أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سليم نزال - هل تتحمل الثقافة السائدة بعض مسؤولية الكوارث التي حلت ببعض بلادنا؟














المزيد.....

هل تتحمل الثقافة السائدة بعض مسؤولية الكوارث التي حلت ببعض بلادنا؟


سليم نزال

الحوار المتمدن-العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 04:53
المحور: قضايا ثقافية
    


تتبنى هذه المقالة فرضية مفادها أن أحد أهم أسباب الأزمات والانفجارات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة يعود، بدرجة مهمة، إلى طبيعة الثقافة السائدة، وبشكل خاص إلى ما يمكن تسميته «الثقافة اللفظية» أو ما وصفه بعض الباحثين بـ «الظاهرة الصوتية»؛ أي الثقافة التي تعطي الأولوية للكلام والشعارات والعبارات الرنانة على حساب التفكير النقدي والتحليل العقلاني والعمل المؤسسي.
لا أقصد بذلك التقليل من أهمية اللغة أو البلاغة أو الخطابة، فهذه عناصر أساسية في أي حضارة إنسانية، وكان للعرب إسهامات عظيمة فيها عبر التاريخ. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البلاغة إلى بديل عن الفكر، وحين يصبح الإبهار اللفظي وسيلة لحجب الأسئلة بدل فتحها.
والثقافة، في نهاية الأمر، ليست مجرد أفكار متفرقة، بل هي الإطار العام الذي تنمو داخله القيم وأنماط التفكير، ويتشكل ضمنه التعليم والسياسة والعلاقات الاجتماعية. وإذا كانت الثقافة هي الوعاء الذي تتشكل داخله المجتمعات، فمن الطبيعي أن ينعكس مضمونها على طبيعة التعليم، وعلى شكل الحياة السياسية، وعلى قدرة المجتمع على النقد والمراجعة والتجديد.
ولو أخذنا التعليم مثالًا، باعتباره مرآة لرؤية المجتمع وقيمه، نجد أن كثيرًا من الدراسات التي تناولت نظم التعليم في العالم العربي أشارت إلى هيمنة أنماط تعليمية تقوم على الحفظ والتلقين أكثر من قيامها على التحليل والنقاش وإثارة الأسئلة. وهذا يؤدي تدريجيًا إلى إنتاج ثقافة الطاعة، والكسل الذهني، والخوف من الخطأ، وضعف المبادرة الفردية.
ومع الوقت، ينشأ جيل قد يمتلك قدرًا من المعلومات، لكنه لا يمتلك بالضرورة أدوات التفكير النقدي أو القدرة على التحليل والتأمل واستخلاص النتائج. وهكذا يصبح التعليم، في كثير من الأحيان، عملية نقل معرفة جامدة أكثر منه عملية بناء عقل قادر على الفحص والتساؤل.
ولا يقتصر أثر ذلك على التعليم فقط، بل يمتد إلى المجال السياسي والاجتماعي. فحين يضعف العقل النقدي، تصبح السياسة مرتبطة أكثر بـ«أهل المعرفة الخاصة» و«حملة الأسرار» و«العارفين بالأمور»، وتتحول الشأن العام إلى مجال مغلق، بعيد عن المشاركة الفعلية للمجتمع.
ومن المعروف أن المجتمعات التقليدية، قبل الحداثة، كانت تقوم غالبًا على أنماط ولاء تقوم على الطاعة والانقياد؛ ولاء للعائلة، أو القبيلة، أو الطائفة، أو الزعيم. وكان الخروج عن هذه الأنماط يكلف الفرد أثمانًا اجتماعية باهظة.
ولعل ذلك يفسر جزئيًا ازدهار الثقافة اللفظية في مجتمعات كهذه؛ إذ لا يحتاج الزعيم، في بعض الأحيان، إلا إلى خطاب عاطفي، وعبارات كبيرة، وشعارات مؤثرة، لتعزيز الولاء وتعبئة الجماهير.
أما في المجتمعات الحديثة، فإن الولاء يرتبط، بدرجة أكبر، بالاختيار الحر، وبالمؤسسات، وبالمشاركة المدنية، سواء داخل الأحزاب، أو النقابات، أو البرلمانات، أو مؤسسات المجتمع المدني. والخطاب السياسي فيها يميل أكثر إلى البرامج الواقعية والإنجازات القابلة للقياس، لا إلى الشعارات وحدها.
ولعل ضعف الثقافة النقدية ساهم أيضًا في جعل بعض مجتمعاتنا أكثر قابلية لتبني التفسيرات التبسيطية، بما فيها الإفراط في تفسير الأحداث عبر «نظرية المؤامرة». وليس المقصود هنا نفي وجود المصالح والصراعات الدولية، بل الإشارة إلى أن غياب أدوات التحليل العلمي يدفع أحيانًا إلى البحث عن تفسير خارجي جاهز، بدل مواجهة الأسباب البنيوية الحقيقية للمشكلات.
كما أن غياب المؤسسات الرقابية الفاعلة، وضعف الحريات الصحفية في كثير من الحالات، جعل المسافة بين الوعد والواقع تتسع، وأضعف ثقافة المساءلة والمحاسبة.
لكن يبقى السؤال الأهم: كيف استفحلت هذه الثقافة؟
ربما توجد تفسيرات متعددة. بعضها يرتبط بطبيعة البنية الاجتماعية التقليدية، وبعضها يرتبط بأنماط التعليم، وبعضها يتعلق بمسار تطور الدولة الحديثة، وبعضها يعود إلى التأثيرات التاريخية والفكرية.
وقد يكون من بين هذه الأسباب أيضًا التأثر التاريخي بالفكر المثالي الذي يعطي أولوية كبيرة للتصورات النظرية على حساب المعرفة التطبيقية. وربما لعبت ثقافة البلاغة والخطابة، التي مثلت جزءًا مهمًا من التراث العربي، دورًا في ترسيخ المكانة المركزية للكلمة.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في البلاغة ذاتها، بل حين تصبح البلاغة بديلًا عن الفعل، وحين ينفصل القول عن العمل.
لقد حاولت، عبر عدد من كتبي الفكرية والثقافية، ومنها:
في نظرية تراجع المجتمعات العربية، وقبسات في الفكر والثقافة والأيديولوجيا، وحفريات في الثقافة، وشذرات من الفكر، وفي السياسة والثقافة والمجتمع، أن أطرح فكرة أساسية تقوم على ضرورة بناء ثقافة التوازن؛ التوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين الفرد والمجتمع، وبين الهوية والانفتاح، وبين العاطفة والعقل.
إن مجتمعاتنا لا تحتاج إلى إلغاء تراثها، بل إلى إعادة قراءته نقديًا، ولا تحتاج إلى إلغاء البلاغة، بل إلى موازنتها بالعقل النقدي، ولا تحتاج إلى إلغاء الانتماء، بل إلى تحويله من ولاء أعمى إلى ولاء واعٍ.
وأظن أن بناء المستقبل يبدأ من هنا.
من ثقافة السؤال.
ومن شجاعة النقد.
ومن الإيمان بأن الحقيقة لا يحتكرها أحد.

