علي فاضل الزيرجاوي
(Ali Fadil Al-zirjawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 23:25
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
قراءة سوسيولوجية وبنيوية في المشهد العراقي، تتجاوز خطاب "شيطنة النخبة" السطحي لتطرح تساؤلاً جريئاً: هل الطبقة السياسية الفاسدة مجرد طفرة أخلاقية، أم أنها منتج طبيعي يلبي طلبات بنية اجتماعية ريعية محلياً، وتتقاطع مع مصالح جيوسياسية إقليمياً ودولياً؟
وهم "الشيطنة" وتبرئة المجتمع
يسود في الأوساط السياسية والشعبية العراقية خطاب يختزل الأزمة كلها في عبارة واحدة: "الخلل في النخبة الحاكمة الفاسدة". هذا التشخيص، برغم جاذبيته العاطفية لكونه يحدد عدواً واضحاً ويسهل لومه، يمثل تبسيطاً مخلاً يعيق أي فهم حقيقي للحل، ويمنح المجتمع صك براءة غير مستحق من مسؤوليته التاريخية.
السؤال الجريء الذي يطرح نفسه هنا: إلى أي مدى يمكن اعتبار هذه النخبة الفاسدة "نتاجاً طبيعياً" لبنية اجتماعية مختلة، وليست مجرد "طفرة شيطانية" هبطت من السماء؟ للرد على هذا التساؤل، يجب أن نغادر مربع الإدانة الأخلاقية (هؤلاء لصوص وأشرار) لندخل مربع التشخيص البنيوي (لماذا ينتج هذا المجتمع هؤلاء اللصوص؟)، مستعينين بمشرط عالم الاجتماع ماكس فيبر في تحليله للعلاقة الجدلية بين المجتمع والسلطة.
المحور الأول: السياسي كـ "مُنتَج" اجتماعي لا كـ "فاعل" منعزل
في الاقتصاد، لا توجد سلعة تستمر في السوق إذا لم يكن هناك طلب عليها، وفي السياسة كذلك؛ فالنخبة الحاكمة في العراق، بكل مساوئها، هي "سلعة" تلبي "طلباً" اجتماعياً عارماً. تشير التحليلات السوسيولوجية إلى أن قطاعات واسعة من المجتمع، وبسبب غياب التاريخي للدولة الضامنة، لا تطلب من السياسي برامج تنموية أو خططاً استراتيجية بعيدة المدى، بل تطلب "حماية فورية"، و"وظائف ريعية"، و"استثناءات قانونية" (واسطة).
السياسي الفاسد، أو الزعيم الطائفي، هو ببساطة "المقاول" البراغماتي الذي يلبي هذا الطلب الاجتماعي؛ فهو يسرق الدولة ليوفر التعيينات لجمهوره وعشيرته، ويخرق القانون ليحميهم. النتيجة الفيبرية هنا هي أن السياسي ليس منحرفاً عن رغبة جمهوره، بل هو ممثل مخلص لبنية اجتماعية قائمة على الزبائنية. لو كان المجتمع يطلب دولة قانون، لظهر سياسيون قانونيون، لكن المجتمع يطلب "دولة غنيمة"، فظهر سياسيون لصوص.
يشرح فيبر مفهوم "العيش من السياسة" كظاهرة للنخب، لكن في العراق، تغلغل هذا المفهوم ليشمل البنية الاجتماعية بأسرها؛ العشيرة تعيش من السياسة عبر ابتزاز الدولة، والأسرة تعيش من السياسة عبر البحث عن قنوات المحسوبية. عندما تكون البنية الاجتماعية مصممة بحيث لا يمكن للفرد أن يعيش أو ينال حقه إلا إذا كان زبوناً لدى طرف سياسي، فإن ظهور نخبة زبائنية يصبح حتمية سوسيولوجية وليست مجرد خيار أخلاقي سيء.
المحور الثاني: الخلل في "البنية" ومجتمع ما قبل الدولة .
أين يكمن الخلل البنيوي في القاعدة الاجتماعية؟ تبرز المشكلة الأولى في سيطرة الهويات الوظيفية البديلة. المشكلة ليست في انتماء العراقيين لطوائفهم أو عشائرهم، بل في تحول هذه الهويات إلى بنى وظيفية بديلة للدولة. في المجتمعات المستقرة، العشيرة هي رابطة دم اجتماعية وثقافية، أما في العراق فهي مؤسسة قضاء وردع أمنية وسياسية واقتصادية. السياسي العراقي لا يحكم "مواطنين" أفراداً، بل يحكم تكتلات اجتماعية تطالبه بدفع أتاوات (وظائف، عقود، مشاريع) مقابل الولاء. هذه البنية تجعل من المستحيل بناء دولة مؤسسات؛ لأنها تصطدم بجدار اجتماعي صلب يرفض التخلي عن امتيازات "اللاقانون" لصالح قانون مجرد ومتساوٍ.
أما المشكلة الثانية فتتمثل في ثقافة "الغنيمة" المتجذرة. يصف فيبر "نظام الغنائم" في السياسة الأمريكية القديمة، لكنه في الحالة العراقية تحول إلى عقيدة اجتماعية شاملة. المواطن الذي يشتكي من سرقة الوزير للمليارات، لا يتردد غالباً في سرقة الكهرباء، أو تزوير معاملات الرعاية الاجتماعية، أو استغلال منصب قريبه لخرق النظم. هذا يكشف عن خلل بنيوي في مفهوم "المال العام"؛ فالمجتمع لا يرى الدولة ملكاً عاماً يجب حمايته، بل يراها كياناً غريباً ومباحاً (فرهود) يجب استغلاله قبل أن ينهار. النخبة الحاكمة ما هي إلا النسخة المكبرة والناجحة من هذا السلوك العام؛ الوزير يسرق بالمشروع، والمواطن يسرق بالخدمات، والفرق هنا في الحجم لا في المبدأ الأخلاقي.
