنا القرن التاسع عشر، والتي لاشيء يدل، حتى ولو كنا قد غيرناها، على أننا قد تحرننا منها... وهي مهمة لم تبدأ مع القرن التاسع عشر، حتى ولو كان مشروع "علم" هو الذي منحها يومئذ شكلاً فريداً، إنها قاعدة كل الخطابات الزائفة، الساذجة والماكرة، التي يبدو أن معرفة الجنس قد ظلت فيها طريقها لزمن طويل"(فوكو،2004: 48)، ذلك أن خطاب المثلية كما يرى فوكو لم يخرج عن خطاب السلطة الا بالمعاكسة التكتيكية(فوكو،2004: 48)، فالمثلية ليست ظاهرة عالمية إنما ظاهرة أوروبية حديثة تحاول التوسع وفق سياقات العولمة.
ويختم مسعد نقده: يستند تحليلي، الذي لاتستوعبه أغلب الادبيات، بل تتجاهلها، وتسئ فهمها.
1_ضرورة الفهم بأن الجنسانية هي تصنيف إبتسمولوجي وأنطولوجي له خصوصية تاريخية وثقافية وأنه ليس كونياً أو بالضرورة قابلاً للكوننة.
2_التاريخ الخاص للحركة المثلية في الولايات المتحدة باعتبارها جزءًا من التاريخ الاجتماعي والثقافي الأميركي وتصديرها لأوروبا وبقية العام باعتبارها تصنيف هوية ذات مركزية انكلو – اميركية يُصرُّ مناصِروها على كونيتها.
3_الالتزام البحثي والنشاطوي بالإصرار، المتّسم بالمركزية الأوروبية والامبريالية، على جعل هذه التصنيفات، ذات الخصوصية الثقافية والتاريخية، وعلى دمج العالم في المعيارية الأوروبية والأورو-أميركية على أنها المسار الوحيد للحداثة المتحضّرة الجديرة بالتسامح والاعتراف الغربي بها.(مسعد،2018: 263)

الخلاصة:
إن تقييم دعاوى المثلية معرفياً في الشرق الأوسط تشوبها اللاعلمية والتحيز والاحكام المسبقة (الليبرالية والاستشراق) وتجاهل الفروق الثقافية، والتصور المثالي للمثلية الذي ينطبق على كل الإزمنة والإمكنة، والعقائدية التي ترى المناوئين لها كمرضى نفسيين. وعند تحليل التعريفات الاصطلاحية تبين عدم انطباقها على الشرق الاوسط لعدم وجود المثلية الجنسية وفق السياق الغربي.
والنتيجة أن المثلية توجه ثقافي أوربي-أمريكي في إطار المجتمع الليبرالي، وهذا التوجه صحيح في إطاره الإجتماعي والثقافي، والتسمية سليمة أيضاً من داخل هذه المجتمعات، لكن الخطأ يحدث حينما تتحول هذه الممارسة الثقافية إلى مايشبه التبشير الغربي على العالم أجمع تحت مسمى العلم (علم نفس، حقوق)، وهي ليست من العلم وإنما نتاج المركزية الأوربية، وهذا المقال بالأساس هو دفاع عن التنوع الثقافي وداخله التنوع الجنسي ثقافياً، حيث أن هذه المركزية تريد تلغي التنوع بإسم العلم (العلم الزائف).
واختم الكلام لشتراوس الذي يكتب عن أهمية التنوع الثقافي عالمياً، فطالما أن الثقافات تعتبر نفسها ثقافات متنوعة، فهي إما تتجاهل بعضها أو تقيم حوار في ما بينها، "على أن الوضع يصبح مختلفاً تمام الاختلاف عندما تُلغى مقولة التنوع المعترف بها من كلا الفريقين ليحلّ محلّها شعور التفوّق المبني على اختلال ميزان القوى..."(شترأوس، 1983: 229، 230).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- تعُرف المنظمة العالمية للصحة الجنسانية بانها: "جانب مركزي في الكائن البشري يضم الخصائص البيولوجية المميزة بين الذكر والأنثى، الخصائص الإجتماعية المميزة بين الرجل والمراة، الهوية الجنسية، الهوية النوعية، التوجه الجنسي، الايروسية، الانجاب"، و"إن الجنسانية نتيجة تداخل بين البيولوجي والنفسي والسوسيو-اقتصادي والتاريخي والثقافي والأخلاقي والقانوني والديني"(الديالمي،2008: 13)، ويعرفها سكوت: "يشمل مصطلح الجنسانية كل الجوانب الحسية للحياة، بما فيها الرغبات والممارسات والعلاقات والهويات. وهكذا فإن الجنسانية عبارة عن مفهوم مراوغ"(سكوت،2009: 161).
2- American Psychological Association (APA) https://www.apa.org › topics › lgbtq 2008.
3- أخرجت جمعية علم النفس الامريكية المثلية الجنسية منذ 1973 من الإضطرابات العقلية، ودعت مؤخراً الممارسين النفسيين إلى عدم القيام بتقديم العلاج النفسي(أمين مزيوقا، 2017: 203)، مع الإشارة إلى وجود جمعيات نفسية تزعم أن لديها القدرة على معالجة المثليين مثل جمعية "نارث" للعلاج التحويلي التي تدعي أنها بدلت توجه مرضاهم الجنسي(ويتاكر، 2007: 185).
المصادر:
- أمين مزيوقا، سوسيولوجيا المثلية الجنسية، القاهرة، روافد للنشر والتوزيع، 2017.
- أنتوني غدنر، علم الاجتماع، ترجمة وتقديم: الدكتور فايز الصياغ، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية المنظمة العربية للترجمة، ط4، 2005.
- د. علي كمال، الجنس والنفس في الحياة الانسانية، لندن، دار واسط للدراسات والنشر، 1985.
- براين ويتاكر، الحب الممنوع: حياة المثليين والمثليات في الشرق الأوسط، ترجمة: ف. إبراهيم، بيروت، دار الساقي، 2007.
- جون سكوت، علم الاجتماع المفاهيم الاساسية، بيروت، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2009.
- جوزيف بريستو، الجنسانية، ترجمة: عدنان حسن، اللاذقية، دار الحوار، 2019.
- جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، المجلد الأول، ترجمة: محمد الجوهري وأخرون، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومي للترجمة، 2000.
- جوردن مارشال، موسوعة علم الاجتماع، المجلد الثاني، ترجمة: محمد الجوهري وأخرون، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومي للترجمة، 2000.
- جوزيف مسعد، اشتهاء العرب، ترجمة: إيهاب عبد الحميد، القاهرة،دار الشروق، 2013.
- جوزيف مسعد، الإسلام في الليبرالية، ترجمة: أبو العباس إبراهيم، جوزيف مسعد، جداول، الطبعة الأولى، 2018.
- خالد الرويهب، ماقبل المثلية الجنسية في العالم العربي: 1500- 1800، ترجمة وتقديم: د. هناء خليف غني، بيروت، المركز الاكاديمي للابحاث، 2020.
- صوفية السحيري بن حتيرة، الجسد والمجتمع: دراسة أنتروبولوجية لبعض الإعتقادات والتصورات حول الجسد، بيروت، مؤسسة الانتشار العربي، 2008.
- د. عبد الصمد الديالمي، سوسيولوجيا الجنسانية العربية، بيروت، دار الطليعة، 2009.
- هاستنغر دونان، فيونا ماغوان، انثروبولوجيا الجنس، ترجمة: د. هناء خليف غني، بيروت، المركز الاكاديمي للابحاث، 2017.
- كلود ليفي شترأوس، مقالات في الأناسة، ترجمة: د. حسن قبيسي، القاهرة، دار التنوير، 1983.
- شارلوت سيمور_سميث، مَوسوعة علم الإنسان: المفاهيم والمصطلحات الأنثربولوجية، إشراف: محمد الجوهري، القاهرة، المركز القومي للترجمة ،ط2، 2009.
- د. خالد شاكر حسين، الذكاء الاصطناعي وخطاب الجنسانية المثلية: تاريخية التواطؤ بين المعرفة والسلطة، بيروت، المركز الاكاديمي للابحاث، 2024.
- ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية1: إرادة العرفان، ترجمة: محمد هشام، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2004.
- هنري ليفي برول، سوسيولوجيا الحقوق، ترجمة: عيسى عصفور، بيروت، منشورات عويدات، 1989.
- واثق صادق، الحياة في الظل: مثليون عراقيون في دائرة الضوء، البصرة، دار المعقدين للنشر والتوزيع، 2019.



