أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - حين أصبحت العزلة لغة العصر















المزيد.....

حين أصبحت العزلة لغة العصر


عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي

(Essam Albarram)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 04:47
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة القديمة كانت العزلة تُختار بحثًا عن الحكمة، أو هروبًا مؤقتًا من ضجيج العالم، أما اليوم فقد أصبحت العزلة تسكن الناس وهم في قلب المدن المزدحمة، يجلس الإنسان وسط عشرات الوجوه لكنه يشعر بأنه وحيد، يمتلك مئات الأسماء في هاتفه، لكنه لا يجد من يصغي إلى صمته الحقيقي. لقد تغيّر شكل الوحدة، ولم تعد مرتبطة بالمكان بقدر ما أصبحت مرتبطة بالروح.
نعيش في عصر يبدو فيه التواصل أكثر سهولة من أي وقت مضى، فبضغطة زر نستطيع الوصول إلى أشخاص في آخر الأرض، ونتابع تفاصيل حياة الغرباء قبل الأقربين، ومع ذلك تتسع الفجوة الإنسانية يومًا بعد يوم. لم تعد المشكلة في غياب الناس، بل في غياب الدفء الإنساني الذي كان يمنح العلاقات معناها الحقيقي. أصبح الإنسان يكتب كثيرًا، لكنه يقول القليل، وينشر صور ابتسامته بينما يخفي داخله تعبًا طويلًا لا يراه أحد.
لقد سرقت السرعة من الإنسان قدرته على التأمل. لم يعد هناك وقت للجلوس الطويل مع الذات، ولا للحديث الصادق بين الأصدقاء، حتى العائلة التي كانت تمثل الملجأ الأول للروح أصبحت تجتمع حول شاشة لا حول قلب. كل فرد يعيش داخل عالمه الصغير، يحمل هاتفه كما لو أنه نافذته الوحيدة على الحياة، بينما تغلق الأبواب الحقيقية للحوار شيئًا فشيئًا.
والغريب أن الإنسان الحديث صار يخاف من الصمت. يهرب منه إلى الموسيقى، أو إلى تصفح الأخبار، أو إلى متابعة مقاطع قصيرة لا تضيف شيئًا سوى المزيد من التشتيت. كأن العالم أقنع البشر أن التفكير العميق عبء ثقيل، وأن الانشغال الدائم علامة نجاح. لكن الحقيقة أن الروح المتعبة لا تشفى بالضجيج، بل بلحظة صدق هادئة تواجه فيها نفسها دون أقنعة.
العزلة الحديثة ليست دائمًا نتيجة الابتعاد عن الناس، بل قد تكون نتيجة فقدان المعنى. هناك موظف يذهب إلى عمله يوميًا دون أن يشعر بقيمة ما يفعل، وطالب يدرس تخصصًا لا يحبه فقط لإرضاء الآخرين، وإنسان يضحك في المجالس بينما يشعر داخله بفراغ هائل. المشكلة الحقيقية ليست في عدد الساعات التي نقضيها وحدنا، بل في شعورنا بأننا غرباء عن أنفسنا.
ولعل أكثر ما يكشف مأساة هذا العصر هو أن المشاعر أصبحت تُختصر في رموز صغيرة على الشاشات. الحب يُقاس بسرعة الرد، والصداقة بعدد التفاعلات، والحزن بصورة سوداء أو جملة عابرة. لقد فقدت الكلمات وزنها الحقيقي، لأن الناس اعتادوا التعبير السريع الذي لا يمنح المشاعر وقتها الطبيعي للنضج. حتى الاعتذار أصبح يُرسل ببرود، وحتى المواساة باتت أحيانًا مجرد واجب إلكتروني يؤديه الإنسان ثم يواصل يومه دون أن يشعر حقًا بألم الآخر.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن التكنولوجيا وحدها هي السبب. الإنسان نفسه ساهم في بناء هذا الجدار غير المرئي بينه وبين الآخرين. كثيرون أصبحوا يخشون الصدق، لأن الصراحة قد تكشف هشاشتهم الداخلية، لذلك يفضلون ارتداء شخصيات مثالية أمام الناس. لكن المأساة أن الإنسان كلما ابتعد عن حقيقته ازداد شعوره بالوحدة، لأن الآخرين يتعاملون مع صورة صنعها لا مع روحه الحقيقية.
