علي فاضل الزيرجاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8627 - 2026 / 2 / 23 - 22:36
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
مقدمة: تفكيك الوهم السياسي
ينطلق هذا المقال من فرضية جوهرية مفادها أن "الوهم السياسي" ليس مجرد خطاب عابر أو زلة لسان، بل هو "بنية ذهنية متراكمة" وظاهرة إبستمولوجية في إنتاج المعرفة السياسية. هذا التعريف يغير من طريقة فهمنا للفشل السياسي؛ فهو لا يبرئ الجتمع كلياً، بل يحمّله مسؤولية معرفية تتمثل في التماهي مع هذا الوهم. وفي السياق العراقي تحديداً، نجد أن الخطاب الأخلاقي قد تحول إلى "قناع سياسي" فجّ. والمشكلة هنا ليست في الأخلاق ذاتها، بل في غياب الإطار المؤسسي الذي يحولها إلى ممارسة قابلة للمساءلة.
تشخيص العلة.. لماذا نغرق في الأخلاق ونفشل في السياسة؟
عندما نشرع في تشريح الأزمة السياسية في العراق، غالباً ما نصطدم بجدار سميك من "المفردات الأخلاقية" التي تهيمن على الخطاب العام. كلمات مثل (المظلومية، النصرة، الكرم، الخيانة، الشرف) تملأ الفضاء، بينما تغيب مفردات الدولة الحقيقية مثل (المصلحة، التوازنات، الردع، الجدوى الاقتصادية).
إن توصيف هذا الخطاب بأنه مجرد "قناع" تستخدمه السلطة لإخفاء فسادها هو توصيف صحيح، لكنه ناقص. المعضلة الأعمق تكمن في "بنية العقل السياسي" ذاتها، التي لا تزال تدير الدولة بمنطق "الواعظ الديني" أو "شيخ العشيرة"، لا بمنطق "رجل الدولة" البارد والمحاسب. إننا نعاني من تضخم مرضي في "أخلاق النوايا" مقابل ضمور مخيف في "أخلاق المسؤولية".
لفهم هذا، يجب استدعاء المشرط السوسيولوجي للمفكر ماكس فيبر وتمييزه الحاسم بين من يتصرف وفق "قناعاته" (أردت الخير لكن المؤامرة كانت أكبر) وبين من يتصرف وفق "المسؤولية" (أتحمل نتيجة قراري مهما كانت النوايا). مأساة العراق هي أننا نغفر للفاشل إذا كانت نواياه "طيبة" أو شعاراته "مقدسة"، بينما الدولة الحديثة لا تُبنى بالنوايا بل بالنتائج. من هنا، يصبح كسر "الوهم الأخلاقي" ضرورة وجودية لاستبدال "أخلاق الخطاب" بـ "أخلاق الإنجاز".
المحور الأول: تفكيك الأوهام التاريخية.. دروس مكيافيلي التي لم نتعلمها
لكي نثبت أن الدولة لا تُحكم بالفضيلة المجردة، علينا استعراض تجاربنا القاسية عبر عدسة "نيكولو مكيافيلي"، لنرى كيف أن إهمال قواعد القوة يؤدي إلى الكوارث:
* الكارثة الأمريكية في العراق (خطأ الشريك القوي): لم تكن واشنطن ضحية "نوايا طيبة" لنشر الديمقراطية، بل ضحية "غباء استراتيجي". بالعودة للفصل الثالث من كتاب "الأمير"، وقعت أمريكا في الخطأ الذي حذر منه مكيافيلي حين سمحت لنفوذ "الجار القوي" بمشاركتها الساحة. النتيجة كانت حتمية: الشريك القوي عمل لطرد الشريك الأول، وتحول العراق لساحة تصفية حسابات.
* أحمد الجلبي وتراجيديا "النبيل الساخط": لعب الجلبي دور "النبيل الساخط" لتسهيل دخول القوة الأجنبية. لكن الوهم كان في اعتقاده أنهم سيسلمونه المفاتيح. وحين أدرك أن أمريكا تطبق قاعدة "تحجيم الحلفاء"، سارع لكسر قواعد اللعبة واللجوء للطرف الإقليمي الآخر ليعيد التوازن، مثبتاً أن السياسة في العراق هي صراع بقاء وليست صراع مبادئ.
المحور الثاني: الواقعية القاسية.. كيف يفكر الآخرون؟
بينما ينشغل العقل السياسي العراقي بالجدل البيزنطي، تمارس دول المنطقة السياسة بمفهوم "الهندسة":
* النموذج الإسرائيلي (الاستيطان كاستراتيجية تكلفة): إسرائيل لا تمارس الاستيطان بدافع "ديني" فقط، بل هو تطبيق خبيث لنصيحة مكيافيلي بـ "زرع المستعمرات" كحامية عسكرية مجانية لتقليل التكلفة الأمنية للاحتلال. في المقابل، نواجه هذه الاستراتيجية الصلبة بـ "وعي احتجاجي" ومناشدات أخلاقية، لتضيع الأرض لأن "الجرافة" أقوى من "البيان".
