أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هدى عزالدين محمد - مقالات :عن العقل والقراءة وحق التفكير: من الحوار إلى الوعي النقدي














المزيد.....

مقالات :عن العقل والقراءة وحق التفكير: من الحوار إلى الوعي النقدي


هدى عزالدين محمد
شاعرة

(Huda Ezz El-din Muhammad)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 13:11
المحور: قضايا ثقافية
    


يدور هذا المقال حول نقاش ممتد بين فكرة “القراءة كخبرة معرفية” وفكرة “العقل كمرجع أول في الحكم على المعرفة”، وهو نقاش يكشف توترًا موجودًا في بعض السياقات الثقافية بين قيمة القراءة بوصفها تراكمًا معرفيًا، وبين قيمة التفكير بوصفه ممارسة مستقلة لإنتاج المعنى.
بدأت الفكرة من موقف اجتماعي يتكرر في بعض الأوساط الثقافية، حيث يُطرح سؤال:
"ماذا تقرأ؟".
"ولمن تقرأ؟".
قد يبدو هذا السؤال في ظاهره سؤالًا معرفيًا، لكنه أحيانًا يُستخدم بطريقة تتحول فيها القراءة إلى معيار غير مباشر لتقييم الأشخاص وأفكارهم، وكأن شرعية الرأي تتوقف على نوعية المراجع أو عددها.
في هذا السياق برزت فكرة الاعتراض على تحويل المعرفة إلى معيار تفاضل بين الناس، لأن المعرفة في جوهرها ليست قائمة كتب "فقط"تُستخدم لإثبات القيمة ، بل هي وعي يتشكل داخل الإنسان ويظهر في طريقة تفكيره وفهمه للعالم وقدرته على التحليل وإنتاج المعنى.
ومن هنا جاءت عبارة “أنا ابنة عقلي” بوصفها تعبيرًا عن استقلالية في التعامل مع المعرفة. لا بمعنى رفض القراءة أو إنكار أثرها، بل بمعنى أن كل ما يُقرأ لا يتحول تلقائيًا إلى قناعة جاهزة، وإنما يمر عبر العقل بالفحص والنقد والاختيار. فالعقل في هذا التصور ليس متلقيًا سلبيًا، بل عنصرًا فاعلًا في تشكيل الموقف الفكري.
ويجد هذا التصور جذوره الفلسفية الواضحة عند الفيلسوف ، الذي أحدث ما يُعرف بـ”الثورة الكانطية” في نظرية المعرفة. فقد رأى كانط أن العقل لا يستقبل المعرفة بشكل خام أو سلبي، بل يشارك في تنظيمها وتشكيلها داخل بنية ذهنية تجعلها قابلة للفهم. وبهذا تصبح المعرفة نتيجة تفاعل بين ما تقدمه التجربة من معطيات، وما يقوم به العقل من تنظيم وتأويل، لا مجرد انعكاس مباشر للعالم أو للنصوص المقروءة.
ومن هذا المنظور، يصبح ما يُسمّى بالإنتاج المعرفي مرتبطًا بقدرة الإنسان على تحويل ما يقرأه أو يعيشه إلى رؤية خاصة به. فليست كل قراءة تنتج فهمًا عميقًا، كما أن الإبداع لا يُقاس فقط بتراكم المصادر، بل بقدرة العقل على إعادة صياغة المعطيات في شكل رؤية جديدة.
كما تشير هذه الفكرة أيضًا إلى أن بعض التصورات قد تولد داخل الإنسان من تجربته وتأمله قبل أن تجد صيغتها في الكتب أو النظريات، وهو ما يجعل القراءة لاحقًا وسيلة لتوسيع الأفق وإعادة الفهم، لا لإلغاء التجربة الذاتية أو استبدالها بالكامل.
وفي المقابل، يظهر في بعض النقاشات نمط آخر يتمثل في افتراض أن من يخالف الرأي هو “غير مطلع” أو “غير قارئ”، وكأن الاختلاف في الفهم دليل تلقائي على نقص المعرفة. هذا النوع من التعميم يحوّل الحوار من مناقشة الأفكار إلى الحكم على الأشخاص، بدلًا من مناقشة الحجج ذاتها. بينما الواقع أن اختلاف الرأي قد ينشأ من اختلاف زاوية النظر، أو طريقة التحليل، أو حتى من قراءة مختلفة للنصوص نفسها.
ومن هنا فإن اختزال قيمة الإنسان في مقدار ما قرأه، أو ربط صحة رأيه بامتلاكه لنفس المراجع، يُعد شكلًا من أشكال تحويل المعرفة إلى معيار إقصائي، يضيق مساحة الحوار بدل أن يوسعها.
أما استعارة “العقل كمكينة” فيمكن فهمها كتقريب لفكرة إعادة تشكيل المعرفة داخل الذهن، لكن مع التأكيد أن العقل ليس جهازًا آليًا، بل منظومة حية من الفهم والتأويل تتأثر بالتجربة واللغة والقيم والوعي الشخصي، وتنتج في النهاية فهمًا خاصًا لا نسخة مكررة من المصادر.
وفي النهاية، يتضح أن جوهر هذا النقاش لا يتعلق بالقراءة نفسها، بل بسؤال أعمق: هل تُقاس قيمة الإنسان بما يقرأه، أم بكيفية تفكيره بما يقرأه؟
إن الثقافة لا تتحقق عبر فرض معايير ثابتة على الجميع، ولا عبر تحويل القراءة إلى أداة تفاضل، بل عبر تحرير مساحة التفكير ليكون قادرًا على الفهم والنقد وإنتاج المعنى. وهكذا يصبح اختلاف القراءات أمرًا طبيعيًا، بل ضروريًا، لأن تنوعها يثري الوعي بدل أن يحصره في نموذج واحد.
ويظل الموقف قائمًا على فكرة مركزية:
"أن العقل ليس تابعًا للمراجع، بل شريكًا لها في إنتاج الفهم، وأن قيمة المعرفة لا تكمن في امتلاكها، بل في أثرها داخل الوعي، وفي ما يترتب عليها من رؤية مستقلة للعالم".
-الاسكندرية30مايو2026.



