أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي فاضل الزيرجاوي - هندسة الخرس: كيف تستخدم السلطة -الخطاب التعبوي- كاستراتيجية للبقاء؟دورة وعي أمارجي














المزيد.....

هندسة الخرس: كيف تستخدم السلطة -الخطاب التعبوي- كاستراتيجية للبقاء؟دورة وعي أمارجي


علي فاضل الزيرجاوي
(Ali Fadil Al-zirjawi)


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 23:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الديمقراطيات المستقرة، تقوم السياسة على ما يسميه الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس بـ "الفعل التواصلي" ، أي أن النخب والمجتمع يدخلون في حوار عقلاني للوصول إلى "تفاهم" حول المصلحة العامة. الشرعية هنا تُولد من "قوة الحجة".
أما في العراق، فقد حدث انزياح خطير نحو نقيضه تماماً: "الخطاب التعبوي" . هنا، اللغة ليست أداة للتفاهم، بل "سلاح" للتحشيد. السياسي لا يتكلم ليُقنعك ببرنامجه، بل ليخيفك من "الآخر" أو ليثير غرائزك الانتمائية.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأسلوب، بل هو عملية ممنهجة لـ "تجريف المعنى"، مما أنتج دولة "صماء" تتكلم ولا تسمع، وبالتالي دولة فاقدة للشرعية الأخلاقية.
المحور الأول: ميكانيكا التفريغ.. كيف يقتل التعبئة المعنى؟
الخطاب التعبوي يعمل مثل "الطفيلي"؛ يقتات على قشرة المفهوم السياسي ويفرغه من لبه العقلاني.
1. اختزال المعقد إلى "شعار"
السياسة بطبيعتها معقدة (موازنة، أمن، خدمات). الخطاب التواصلي يحاول تفكيك هذا التعقيد وشرحه (مثلاً: "نحتاج رفع سعر الصرف لدعم الصناعة").
أما الخطاب التعبوي فيكره التعقيد، ويلجأ إلى "التبسيط المخل":
بدلاً من شرح الأزمة الاقتصادية، يختزلها في شعار: "المؤامرة الخارجية".
النتيجة: تم تفريغ مفهوم "السياسة الاقتصادية" من معناه العلمي، وتحويله إلى "سردية بطولية" وهمية. المواطن لم يعد يفهم الاقتصاد، بل أصبح "مشحوناً" ضد عدو وهمي.
2. تحويل "الخصم السياسي" إلى "عدو وجودي"
في الخطاب التواصلي، الآخر هو "شريك في الوطن" نختلف معه في الرؤية.
في الخطاب التعبوي، الآخر هو "عميل"، "خائن"، "داعشي"، "ذيول".
أثر ذلك على المعنى: تم تفريغ مفهوم "المعارضة" من معناه الديمقراطي (الرقابة والتصويب) ليصبح معناه "الخيانة". عندما تُفرغ المعارضة من شرعيتها، تموت السياسة وتتحول إلى "حرب أهلية باردة".
3. التضخم اللفظي
كلما قل الإنجاز على الأرض، زاد "الصراخ" في الخطاب.
يتم استخدام كلمات كبرى: "الملحمة"، "الفتح"، "السيادة المطلقة".
أثر ذلك: تفقد الكلمات وزنها. عندما يسمع المواطن كلمة "إنجاز تاريخي"
(تذكرت هنا لشخص ظهر في مواقع التواصل وهو يقول انجاز تاريخي لبغداد قدوم سكة الترام في شارع الرشيد 😂😅) وهو يرى شارعاً مبلطاً بشكل سيء، يحدث "تضخم" في اللغة يشبه التضخم المالي؛ العملة (الكلمة) تفقد قيمتها الشرائية (المصداقية).
المحور الثاني: هابرماس في بغداد.. أزمة الشرعية
كيف يؤثر هذا "الخرس التواصلي" على شرعية الدولة؟
يرى هابرماس أن الشرعية في الدولة الحديثة لا تأتي من "التراث" (الدين/العشيرة) ولا من "القوة" (الشرطة)، بل تأتي حصراً من "المداولات العقلانية" في المجال العام.
1. الشرعية "الإجرائية" vs الشرعية "التواصلية"
النظام السياسي العراقي يمتلك "شرعية إجرائية" (انتخابات، برلمان، تواقيع). لكنه يفتقر بشدة إلى "الشرعية التواصلية".
وفق هابرماس، القوانين تكون شرعية فقط إذا قبل بها المتأثرون بها من خلال "حوار حر".
في العراق، القرارات تُطبخ في "غرف مظلمة" (توافقات الزعماء) ثم تُرمى على الجمهور عبر "خطاب تعبوي" (اقبلوها أو تحل الكارثة).
النتيجة: الدولة تبدو في نظر هابرماس كـ "نظام تقني" استعمر عالم الحياة . هي "قوة قاهرة" وليست "سلطة شرعية". المواطن يطيعها خوفاً أو طمعاً، لا اقتناعاً.
2. تدمير "المجال العام"
المجال العام هو المكان الذي يتناقش فيه المجتمع (المقاهي، الإعلام، الجامعات). الخطاب التعبوي سمم هذا المجال.
* بدلاً من أن يكون الإعلام ساحة للنقاش العقلاني ، تحول إلى "حلبة صراخ". الجيوش الإلكترونية لا تحاور، بل "تغتال معنوياً".
هذا الاغتيال للنقاش يعني أن الدولة فقدت "حاسة السمع". هي لا تعرف ماذا يريد الناس حقاً، والناس لا يعرفون ماذا تفعل الدولة. هذا الانقطاع هو الوصفة المثالية لسقوط الأنظمة.
المحور الثالث: الكلفة السياسية (دولة المونولوج)
عندما يتحول الخطاب من تواصل إلى تعبئة، تتحول الدولة من "كيان سياسي" إلى "كيان عقائدي/زبائني".
1. سيادة "المونولوج"
السلطة في العراق تتحدث مع نفسها. الزعيم يخطب أمام أتباعه المصفقين فقط. لا توجد مناظرات تلفزيونية حقيقية بين الزعماء (كما في الغرب) لأن المناظرة تتطلب "تفاعلاً" وتعرية للحقائق، بينما التعبئة تتطلب "تلقيناً".
الدولة التي تعيش في "مونولوج" تصبح غبية استراتيجياً، لأنها لا تسمع أجراس الإنذار (كما حدث في تشرين 2019).
2. هشاشة الاستقرار
الشرعية القائمة على التعبئة (العاطفة) هشة جداً وتتطلب "جرعات مستمرة" من الأزمات. لكي يبقى الزعيم التعبوي قائداً، يجب أن يخلق دائماً "خطراً داهماً" ليحشد الناس حوله.
هذا يعني أن الدولة لا يمكن أن تستقر أبداً. الاستقرار هو عدو الخطاب التعبوي، لأن الاستقرار يتطلب لغة "أرقام وحقائق" باردة، بينما التعبئة تتطلب لغة "دم ونار".
الخلاصة: العودة إلى "الكلام السوي"
التحول إلى الخطاب التعبوي لم يفرغ المفاهيم من معناها فحسب، بل "جفف منابع الشرعية" للدولة.
وفق منظور هابرماس، الدولة العراقية تعاني من "أزمة شرعية" بنيوية، لأنها عاجزة عن تبرير وجودها من خلال الحوار العقلاني، وتعتمد بدلاً من ذلك على "الرشوة" (التعيينات) أو "التخويف" (التعبئة الطائفية).
الحل الهابرماسي:
لا يمكن استعادة شرعية الدولة إلا باستعادة "شرف الكلمة". وهذا يعني:
الخروج من "شرنقة التعبئة" إلى "فضاء التواصل".
أن يمتلك السياسي الشجاعة ليقول "الحقيقة المرة" بدلاً من "الكذبة المريحة".
إحياء "المجال العام" حيث تكون الحجة الأقوى هي التي تسود، وليس الصوت الأعلى.
الدولة التي لا تستطيع أن "تتكلم" مع مواطنيها بلغة مفهومة وصادقة، هي دولة محكوم عليها بأن تظل "غريبة" ومهددة بالسقوط عند أول ريح، لأنها بلا جذور في وعي الناس .



