أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد شيخو - جيوسياسية الانكسار والتحول: الشرق الأوسط في أعقاب -حرب الخليج الرابعة-















المزيد.....

جيوسياسية الانكسار والتحول: الشرق الأوسط في أعقاب -حرب الخليج الرابعة-


أحمد شيخو
كاتب وباحث سياسي

(Ahmed Shekho)


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 21:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مع حلول ربيع 2026، وفي أعقاب حرب الأربعين يوماً ، لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد رقعة جغرافية تشهد نزاعاً عابراً، بل دخلت منعطفاً تاريخياً هو الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. إن حرب الخليج الرابعة ليست مجرد صدام بين ترسانات عسكرية ومواجهات استخباراتية وسيبرانية، بل مثّلت نقطة انعطاف مصيرية وانكسار بنيوية أعادت صياغة فلسفة الأمن الإقليمي. ومع انخفاض حدة العمليات الحركية (Kinetic Operations) وتراجع وتيرة الاشتباك المباشر مرحلياً بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران، يبرز السؤال المركزي في دوائر التحليل الاستراتيجي: هل نحن أمام ولادة نظام أمني مستدام، أم أننا بصدد الانتقال إلى مرحلة الفوضى المهيكلة ؟ خاصة وأن تعثر مفاوضات إسلام آباد يشير إلى استمرار الفجوة —في ظل تباين الأولويات— بين الأيديولوجيا والواقعية السياسية، ومشاريع التوسع والهيمنة الإقليمية والدولية.
تآكل الردع التقليدي وتقويض "الصبر الاستراتيجي"
لقد أحدثت المواجهة الأخيرة تحولاً جذرياً في "براداييم" (Paradigm) الصراع؛ حيث تآكلت استراتيجية "الصبر الاستراتيجي" التي اعتمدتها القوى الإقليمية لسنوات كأداة لتجنب الصدام المباشر وتقليل تداعيات الحروب الشاملة. وتشير القراءة الأكاديمية لنتائج الحرب إلى انحسار نموذج "حروب الوكالة" (Proxy Wars) لصالح نمط جديد من "المواجهة المباشرة بين الرؤوس"؛ إذ بات الفاعلون من غير الدول (الوكلاء) يؤدون أدواراً تكميلية، بدلاً من كونهم السواتر الوحيدة والأساسية للصراع.
هذا التحول أضعف —إلى حد بعيد— نظريات الردع التقليدية القائمة على الجغرافيا؛ فدخول الصواريخ "فرط الصوتية" والباليستية وتقنيات الذكاء الاصطناعي الهجومي في المعادلة، ألغى المفهوم الكلاسيكي لـ "المناطق العازلة". لقد أصبح "العمق الاستراتيجي" لكافة الأطراف ساحة مكشوفة، مما يعني أن التفوق العسكري لم يعد يُقاس بالقدرة التقليدية على حشد القوات البرية، بل بالقدرة على شلّ قدرات الخصم في الفضاءين السيبراني والمعلوماتي قبل إطلاق الرصاصة الأولى، مدعوماً بجهد استخباراتي مكثف وعمليات معلوماتية دقيقة أصبحت هي المحرك الفعلي لنتائج المواجهة.
هندسة التوازنات: نحو تحالفات تكنولوجية-سيادية
يتجه الإقليم نحو إعادة تعريف جذري لمفهوم "القوة" (Power Politics)؛ إذ لم يعد التفوق حكراً على من يمتلك الضخامة العددية في الجيوش التقليدية —رغم استمرار أهميتها الحيوية— بل بات يميل لصالح من يسيطر على "ناصية التكنولوجيا الدفاعية". ومن المرجح أن نشهد في المستقبل القريب بوادر تشكل "محاور أمنية رقمية" ترتكز بصفة أساسية على الذكاء الاصطناعي السيادي. إن هذا النمط من التحالفات سيخلق فجوة أمنية كبرى بين الدول "المنتجة للتكنولوجيا" وتلك "المستهلكة" لها، مما قد يضع الأخيرة في حالة "انكشاف أمني دائم" يعيد إنتاج علاقات التبعية بنماذج تقنية حديثة وأكثر تعقيداً.
الأمن الوطني: من "المظلات الدولية" إلى "الاستقرار البنيوي والاعتمادية الذاتية"
وضعت هذه الحرب —بما رافقها من استهدافات غير مقبولة ومرفوضة جملة وتفصيلاً طالت سيادة دول المنطقة وخاصة العربية وبنيتها التحتية الحيوية— العواصم الإقليمية أمام استحقاق تاريخي يفرض مراجعة جدوى الرهان الكلي على المظلات الأمنية الدولية. فهذه الحرب، ومن قبلها دروس التاريخ، تثبت أن الأولويات الاستراتيجية للقوى الكبرى تتسم بالسيولة؛ إذ إن ما يُصنف "حليفاً استراتيجياً" بالأمس، قد يتحول إلى "عبء سياسي" اليوم تبعاً لمصالح تلك القوى. لذا، يبرز مفهوم "القرار السيادي المستقل" ليس كشعار دبلوماسي، بل كضرورة وجودية لضمان البقاء وحماية المقدرات الوطنية من الانتهاكات.