وربما لهذا السبب عادت الكتب إلى بعض الناس كوسيلة نجاة. القارئ لا يبحث فقط عن المعرفة، بل عن صوت يشبهه، عن كاتب يقول له إن ما يشعر به ليس غريبًا. الأدب الحقيقي لا يمنح الإنسان حلولًا جاهزة، لكنه يواسيه بطريقة خفية، ويجعله يشعر أن هناك من فهم ألمه يومًا ما. ولهذا تبقى الروايات والقصائد أكثر صدقًا أحيانًا من كثير من الأحاديث اليومية.
إن أخطر ما قد تصل إليه المجتمعات ليس الفقر المادي، بل الفقر الإنساني، حين يصبح الإنسان عاجزًا عن التعاطف، أو غير قادر على الإصغاء، أو غير مهتم بأوجاع الآخرين. فالحضارة لا تُقاس بعدد الأبراج العالية ولا بسرعة الإنترنت، بل بقدرة الناس على الحفاظ على إنسانيتهم وسط هذا التسارع المخيف.
ورغم كل هذا الضجيج، ما زالت هناك أشياء بسيطة تستطيع إنقاذ الإنسان من قسوة العزلة. حديث صادق مع صديق قديم، جلسة عائلية خالية من الهواتف، كتاب جيد، أو حتى لحظة تأمل عند نافذة في آخر الليل. الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى معجزات كي يشعر بالسلام، بل يحتاج أحيانًا إلى من يذكره بأنه ليس آلة تعمل بلا توقف.
ربما علينا أن نتعلم من جديد كيف نعيش ببطء، كيف نصغي أكثر ونتحدث أقل، كيف نمنح العلاقات وقتًا حقيقيًا بدل الاكتفاء بحضور سريع على الشاشات. فالحياة، مهما تطورت، ستبقى محتاجة إلى قلب يشعر، لا إلى أصابع تكتب فقط.
إن العالم الحديث منح الإنسان وسائل كثيرة للاتصال، لكنه لم يضمن له الطمأنينة. ولذلك سيظل السؤال الأهم ليس: كم شخصًا نعرف؟ بل: من منا يجد شخصًا يستطيع أن يكون نفسه معه دون خوف؟ عند تلك اللحظة فقط، تتحول الحياة من زحام بارد إلى معنى حقيقي يستحق أن يُعاش.
يمكن أيضًا ملاحظة أن العزلة لم تعد تقتصر على فئة عمرية معينة، بل أصبحت تمتد إلى الجميع دون استثناء. الطفل الذي يقضي ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية يفقد تدريجيًا مهارة الحوار الحقيقي، والشاب الذي يطارد صور النجاح المثالي على مواقع التواصل يعيش غالبًا تحت ضغط المقارنة المستمرة، أما كبار السن فيجد كثير منهم أنفسهم غرباء داخل عالم سريع لم يعد يمنحهم الإصغاء الكافي. وهكذا تتغير العلاقات الإنسانية بهدوء، حتى أصبح القرب الجسدي لا يعني دائمًا قربًا روحيًا.
في الماضي، كانت التفاصيل الصغيرة تحمل قيمة كبيرة في حياة الناس. الزيارات العائلية كانت مناسبة حقيقية للحديث والدفء، والرسائل الورقية كانت تحمل شوقًا ينتظره أصحابها أيامًا طويلة، وحتى الجلوس في المقاهي أو على الأرصفة القديمة كان مساحة للحكايات وتبادل الخبرات. أما اليوم فقد أصبحت الحياة أكثر استعجالًا، حتى المشاعر نفسها صارت تُستهلك بسرعة. الإنسان يفرح بسرعة وينسى بسرعة ويحزن بصمت، كأن الزمن لم يعد يسمح له بأن يعيش أحاسيسه كاملة.
ومن المؤلم أيضًا أن كثيرًا من الناس أصبحوا يقيسون قيمتهم بمدى حضورهم الرقمي، لا بحضورهم الحقيقي في حياة الآخرين. صورة تحصد الإعجابات قد تمنح صاحبها شعورًا مؤقتًا بالاهتمام، لكنها لا تعوض غياب العلاقات الصادقة التي تقوم على الفهم والمساندة. ولهذا يشعر البعض، رغم شهرتهم أو كثرة متابعيهم، بفراغ داخلي عميق لا يراه أحد.
وربما يكون الحل الأول لمواجهة هذه العزلة الحديثة هو استعادة الأشياء البسيطة التي أهملها الإنسان طويلًا؛ أن يمنح وقته لمن يحب، وأن يتحدث بصدق دون خوف من الأحكام، وأن يتذكر أن القلوب لا تحتاج إلى ضجيج مستمر كي تشعر بالحياة، بل تحتاج إلى لحظات حقيقية مليئة بالصدق والاهتمام. ففي النهاية، تبقى الإنسانية هي الشيء الوحيد القادر على إنقاذ الإنسان من برد العالم الحديث.



