عصام البرّام
أديب وأكاديمي ودبلوماسي
(Essam Albarram)
الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 04:49
المحور:
قضايا ثقافية
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة إلى حدٍّ يفقد الإنسان معه قدرته على الإصغاء إلى ذاته، تبدو الثقافة وكأنها آخر ما تبقّى لنا من محاولات النجاة الروحية. لم تعد الثقافة اليوم ترفاً فكرياً كما يظن البعض، ولا مجرد مساحة للنخبة المعزولة عن الواقع، بل أصبحت ضرورة إنسانية عميقة لحماية المعنى في عالم يزداد ضجيجاً واستهلاكاً وتفككاً. وربما تكمن المعضلة الكبرى في أن الإنسان المعاصر بات يعرف أشياء كثيرة عن العالم، لكنه يعرف القليل جداً عن نفسه، وعن احتياجاته الداخلية، وعن ذلك الفراغ الصامت الذي يتسع فيه كلما ازدادت مظاهر التقدم الخارجي.
لقد غيّرت التكنولوجيا شكل العلاقات الإنسانية، وبدّلت مفهوم الزمن، وأعادت تشكيل الوعي بطريقة غير مسبوقة. أصبح الإنسان يعيش داخل سيلٍ هائل من الصور والأخبار والانفعالات السريعة، حتى فقد القدرة على التأمل الطويل وعلى بناء علاقة عميقة مع الأشياء. وهذا التحول لم ينعكس فقط على الحياة اليومية، بل أصاب أيضاً علاقتنا باللغة والفكر والفن. فالكتابة التي كانت يوماً محاولة لفهم العالم، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد استجابة سريعة لإيقاع المنصات الرقمية، وصار التعبير أقرب إلى رد فعل آني منه إلى تجربة إنسانية ناضجة.
ومع ذلك، فإن الثقافة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة هذا التآكل البطيء في الروح الإنسانية. فالأدب مثلاً لا يمنحنا المعلومات فقط، بل يمنحنا القدرة على الشعور العميق بالحياة. حين نقرأ رواية عظيمة أو قصيدة صادقة، فإننا لا نبحث عن حدث أو فكرة فحسب، بل نبحث عن أنفسنا داخل الكلمات. ولهذا بقي الأدب عبر العصور واحداً من أكثر الأشكال الإنسانية قدرة على ترميم الداخل البشري، لأنه يذكّر الإنسان بأنه ليس آلة إنتاج أو رقماً في معادلة اقتصادية، بل كائن يحمل ذاكرة وخوفاً وحلماً وحاجة دائمة إلى المعنى.
إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الروحي أيضاً. هناك شعور خفي بالوحدة يتسلل إلى المجتمعات الحديثة رغم كل وسائل التواصل. الناس يتحدثون كثيراً، لكنهم يصغون قليلاً، ويقتربون افتراضياً بينما تتباعد أرواحهم في الواقع. وفي خضم هذا المشهد، تبدو الثقافة فعلاً من أفعال المقاومة الهادئة؛ مقاومة القسوة، والسطحية، والنسيان. إنها محاولة للحفاظ على الحساسية الإنسانية في عالم يزداد ميلاً إلى التبلد العاطفي.
ولعلّ ما يمنح الثقافة قيمتها الحقيقية هو قدرتها على إعادة الإنسان إلى جوهره الأول. فالفنون العظيمة لا تعلّمنا كيف نعيش فقط، بل تجعلنا نرى الحياة بعمق مختلف. الموسيقى مثلاً قادرة على أن تفتح في الروح نوافذ يصعب على اللغة نفسها أن تفتحها، والشعر يستطيع أن يختصر تجربة إنسانية كاملة في بضعة أسطر، أما الرواية فهي أشبه برحلة طويلة داخل النفس البشرية، تكشف تناقضاتها وهشاشتها وأحلامها الخفية.
وفي عالمنا العربي تحديداً، تبدو الحاجة إلى الثقافة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن المجتمعات التي تمر بتحولات كبرى تحتاج دائماً إلى وعي يحميها من الانهيار الداخلي. فالثقافة ليست تراكماً للمعلومات، بل هي بناء للرؤية الإنسانية والأخلاقية والجمالية. والمثقف الحقيقي ليس من يملأ ذاكرته بالنصوص والاقتباسات فقط، بل من يستطيع أن يحوّل المعرفة إلى موقف إنساني يساهم في تهذيب الحياة العامة والدفاع عن قيم العدالة والحرية والرحمة.
لقد ارتبطت النهضات الكبرى في التاريخ دائماً بازدهار الفكر والفن والأدب، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني حضارة حقيقية بعقل تقني فقط. الحضارات العظيمة هي تلك التي عرفت كيف توازن بين المادة والروح، بين الإنجاز العلمي والحس الجمالي، وبين القوة والرحمة. ولذلك فإن المجتمعات التي تهمل الثقافة تفقد تدريجياً قدرتها على الحلم، وتتحول إلى كيانات عملية تفتقر إلى العمق الإنساني.