كاتب المقال له 30 كتابا بالغات الثلاث العربية و الانكليزية و النرويجية



#سليم_نزال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن كتاب فنجان قهوة و تلك الايام
- عن موسيقى الشعوب الاصلية !
- من حصاد الأيام
- في معنى الإيمان خارج الضجيج
- من برنارد لويس إلى فوضى اليوم: خريطة التقسيم تعمل
- لماذا تُجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مع إيران؟
- حول فكرة نهاية التاريخ
- على خطى ميخائيل نعيمة.
- الهوية بين الاعتزاز المشروع و الانعزال
- ظاهرة الهُباطية
- هل يجوز مناقشة طلاء البيت وهو يحترق؟
- مقتل بلاد كنعان الاكبر كان و لم يزل غياب فكرة وحدة المصير
- زياد الذى غنى اوجاعنا
- عن اسعد و ابو سليم و فهمان .عن تلك الازمان !
- عندما كانت منظمة الهاغاناه الارهابية تراقب المقاهى الفلسطيني ...
- من زمن الحوارات !
- بين الانثروبولوجيا و الايديولوجيا !
- طقس مزعج!
- حول ثقافة الاسئلة !
- • أهكذا أبداً تمضي أمانينا • عن لامارتين و العصر الرومانسى!


المزيد.....




- كييف تحت النار.. هجوم روسي واسع يهز العاصمة
- إطلاق نار قرب البيت الأبيض ينتهي بمقتل المهاجم
- إطلاق نار قرب البيت الأبيض وإصابة شخصين في مواجهة مع عناصر ا ...
- عاجل: إطلاق نار قرب البيت الأبيض
- استنفار أمني بعد إطلاق نار قرب البيت الأبيض
- حروب أمريكا والدرس المرعب الذي وعته كوريا الشمالية مبكرا
- قلق إسرائيلي من اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران
- تونس تدخل المنطقة الرماديّة والحلّ في وضوح الطريق للشعب
- استنفار أمني يطوق البيت الأبيض بعد إطلاق نار
- جدعون ليفي: اتفاق إيران وأمريكا فشل شخصي لنتنياهو


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سليم نزال - هل تتحمل الثقافة السائدة بعض مسؤولية الكوارث التي حلت ببعض بلادنا؟