المحور الثالث: الجيوسياسة والتثبيت الخارجي: لماذا تفضل القوى الخارجية "البنية الرخوة"؟
لكي تكتمل الصورة البنيوية، لا يمكن قراءة هذه البنية الداخلية المختلة كـ"مختبر معزول"، بل هي جزء من حقل مغناطيسي جيوسياسي (إقليمي ودولي). فالنظام الريعي والزبائني في العراق لا يغذي نفسه داخلياً فحسب، بل يتم دعمه وتثبيته غالباً عبر تقاطعات دولية تجد في هذه "البنية الرخوة" بيئة مثالية لضمان مصالحها دون الحاجة للتعامل مع "دولة مؤسسات" صلبة.
إن "دولة المؤسسات الصلبة" هي كيان عنيد في التفاوض، يحمي سيادته، ويفرض سلطة القانون، ويحاسب على العقود؛ وهذا ما لا تريده قوى إقليمية ودولية تبحث عن نفوذ رخيص وسريع ومستدام. بالنسبة للمحيط الجيوسياسي، التعامل مع "شبكات زبائنية ومكوناتية متنافرة" أسهل بكثير وأقل كلفة من التعامل مع دولة مركزية قوية. الخارجي هنا يتدخل كـ"عامل تثبيت" للاختلال الداخلي؛ فهو يمنح الشرعية الدولية والغطاء السياسي لنخب مأزومة مقابل تمرير مصالحه الاقتصادية أو الأمنية الجيوسياسية. هكذا، يتشكل تحالف غير مكتوب بين جشع النخبة والوعي الريعي في الداخل، وبين المصالح البراغماتية في الخارج، ليتحول العامل الخارجي إلى جهاز إنعاش اصطناعي يمنع انهيار هذه الماكينة المختلة كلما أشرفت على العطل.
المحور الرابع: إعادة توجيه النقاش من الإدانة إلى الهندسة العكسية
طالما شخّصنا الأزمة على أنها مجرد "انحطاط أخلاقي" للنخبة، فإن الحلول ستبقى تدور في فلك عبثي وساذج: استبدال الفاسدين بشرفاء، أو وعظ الناس بحرمة الفساد. هذا المدخل قاصر جداً؛ لأنك لو جئت بـ"ملاك" ووضعته في هذه الماكينة البنيوية التي تطلب زبائنية وغنائم وتتحكم بها قوى خارجية، فإنه إما أن يتحول إلى شيطان ليبقى، أو أن تلفظه الماكينة فوراً لأنه معطل للإنتاج (لا يعين، لا يحمي، لا يمالئ الخارج).
هذا التشخيص يقودنا إلى حلول مختلفة تماماً ذات طابع بنيوي، ترتكز على حتمية "الهندسة العكسية":
1. تفكيك الاقتصاد الريعي: لأن الريع النفطي هو الذي يسمح للسياسي بشراء ذمم المجتمع وتغذية شبكاته الزبائنية. عندما يتحول المواطن إلى دافع ضرائب يمول الدولة من عرق جبينه، سيتغير سلوكه جذرياً من "طلب الغنيمة" إلى "محاسبة السلطة".
2. تقوية مؤسسات الدولة البديلة: لن يتوقف المجتمع عن اللجوء للعشيرة أو الطائفة طلباً للحماية والأمن إلا بوجود شرطة وقضاء ومؤسسات قوية وعادلة، ولن يتوقف عن اللجوء للحزب الحاكم طلباً للوظيفة إلا بوجود قطاع خاص حيوي ومستقل.
نحن والوحش.. وجهان لعملة واحدة
الأزمة السياسية في العراق هي نتاج لبنية اجتماعية مختلة محلياً، ومستغلة جيوسياسياً، أكثر مما هي نتاج لفشل النخب المفاجئ. النخبة الحاكمة ليست سوى "المرآة الصادقة" (وإن كانت قبيحة) التي تعكس تشوهات المجتمع وقيمه المتصارعة. إنهم أبناء هذا الرحم الاجتماعي، وليسوا غرباء عنه.
إن إعادة توجيه النقاش من الإدانة الأخلاقية (شتم السياسي) إلى التشخيص البنيوي (نقد المجتمع والدولة والتحالفات) هي الخطوة الأولى نحو النضج السياسي. الإدانة الأخلاقية هي مجرد تنفيس عاطفي يريح الضمير مؤقتاً لكنه يبقي الحال على ما هو عليه، بينما التشخيص البنيوي هو عملية جراحية مؤلمة، تتطلب من الجميع الاعتراف بأننا جزء من المشكلة، وأن إصلاح "القمة" (السلطة) مستحيل دون إصلاح "القاعدة" (البنية الاجتماعية والوعي الجمعي) التي ترتكز عليها.
وكما يقول المنطق الفيبري: "لا يمكنك أن تزرع بذور الديمقراطية في تربة الإقطاع وتنتظر محصولاً من الحريات.. ستنبت لك حتماً أشواك من الطغاة الصغار."
#علي_فاضل_الزيرجاوي
#علي_فاضل_الزيرجاوي (هاشتاغ)
Ali_Fadil_Al-zirjawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