أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي فاضل الزيرجاوي - تايوان الصينية والكويت العراقية: تشريح -عقدة الخنق الجغرافي- واستراتيجية الاسترداد الناعم














المزيد.....

تايوان الصينية والكويت العراقية: تشريح -عقدة الخنق الجغرافي- واستراتيجية الاسترداد الناعم


علي فاضل الزيرجاوي
(Ali Fadil Al-zirjawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 01:06
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


في عالم السياسة الواقعية ، لا تتحرك الدول بدافع الكراهية أو الحب، بل بدافع "عقدة الجغرافيا". عندما تنظر الصين إلى خريطة تايوان، فهي لا ترى مجرد جزيرة متمردة، بل ترى "سلسلة الجزر الأولى" التي تخنق أسطولها وتمنعه من الوصول للمياه العميقة في المحيط الهادئ. وإذا طبقنا نفس المشرط الجيوسياسي على خريطة الشرق الأوسط، سنجد أن العقل الاستراتيجي العراقي ينظر إلى الكويت بالمنظار ذاته؛ فالكويت تمثل "السدادة الجغرافية" التي صُممت خصيصاً لخنق عملاق بلاد الرافدين وحرمانه من التنفس البحري. من هذا المنطلق، تمثل عودة الكويت ضرورة جيوسياسية للعراق، وهو أمر حتمي يجب أن يتحقق على المدى الطويل، ولكن وفقاً لقواعد "لعبة الأمم" الماكرة، لا عواطفها المنفلتة.
الهندسة الكولونيالية وكماشة الجزر
لم تكن هذه الجغرافيا الخانقة نتاجاً لتطور طبيعي، بل هي هندسة كولونيالية بريطانية متعمدة. أدركت الإمبراطورية البريطانية مبكراً أن العراق يمتلك كل مقومات الإمبراطورية الإقليمية من مياه وزراعة وعمق ديموغرافي ونفط. ولمنع هذا المارد من التحول إلى قوة بحرية تهدد النفوذ البريطاني، تم فصل قضاء الكويت وتأسيسه ككيان عازل لسجن العراق برياً وتقليص إطلالته البحرية إلى شريط ضيق لا يتجاوز 58 كيلومتراً تحيط به المستنقعات. وتتعمق المشكلة في التموضع الجغرافي لجزيرتي وربة وبوبيان، اللتين تجلسان كـ "كماشة" على القناة الملاحية الوحيدة للعراق في خور عبد الله. إن من يسيطر على هذه الجزر يتحكم بعنق العراق الاقتصادي، وهو ما يفسر الصراع المينائي غير المعلن اليوم؛ فبناء "ميناء مبارك الكبير" ليس مشروعاً تنموياً، بل محاولة لإغلاق آخر رئة يتنفس منها "ميناء الفاو الكبير" في لعبة صفرية تفرضها قسوة الجغرافيا.
خطيئة 1990 وفخ الشرعية الدولية
لقد أدرك النظام العراقي السابق هذه العقدة، لكنه سقط في خطيئة استخدام "القوة الغبية" لفرض الأمر الواقع في عام 1990. الكارثة لم تقتصر على الدخول العسكري بحد ذاته، بل في العقيدة التي رافقته، حيث دخلت القوات كمحتلين دمروا ونهبوا، مع افتقار تام لأي غطاء أو دعم دولي مسبق. وبدلاً من تطمين المحيط الإقليمي بأن التحرك يقتصر على حل عقدة جغرافية، خلق النظام حالة من الرعب وتجاوز الحدود ليهدد الأراضي السعودية، محولاً العراق إلى تهديد مباشر استنفر العالم لتدمير بنيته التحتية. والأخطر من تدمير الجسور والدبابات، كان تدمير الموقف القانوني العراقي. فقبل ذلك التاريخ، كانت مسألة الحدود معلقة وقابلة للتفاوض، لكن التهور العسكري منح مجلس الأمن المبرر لإصدار القرار 833 الذي رسم الحدود دولياً وفرضها بالقوة تحت الفصل السابع، لتتحول خطوة فك الاختناق إلى علاج انتحاري أدى لوفاة المريض.
الكمون الاستراتيجي وبناء الداخل
في مواجهة هذا الواقع القانوني والجغرافي المعقد، يدرك العقل الواقعي أن اختراق القرارات الدولية وإلغاءها لا يتم بالصراخ المحلي ولا بافتعال حروب جديدة، بل يرتكز على عقيدة "الكمون الاستراتيجي". إن إصلاح هذا الخلل هو "مشروع أجيال" يحتاج لعقود، لأن الدولة التي تمتلك مؤسسات منخورة من الداخل واقتصاداً ريعياً هشاً لا يمكنها فرض شروطها على الخرائط. تتطلب هذه المرحلة الانكفاء التام نحو الداخل، وإعادة هيكلة مفهوم الدولة، واقتلاع الفساد، وبناء اقتصاد متين وجيش احترافي. وفي الوقت ذاته، يجب أن تظل الذاكرة الجيوسياسية حية؛ فالتركيز على الداخل لا يعني النسيان، بل يعني بناء القوة بهدوء والعمل بصمت، والاحتفاظ بالملفات الجغرافية في الذاكرة المؤسسية بانتظار اللحظة التاريخية المواتية.
اختراق النظام العالمي والابتلاع الناعم
لتحقيق هذا الاسترداد، يجب التحرك لاختراق "نادي الأقوياء" في مجلس الأمن من خلال شراء الفيتو عبر سياسة "الاعتماد المتبادل". يتحقق ذلك بتحويل العراق من عبء أمني إلى ضرورة اقتصادية للدول العظمى، عبر ربط أمنها القومي واقتصادها بالاستقرار العراقي. عندما تستثمر الصين مئات المليارات في "طريق التنمية"، وتدير شركات كبرى أمريكية وأوروبية موانئ ومصادر طاقة عراقية، فإن أي محاولة لخنق العراق بحرياً ستتحول إلى تهديد مباشر لمصالح تلك الدول، مما يدفعها لاستخدام نفوذها لتعديل القرارات الدولية لصالح بغداد. ويترافق هذا الاختراق الاقتصادي مع تسليح "القوة الناعمة"، حيث يجب استعادة مركزية العراق الثقافية والأكاديمية لجعل المساس به فضيحة دولية، مما يسقط الحواجز النفسية ويسهل عمليات الابتلاع الثقافي والاقتصادي للحدود المجاورة.
التذويب التدريجي للحدود
هذه الشبكة المعقدة من المصالح تقودنا إلى مرحلة "التذويب التدريجي" للحدود لجعلها بلا معنى على أرض الواقع قبل تعديلها قانونياً. مع تعافي العراق وتحوله إلى نمر اقتصادي، سيتمكن من طرح مبادرات تكامل قسري والسماح لرؤوس الأموال المجاورة بالاستثمار الكثيف في جنوبه، مما يخلق لوبيات داخل تلك الدول مرتبطة مصلحياً ببغداد. ومع مرور الزمن، تتطور الأمور لطرح أفكار مثل الإدارة المشتركة للممرات المائية لتسهيل التجارة. وفي أي تسوية إقليمية كبرى مقبلة، وبدعم من حلفائنا الجدد في مجلس الأمن، سيطرح العراق تعديلاً قانونياً يمر بسلاسة كتحصيل حاصل لواقع فُرض مسبقاً بذكاء العقول.