#محمد_لفته_محل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرواية الاميركية الاسرائيلية عن طوفان الاقصى
- محاكمة نورمبرغ بين الرواية الاميركية والوقائع المحجوبة
- تصورات اولية عن المنطق الامريكي السياسي
- مراجعة الرواية الطائفية بعد عام 2003*
- سن البلوغ في الشرق الاوسط
- نصوص من كتاب -سجل دائم-
- غياب الخصوصية في الانترنت
- مراجعة ثانية للحرب على غزة
- داء الوردية كيف تتعايش معه؟
- الحرب الامبريالية على ايران
- ملاحظات ميدانية لبيع الملابس النسائية في منطقة الشعب ببغداد
- مراجعة نقدية للحرب على غزة
- قراءة في كتاب -الوالي والولي-
- حرب غزة والعالم
- ماذا لو كنت رئيسا للعراق
- السفير الاخير للأغنية العراقية
- قراءة في كتاب -يقين بلا معبد-
- حرب غزة وتوازن الردع
- حرب غزة واعادة رسم عملية السلام
- ملاحظات على حرب غزة


المزيد.....




- سوريا.. قرار جديد بشأن فترة استبدال العملة القديمة
- مسؤولون: ترامب يرسل نص الاتفاق النووي لإيران بعد إدخال تعديل ...
- فرنسا تطلب جلسة طارئة لمجلس الأمن بشأن لبنان.. ونتنياهو يتحد ...
- بضع دقائق فقط من التمارين تحدث فارقاً لدى مرضى السكري
- أميركا سلمت النيجر معدات عسكرية بـ2.3 مليون دولار
- هيغسيث يضغط على الحلفاء لرفع الإنفاق العسكري في مواجهة صعود ...
- وفاة 3 متسلقين سقطوا من على جبل بولاية ألاسكا
- الجيش الأميركي يقتل 3 أشخاص باستهداف سفينة -مخدرات-
- طبيب الرئيس الأميركي: صحة ترمب ممتازة
- -أوكوس- يطور غواصات مسيرة للتسليم في 2027


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد لفته محل - المركزية الغربية للمثلية الجنسية