#علي_فاضل_الزيرجاوي (هاشتاغ)       Ali_Fadil_Al-zirjawi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تايوان الصينية والكويت العراقية: تشريح -عقدة الخنق الجغرافي- ...
- الرادع المؤقت (هرمز)، لماذا إيران متمسكة بالسلاح النووي؟ وأي ...
- فخ الهيبة: لماذا لن توقف الانتخابات النصفية الأمريكية عجلة ا ...
- نحو جمهورية قوية وأصيلة: لماذا تُعد -الليبرالية المحافظة- ال ...
- العراق ما بعد النظام الإيراني: بين زلزال المخاطر وفرصة الخلا ...
- كيف يتحول الخطاب الأخلاقي إلى قناع؟ أمثلة مقاربة في الوهم ال ...


المزيد.....




- مصدران لـCNN: مقتل شخص على الأقل في هجوم مسلح على المركز الإ ...
- -جنوح سفينة تحمل أغنامًا قبالة سلطنة عُمان بعد هجوم بمُسيرات ...
- ترامب يعلن إرجاء هجوم على إيران ويتوعدها بـ-شن هجوم واسع وشا ...
- إيران: الناشطة نرجس محمدي تعود إلى بيتها بعد خروجها من المست ...
- الحكومة تسلمت عين العرب.. هل تجاوز اتفاق دمشق و-قسد- مرحلة ا ...
- الجيش السوداني يعلن بسط سيطرته على منطقتين في النيل الأزرق
- صراع القوى العظمى للسيطرة على ليبيا (الجزء الأول)
- قبل لحظات من تدهور الطقس.. شاهد طاقم مراقبة حيتان ينقذ رجلين ...
- في نهائي مشحون سياسيًا.. بلغاريا تتوج بـ-يوروفيجن- متفوقة عل ...
- ترامب يعلن تأجيل -هجوم مخطط له- على إيران بعد تدخل قادة السع ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي فاضل الزيرجاوي - هندسة الخرس: كيف تستخدم السلطة -الخطاب التعبوي- كاستراتيجية للبقاء؟دورة وعي أمارجي