حازم القصوري
محام/ خبير الشؤون السياسية و الأمنية
(Hazem Ksouri)
الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 23:41
المحور:
الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
في عالم يتغيّر بسرعة وتتبدل فيه موازين القوى، تبرز الصين كقوة صاعدة تعتمد مقاربة مختلفة عن النماذج التقليدية في السياسة الدولية. فهي لا تتحرك بمنطق الضجيج الإعلامي أو المواجهة المباشرة، بل بمنطق التدرّج، والتخطيط الطويل المدى، وبناء النفوذ عبر الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية.
ليست الصين ظاهرة جديدة في التاريخ، لكنها اليوم تعيد تقديم نفسها بشكل مختلف: دولة تجمع بين إرث حضاري ممتد لآلاف السنين، ونموذج اقتصادي حديث جعلها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وفاعلًا مركزيًا في التجارة الدولية وإعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي.
وتقوم فلسفة هذا الصعود على ما يمكن وصفه بـ“القوة الهادئة”، حيث يتم توسيع النفوذ عبر الاستثمار، والبنية التحتية، والمبادرات العابرة للحدود مثل “الحزام والطريق”، بما يجعل الجغرافيا شبكة مصالح مترابطة بدل أن تكون مجرد حدود فاصلة بين الدول.
على المستوى التكنولوجي، لم تعد الصين مجرد “مصنع العالم”، بل أصبحت لاعبًا رئيسيًا في مجالات الذكاء الاصطناعي، الاتصالات، الطاقة المتجددة، والمدن الذكية، وهو ما يعزز انتقالها التدريجي من اقتصاد كمي إلى اقتصاد نوعي قائم على الابتكار.
سياسيًا، تعتمد الصين خطاب السيادة وعدم التدخل، ما يمنحها مرونة واسعة في علاقاتها الدولية، خصوصًا مع دول الجنوب التي تبحث عن بدائل للنماذج الغربية التقليدية في التنمية والشراكات.
وفي قلب هذا التصور السياسي تبرز عبارة أصبحت شبه مرجعية في الخطاب الرسمي المعاصر:
“空谈误国、实干兴邦”
أي: الكلام الفارغ يضرّ بالوطن، والعمل الحقيقي ينهض به، وهي فكرة ارتبطت برؤية Xi Jinping، وتعكس فلسفة تقوم على تغليب الإنجاز العملي على الخطاب النظري.
هذا التوجه يترجم في سياسات تعتبر أن شرعية الأداء السياسي تُقاس بقدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة: مكافحة الفقر، تطوير البنية التحتية، تحديث الاقتصاد، وتعزيز القوة التكنولوجية. ومن هنا يُقدَّم النموذج الصيني بوصفه نموذج “الدولة المنجزة” أكثر من كونه دولة الخطاب.
لكن هذا الصعود لا يخلو من تحديات معقدة، مثل الضغوط الديمغرافية، حدة التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، وإشكاليات التوازن بين الانفتاح الاقتصادي والرقابة المركزية. ومع ذلك، يبقى المسار العام قائمًا على رؤية طويلة المدى لا تُدار بمنطق اللحظة، بل بمنطق الزمن الممتد.
في المحصلة، تبدو الصين اليوم أكثر من مجرد قوة اقتصادية صاعدة؛ إنها مشروع استراتيجي يعيد صياغة مركز الثقل العالمي بهدوء، خطوة بعد خطوة، وبإيقاع ثابت يجعل تأثيره يتراكم بمرور الوقت بدل أن يُعلن دفعة واحدة.
#حازم_القصوري (هاشتاغ)
Hazem_Ksouri#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