حازم القصوري
محام/ خبير الشؤون السياسية و الأمنية
(Hazem Ksouri)
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:23
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
الحاضر
على هامش زيارتي لمدينة القيروان، هذه الحاضرة الإسلامية العريقة والمنارة الحضارية التي شكّلت عبر قرون طويلة أحد أعمدة التاريخ التونسي والمغاربي، يفرض الواقع نفسه بسؤال جوهري: كيف لمدينة بهذا الثقل الرمزي والديني والعلمي أن تظلّ أسيرة اختلالات تنموية ومؤسساتية لا تليق بمكانتها ولا بدورها المنتظر؟
القيروان لم تكن يومًا مجرد مدينة، بل كانت مشروع دولة، ومركز إشعاع فقهي وعلمي، ومنها انطلقت مفاهيم العدل والتنظيم والعمران في بلاد المغرب. غير أنّ الوفاء الحقيقي لهذا الإرث لا يكون بالاكتفاء باستحضار الماضي، بل بتحويله إلى دافع عملي لإعادة البناء والتطوير. ومن هذا المنطلق، يبدو من الضروري أن تتحول القيروان اليوم إلى ورشة وطنية كبرى لإعادة تأهيل البنية التحتية وتحديث المرافق العمومية والارتقاء بجودة الخدمات.
وتحتل المؤسسات العمومية موقعًا محوريًا في هذا المسار، وفي مقدمتها المحكمة الابتدائية، باعتبارها فضاء العدالة الأولى وواجهة الدولة في علاقتها بالمواطن. فعدالة ناجزة لا تستقيم دون فضاءات لائقة، وتنظيم فعّال، وظروف عمل تحفظ كرامة المتقاضين والعاملين على حدّ سواء. إن تطوير المؤسسة القضائية في القيروان ليس مطلبًا محليًا فحسب، بل هو جزء من معركة أوسع لترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
وتتضاعف أهمية هذا الرهان خاصة وأن القيروان ستحتضن بعد ثلاث سنوات مشروعًا طبيًا كبيرًا من شأنه أن يحوّلها إلى قطب صحي جهوي، وربما وطني. هذا المشروع لا يمكن أن ينجح في فراغ، بل يتطلب محيطًا حضريًا ومؤسساتيًا متماسكًا: طرقات مهيّأة، نقل فعّال، خدمات إدارية ناجعة، وقضاء قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي سترافق هذا الاستثمار الاستراتيجي.
إن القيروان اليوم أمام فرصة تاريخية حقيقية: إما أن تظلّ أسيرة التناقض بين مجد الماضي وهشاشة الحاضر، أو أن تنخرط في مسار إصلاحي جاد يعيد لها دورها الطبيعي مدينةً للعدل، وللخدمة العمومية، وللتنمية المتوازنة. فالقيروان لا تطلب امتيازًا، بل تطالب بحقّها المشروع في أن تكون، كما كانت دائمًا، مدينة مؤسسة لا مدينة مهمّشة، ومنارة فعل لا مجرد ذاكرة.
#حازم_القصوري (هاشتاغ)
Hazem_Ksouri#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