إن حل المشاكل الداخلية هو الأولوية المطلقة، لكنه أبداً ليس مبرراً للتنازل عن الجغرافيا. هذا هو الفرق الجوهري بين انتحار المتهورين الذي دمرنا في الماضي، وبين صبر العقول الباردة التي تبني الدول العظمى وتنتظر لحظتها. السيادة والاستقلالية لا تُسترد بأصوات المدافع العمياء، بل تُسترد عندما تصبح الدولة قوية، غنية، ومتشابكة المصالح لدرجة تجعل المجتمع الدولي بأسره يقر بحقها الطبيعي في التنفس والتمدد.



#علي_فاضل_الزيرجاوي (هاشتاغ)       Ali_Fadil_Al-zirjawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرادع المؤقت (هرمز)، لماذا إيران متمسكة بالسلاح النووي؟ وأي ...
- فخ الهيبة: لماذا لن توقف الانتخابات النصفية الأمريكية عجلة ا ...
- نحو جمهورية قوية وأصيلة: لماذا تُعد -الليبرالية المحافظة- ال ...
- العراق ما بعد النظام الإيراني: بين زلزال المخاطر وفرصة الخلا ...
- كيف يتحول الخطاب الأخلاقي إلى قناع؟ أمثلة مقاربة في الوهم ال ...


المزيد.....




- إيران وباكستان تجتمعان الخميس لـ-مناقشة الرسائل المتبادلة- م ...
- إدارة ترامب تطالب شركات السيارات بتصنيع أسلحة
- بين الضغط والمفاوضات.. ترامب يتحدث مجددا عن إنهاء حرب إيران ...
- تفاصيل أول لقاء بين حماس وواشنطن منذ وقف إطلاق النار
- بعد اعتراف روسيا.. اتفاق بشأن -كارثة الطائرة الأذربيجانية-
- نزار آميدي.. لماذا تجعل حرب إيران مصير رئيس العراق الجديد مع ...
- أربعة سيناريوها لما قد يحدث في الصراع الأمريكي الإيراني
- غلاف مجلة إيطالية يغضب إسرائيل..ما القصة؟
- مضيق هرمز يضع الصين أمام معادلة صعبة.. فهل تراهن على الدبلوم ...
- ترقُّب وقف إطلاق النار وصراع صلاحيات.. ماذا قالت شاشات إسرائ ...


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - علي فاضل الزيرجاوي - تايوان الصينية والكويت العراقية: تشريح -عقدة الخنق الجغرافي- واستراتيجية الاسترداد الناعم