#عصام_البرّام (هاشتاغ)       Essam_Albarram#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روبوتات الإعلام… بين تعزيز الأمن المعلوماتي وتهديده
- الثقافة كمساحة لإنقاذ المعنى
- اللغة العربية بين هوية الماضي وتحديات الحاضر
- الفن التشكيلي الكردي: قراءة في ألوان الذاكرة والهوية
- هل يمكن تحديث المجتمع دون المساس بالثوابت؟
- مفهوم الزمن في الأدب العربي
- لغتنا العربية في عالم متغير
- هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية قراءة في كتاب يوث ...
- من الحداثة إلى ما بعد الحداثة: أين يقف العقل العربي؟
- من المدرسة إلى المجتمع.. دور الثقافة في تشكيل القيم التربوية
- نازك الملائكة .. تجليات روحية في قصيدة .. أنا
- نحو آستثمار حقيقي في رأس المال البشري.. الإنسان أولاً
- نحو ثقافة اللاعنف والتسامح
- هل انتهى زمن الشعر؟
- هل تتحول غزة من ضحية إلى فاعل رمزي في إعادة تشكيل الخطاب الف ...
- هل تمكّنَ الذكاءُ الاصطناعي على إبداع الروح الانسانية؟
- هل ما زلنا نعرف لغتنا العربية ؟
- وسائل التواصل الاجتماعي والغزو السيبراني.. من النشر إلى التج ...
- خرائطُ التيهِ إلى حضرةِ المعنى
- العراق في مرآة الذاكرة والسلطة .. من سرديات الماضي إلى صراع ...


المزيد.....




- -عُرضت عليه خيارات لاستئناف القتال-.. مصدر يكشف لـCNN تفاصيل ...
- حراك دبلوماسي قطري لإسناد الوساطة الباكستانية بين واشنطن وطه ...
- بين تفاؤل ترمب وتشاؤم -سي آي إيه-.. كواليس الخلاف الاستخبارا ...
- هل من مكان للعرب في نظام عالمي جديد منتظر؟
- مقال بمجلة فورين بوليسي: هكذا أساء الغرب فهم نجاح مودي
- -وظائف وهمية وبرمجيات خبيثة-.. خبراء لـCNN: مخطط تجسس إيراني ...
- البنتاغون ينشر فيديوهات جديدة لأجسام مجهولة وجدل متجدد حول ا ...
- غارات إسرائيلية على جنوب وشرق لبنان ومقتل ما لا يقل عن عشرة ...
- الشرطة البريطانية تواصل التحقيق الأمير السابق أندرو ولا تستب ...
- -عودي إلى ديارك يا أمريكا-.. احتجاجات غاضبة في غرينلاند رفضا ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - عصام البرّام - حين أصبحت العزلة لغة العصر