* النموذج المصري-السعودي (الحرب الاستباقية): تعاملت هذه الأنظمة مع ملف التنظيمات الموازية (كالإسلام السياسي) بقاعدة الرومان التي امتدحها مكيافيلي: "عدم السماح للمرض بأن يستفحل". أدركوا أن الدولة لا تتعايش مع تنظيم ذي ولاءات عابرة للحدود، فاختاروا حماية الهيكل المؤسسي وتفضيل هيبة الدولة على المجاملة السياسية والأخلاقية.
المحور الثالث: التطبيق المعاصر.. فخ "السخاء" في العراق
بالعودة لواقعنا، نجد أمثلة مؤلمة لتغليب "الاستعراض الأخلاقي" على "الحسابات الاقتصادية".
يمكن قراءة المشهد عبر عدسة الفصل السادس عشر من "الأمير" (في السخاء والتقتير). سعت الحكومات لكسب سمعة "الأخ الأكبر" عبر إرسال المساعدات لدول الجوار. ظاهرياً، هو فعل "أخلاقي" نبيل. لكن واقعياً، وبسبب غياب الفائض الاقتصادي في دولتنا الريعية، أدى هذا "السخاء" إلى استنزاف الموارد، مما اضطر السلطة لفرض ضرائب غير مباشرة ورفع الأسعار لتعويض العجز.
هنا تتحقق نبوءة مكيافيلي المرعبة: السخاء الخارجي يستهلك الموارد ويجبر الأمير على إثقال كاهل شعبه، لتبدأ الكراهية في صدور الرعايا. الحاكم الحكيم (بنيوياً) يقبل بأن يوصف بـ "البخل" خارجياً، ليحافظ على رفاهية شعبه داخلياً.
(ورغم ذلك، تبرز ومضات من الوعي البنيوي، كموقف رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي برفض مشاركة قوات برية أجنبية في حرب التحرير، متجنباً فخ "القوات المعاونة"، ومكتفياً بالغطاء الجوي لضمان السيادة الوطنية).
المحور الرابع: خارطة الطريق.. من "رماة القوس" إلى هندسة الدولة
كيف نخرج من هذا الوهم؟ وكيف نحول "الهتاف" إلى "دولة"؟
* استراتيجية "رماة القوس" (التصويب العالي): يستعير مكيافيلي صورة الرماة الذين يصوبون أعلى من الهدف البعيد لعلمهم أن "قوة الجاذبية" (مقاومة الواقع) ستنزل السهم ليصيب الهدف. مشكلتنا أننا نصوب نحو أهداف "متواضعة"، فتسقط سهامنا في وحل الفساد. الوعي البنيوي يتطلب "تصويباً عالياً" (مشروع تغيير شامل، دستور جديد) لكي نتمكن من تحقيق الاستقرار المقبول.
* (مأسسة الاحتجاج): يعلمنا مكيافيلي أن "الأنبياء المسلحين هم وحدهم الذين انتصروا". لقد واجه حراك تشرين مأزقاً لأنه امتلك "الوعي الاحتجاجي النبيل" لكنه كان "نبياً أعزلاً". السلاح هنا ليس البندقية، بل هو "سلاح التنظيم والمؤسسة". الحل يكمن في تحويل الغضب إلى "كيانات ظل" تخصصية تراقب مؤسسات الدولة بالأرقام والبيانات لا بالشتائم، مما ينقل المعارضة من "الصراخ الأخلاقي" إلى "المساءلة التقنية".
الخاتمة: نحو سياسة بلا أقنعة
إن نزع "قناع الأخلاق" عن السياسة في العراق ليس دعوة للفجور، بل دعوة لـ "النضج". الدولة ليست تكية لتوزيع الحسنات، وليست منبراً للخطابة؛ إنها آلة عملاقة لإدارة الموارد والمخاطر.
حينما يتحدث المسؤول عن "المظلومية"، يجب أن يواجهه الوعي البنيوي بسؤال عن "الموازنة". وحينما يتحدث عن "السيادة"، نسأله عن "قدرات الردع". وحينما يتباهى بـ "مساعدة الجيران"، نسأله عن "مؤشر الفقر" في الداخل.
إن الطريق إلى "أمارجي" (الحرية) يمر عبر بوابة الواقعية القاسية. علينا أن نغادر طفولة "التمنيات" إلى رجولة "المؤسسات"، وأن ندرك أن التاريخ لا يرحم الضعفاء الطيبين، بل يحترم الأقوياء الذين يمتلكون -إلى جانب الحق- المخالب التي تحميه. هذا هو الدرس الذي يجب أن نحفره في عقل الدولة العراقية القادمة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