#هدى_عزالدين_محمد (هاشتاغ)       Huda_Ezz_El-din_Muhammad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة مقالات نسوية : عن تنمية الانثي في المجتمع الشرقي[2]:بق ...
- سلسلة مقالات نسوية : عن تنمية الانثي في المجتمع الشرقي[3]بقل ...
- نصوص سيريالية: نص(لعبة النرد برؤوس البصل)هدى عزالدين محمد.مص ...
- سلسلة مقالات نسوية : عن تنمية الانثي في المجتمع الشرقي[1]:بق ...
- قراءة نقدية : جماليّةُ القصيدةِ وانكسارُ الهامشِ فى ديوان ( ...
- مقالات أدبية(التعري الفكري بين الخوف من التوثيق وسلطة الكلمة ...
- قراءة نقدية لقصيدة(أنفاس محتلة)الشاعرةالسيرياليةهدى عزالدين. ...
- قراءة نقدية لقصيدة (أحبك) للشاعرة السيريالية هدى عزالدين .بق ...
- قراءة نقدية لقصيدة (أحبك)للشاعرة السيريالية هدى عزالدين.بقلم ...
- قراءة في ديوان (أحضان الوجع) للشّاعرةالسيريالية المصرية: هدى ...
- قراءة نقدية لقصيدة (كسر قيود)من ديوان( أحضان الوجع) للناقد ه ...
- تجليات الصورة الشعرية قراءة في( ديوان هدى عز الدين محمد «بطا ...
- قراءة نقدية لنص (مناخ ساخن)للشاعرة هدى عزالدين .بقلم:القيس ه ...
- الدلالة من حالة السبات والتخفي إلى حالة الظهور لدى الشاعرة( ...
- مناقشة دوانين بـقصر ثقافة الانفوشى (احضان الوجع&بطائن الادار ...
- قراءات نقدية:التناصّ في ديوان( أحضان الوجع) للشاعرة السيريال ...
- قرائات نقدية لديوان أحضان الوجع (الشاعرة هدى عزالدين محمد: ت ...
- قراءة نقدية لقصيدة (تداعبني مشاعر ) للشاعرة السيريالية هدى ع ...
- دراسة نقدية لقصيدة (مدينةالكدب) للشاعرة السيريالية هدى عزالد ...
- نصوص سيريالىة (حين تضحك الشاعرة)الشاعرة هدى عزالدين محمد.مصر ...


المزيد.....




- فندق اسطنبول الأسطوري الذي استقبل جواسيس وملوك وغريتا غاربو ...
- خلافات على التسلسل والضمانات.. مسؤولون يشرحون لـCNN أسباب تأ ...
- كيف ردت طهران على مطالب ترامب بشأن التوصل إلى اتفاق؟
- الحبس الاحتياطي في ألمانيا وأوروبا .. سجن الآلاف دون إدانة
- روسيا تستدعي سفيرها لدى أرمينيا بسبب التقارب مع الاتحاد الأو ...
- موسكو تستدعي سفيرها لدى أرمينيا على خلفية تقارب يريفان مع بر ...
- الولايات المتحدة تؤكد أن لديها القدرة على استئناف الحرب مع إ ...
- حجاج بيت الله الحرام يختتمون مناسكهم بطواف الوداع
- أشعر بالعار.. جندي إسرائيلي يكشف فظائع جيش الاحتلال في غزة
- بين نصوص القانون وواقع السلاح.. لماذا تفشل اتفاقات وقف إطلاق ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هدى عزالدين محمد - مقالات :عن العقل والقراءة وحق التفكير: من الحوار إلى الوعي النقدي