وربما من المؤلم أن نرى اليوم كيف أصبح الاهتمام السريع والعابر يطغى على القراءة العميقة والتأمل الهادئ. الكتب التي كانت تُقرأ ببطء وتأمل، أصبحت تُختصر في مقاطع قصيرة، والأفكار التي كانت تحتاج إلى زمن للنضج، باتت تُستهلك بسرعة ثم تُنسى بسرعة أكبر. وهذا لا يعني رفض العصر أو التكنولوجيا، بل يعني ضرورة أن يحافظ الإنسان على مساحته الداخلية الحرة وسط هذا التسارع الهائل.
إن الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط لكي ينشر نصاً أو يحقق حضوراً إعلامياً، بل لأنه يشعر بمسؤولية خفية تجاه الإنسان والحياة. الكتابة في جوهرها فعل إنقاذ، ومحاولة لتسمية الأشياء التي يعجز الناس أحياناً عن التعبير عنها. ولذلك تبقى الكلمة الصادقة قادرة على العبور من زمن إلى آخر، لأنها تنطلق من جوهر إنساني لا يتغير مهما تبدلت الوسائل والأشكال.
وحين نتأمل تاريخ الأدب، نكتشف أن النصوص التي بقيت حيّة لم تكن تلك التي جاملت عصرها، بل تلك التي لامست جوهر الإنسان. الأعمال العظيمة تعيش لأنها صادقة، ولأنها كُتبت من منطقة عميقة في الروح البشرية. ولهذا فإن الثقافة ليست ترفاً مؤقتاً، بل ذاكرة إنسانية طويلة تحفظ للإنسان معناه في مواجهة النسيان.
في النهاية، يبدو العالم اليوم في حاجة ماسّة إلى استعادة البعد الإنساني للثقافة، لا بوصفها نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل بوصفها ضرورة للحياة نفسها. فحين يقرأ الإنسان بعمق، ويكتب بصدق، ويتأمل الجمال، يصبح أكثر قدرة على فهم الآخر، وأكثر ميلاً إلى الرحمة، وأقل قابلية للعنف والكراهية. وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للأدب والفكر والفن؛ أنها تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وتمنحه القدرة على أن يرى ما وراء المظاهر، وأن يدافع عن الضوء الداخلي حتى في أكثر الأزمنة ظلمة.
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة إلى حدٍّ يفقد الإنسان معه قدرته على الإصغاء إلى ذاته، تبدو الثقافة وكأنها آخر ما تبقّى لنا من محاولات النجاة الروحية. لم تعد الثقافة اليوم ترفاً فكرياً كما يظن البعض، ولا مجرد مساحة للنخبة المعزولة عن الواقع، بل أصبحت ضرورة إنسانية عميقة لحماية المعنى في عالم يزداد ضجيجاً واستهلاكاً وتفككاً. وربما تكمن المعضلة الكبرى في أن الإنسان المعاصر بات يعرف أشياء كثيرة عن العالم، لكنه يعرف القليل جداً عن نفسه، وعن احتياجاته الداخلية، وعن ذلك الفراغ الصامت الذي يتسع فيه كلما ازدادت مظاهر التقدم الخارجي.
لقد غيّرت التكنولوجيا شكل العلاقات الإنسانية، وبدّلت مفهوم الزمن، وأعادت تشكيل الوعي بطريقة غير مسبوقة. أصبح الإنسان يعيش داخل سيلٍ هائل من الصور والأخبار والانفعالات السريعة، حتى فقد القدرة على التأمل الطويل وعلى بناء علاقة عميقة مع الأشياء. وهذا التحول لم ينعكس فقط على الحياة اليومية، بل أصاب أيضاً علاقتنا باللغة والفكر والفن. فالكتابة التي كانت يوماً محاولة لفهم العالم، أصبحت في كثير من الأحيان مجرد استجابة سريعة لإيقاع المنصات الرقمية، وصار التعبير أقرب إلى رد فعل آني منه إلى تجربة إنسانية ناضجة.
ومع ذلك، فإن الثقافة الحقيقية تظل قادرة على مقاومة هذا التآكل البطيء في الروح الإنسانية. فالأدب مثلاً لا يمنحنا المعلومات فقط، بل يمنحنا القدرة على الشعور العميق بالحياة. حين نقرأ رواية عظيمة أو قصيدة صادقة، فإننا لا نبحث عن حدث أو فكرة فحسب، بل نبحث عن أنفسنا داخل الكلمات. ولهذا بقي الأدب عبر العصور واحداً من أكثر الأشكال الإنسانية قدرة على ترميم الداخل البشري، لأنه يذكّر الإنسان بأنه ليس آلة إنتاج أو رقماً في معادلة اقتصادية، بل كائن يحمل ذاكرة وخوفاً وحلماً وحاجة دائمة إلى المعنى.
إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الروحي أيضاً. هناك شعور خفي بالوحدة يتسلل إلى المجتمعات الحديثة رغم كل وسائل التواصل. الناس يتحدثون كثيراً، لكنهم يصغون قليلاً، ويقتربون افتراضياً بينما تتباعد أرواحهم في الواقع. وفي خضم هذا المشهد، تبدو الثقافة فعلاً من أفعال المقاومة الهادئة؛ مقاومة القسوة، والسطحية، والنسيان. إنها محاولة للحفاظ على الحساسية الإنسانية في عالم يزداد ميلاً إلى التبلد العاطفي.
ولعلّ ما يمنح الثقافة قيمتها الحقيقية هو قدرتها على إعادة الإنسان إلى جوهره الأول. فالفنون العظيمة لا تعلّمنا كيف نعيش فقط، بل تجعلنا نرى الحياة بعمق مختلف. الموسيقى مثلاً قادرة على أن تفتح في الروح نوافذ يصعب على اللغة نفسها أن تفتحها، والشعر يستطيع أن يختصر تجربة إنسانية كاملة في بضعة أسطر، أما الرواية فهي أشبه برحلة طويلة داخل النفس البشرية، تكشف تناقضاتها وهشاشتها وأحلامها الخفية.
وفي عالمنا العربي تحديداً، تبدو الحاجة إلى الثقافة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأن المجتمعات التي تمر بتحولات كبرى تحتاج دائماً إلى وعي يحميها من الانهيار الداخلي. فالثقافة ليست تراكماً للمعلومات، بل هي بناء للرؤية الإنسانية والأخلاقية والجمالية. والمثقف الحقيقي ليس من يملأ ذاكرته بالنصوص والاقتباسات فقط، بل من يستطيع أن يحوّل المعرفة إلى موقف إنساني يساهم في تهذيب الحياة العامة والدفاع عن قيم العدالة والحرية والرحمة.
لقد ارتبطت النهضات الكبرى في التاريخ دائماً بازدهار الفكر والفن والأدب، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني حضارة حقيقية بعقل تقني فقط. الحضارات العظيمة هي تلك التي عرفت كيف توازن بين المادة والروح، بين الإنجاز العلمي والحس الجمالي، وبين القوة والرحمة. ولذلك فإن المجتمعات التي تهمل الثقافة تفقد تدريجياً قدرتها على الحلم، وتتحول إلى كيانات عملية تفتقر إلى العمق الإنساني.
وربما من المؤلم أن نرى اليوم كيف أصبح الاهتمام السريع والعابر يطغى على القراءة العميقة والتأمل الهادئ. الكتب التي كانت تُقرأ ببطء وتأمل، أصبحت تُختصر في مقاطع قصيرة، والأفكار التي كانت تحتاج إلى زمن للنضج، باتت تُستهلك بسرعة ثم تُنسى بسرعة أكبر. وهذا لا يعني رفض العصر أو التكنولوجيا، بل يعني ضرورة أن يحافظ الإنسان على مساحته الداخلية الحرة وسط هذا التسارع الهائل.
إن الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط لكي ينشر نصاً أو يحقق حضوراً إعلامياً، بل لأنه يشعر بمسؤولية خفية تجاه الإنسان والحياة. الكتابة في جوهرها فعل إنقاذ، ومحاولة لتسمية الأشياء التي يعجز الناس أحياناً عن التعبير عنها. ولذلك تبقى الكلمة الصادقة قادرة على العبور من زمن إلى آخر، لأنها تنطلق من جوهر إنساني لا يتغير مهما تبدلت الوسائل والأشكال.
وحين نتأمل تاريخ الأدب، نكتشف أن النصوص التي بقيت حيّة لم تكن تلك التي جاملت عصرها، بل تلك التي لامست جوهر الإنسان. الأعمال العظيمة تعيش لأنها صادقة، ولأنها كُتبت من منطقة عميقة في الروح البشرية. ولهذا فإن الثقافة ليست ترفاً مؤقتاً، بل ذاكرة إنسانية طويلة تحفظ للإنسان معناه في مواجهة النسيان.
لذا، يبدو العالم اليوم في حاجة ماسّة إلى استعادة البعد الإنساني للثقافة، لا بوصفها نشاطاً نخبوياً معزولاً، بل بوصفها ضرورة للحياة نفسها. فحين يقرأ الإنسان بعمق، ويكتب بصدق، ويتأمل الجمال، يصبح أكثر قدرة على فهم الآخر، وأكثر ميلاً إلى الرحمة، وأقل قابلية للعنف والكراهية. وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية للأدب والفكر والفن؛ أنها تجعل الإنسان أكثر إنسانية، وتمنحه القدرة على أن يرى ما وراء المظاهر، وأن يدافع عن الضوء الداخلي حتى في أكثر الأزمنة ظلمة.
#عصام_البرّام (هاشتاغ)
Essam_Albarram#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