إن الانتقال من "صيغة التبعية" إلى "الشراكة الندية" يقتضي بناء منظومات دفاعية بقرار وطني ذاتي، وهو مسار لا يمكن تحقيقه دون تطوير الخبرات الأمنية الوطنية وتمتين "الجبهة الداخلية". وهنا يبرز البعد السوسيولوجي للأمن؛ فالدولة القوية لا تُقاس فحسب بامتلاكها ترسانة عسكرية ضخمة، بل بقدرتها على إدماج كافة مكوناتها المجتمعية في مشروع "البناء الوطني". إن حل القضايا العالقة ومنح الشعوب دوراً حقيقياً في الإدارة والمشاركة السياسية يمثل "الرافد الأمني" الأقوى في مواجهة التدخلات الخارجية، والضمانة الأساسية لسد الثغرات ومنع الاختراقات الاستخباراتية التي يحاول الخصوم استغلالها عبر الشروخ الداخلية.
المجتمعية وبناء السلام من الداخل
في ظل تآكل هياكل "الدولة القومية" التقليدية في المنطقة، والتي أثبتت التجربة عجزها عن حماية مجتمعاتها أمام الأعاصير الجيوسياسية، تبرز الحاجة الملحة إلى نماذج سياسية وطنية ديمقراطية أكثر مرونة وتشاركية. إن الانتقال من عقلية "إدارة الأزمات" من الأعلى إلى الأسفل، نحو عقلية "صناعة الاستقرار" من القاعدة إلى القمة، يتطلب تبني سياسات تعزز دور المجتمعات المحلية في حماية أمنها واستقرارها، بعيداً عن تجاذبات صراعات المحاور الكبرى.
إن السلام المستدام في المشهد الإقليمي لا يمكن استيراده عبر اتفاقيات دولية هشّة أو صفقات فوقية، بل يُشيد عبر "عقد اجتماعي-أمني" جديد يحترم التنوع، ويؤمن المصالح الحيوية لكافة المكونات الوطنية —الإثنية والدينية— بالتوازي مع تأمين الحلول السياسية الديمقراطية والسلمية للقضايا الوطنية العادلة والكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها القضيتان الفلسطينية والكردية، وغيرها من الملفات العالقة. إن هذا النهج هو الكفيل بتحويل التعددية من ثغرة أمنية يستغلها الخصوم إلى ركيزة صلبة للاستقرار الوطني والإقليمي الشامل.
سيناريوهات "اليوم التالي": قراءة في الاحتمالات الجيوسياسية
تتأرجح المنطقة أمام ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى، يحدد كل منها وجهة المشهد الإقليمي لسنوات قادمة:
1. سيناريو "الوفاق الإجباري" (The Forced Consensus): ينطلق هذا المسار من مبدأ "توازن الرعب" والإنهاك المتبادل؛ حيث تدرك الأطراف كافة أن الانزلاق نحو مواجهة شاملة ومفتوحة يعني انتحاراً اقتصادياً وبيئياً وسياسياً جماعياً. هذا الإدراك قد يشكل قوة دفع استثنائية نحو صياغة "عقد أمني إقليمي شامل" يضمن سيادة الدول، ويؤمن ممرات الطاقة والملاحة الدولية، ويضع حداً للمشاريع التوسعية.
2. سيناريو "الفوضى الرمادية" (Grey Zone Chaos): استمرار حالة "الاستنزاف المتبادل" ضمن منطقة الرماد؛ حيث لا حرب شاملة تحسم الصراع، ولا سلم حقيقي يهيئ المناخ للتنمية المستدامة. في هذا المسار، تظل المنطقة رهينة لصراعات منخفضة الكثافة واستنزاف مقصود للموارد، تُدار عبر الفضاء السيبراني، والحروب الاقتصادية، وبؤر التوتر المحلية التي تُحرك عن بُعد.
3. سيناريو "الانهيار الكبير وإعادة الترسيم": وهو المسار الأكثر قتامة؛ حيث يؤدي انسداد الأفق الدبلوماسي وفشل المفاوضات إلى صدام واسع النطاق يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية. هذا السيناريو كفيل بتغيير خرائط المنطقة جذرياً، وقد يؤدي إلى تفكك كيانات سياسية قائمة وولادة أخرى جديدة، بما يتوافق مع "مقتضيات النظام العالمي الجديد" الذي يتشكل حالياً على أنقاض التوازنات القديمة.
خاتمة: الجراحة القيصرية والمولود الجديد
إن حرب الخليج الرابعة، رغم مآسيها وتداعياتها العميقة، ليست مجرد "جرس إنذار"، بل مثّلت "جراحة قيصرية" مؤلمة لنظام إقليمي كان يعاني من حالة استعصاء بنيوي وتراجع في وزنه الاستراتيجي للقوى الدولية، في وقت كان يشهد فيه محاولات محمومة لتنفيذ مشاريع توسعية عابرة للحدود. إن ملامح المشهد الإقليمي القادم ستتحدد بناءً على قدرة النخب السياسية والمجتمعات على إدراك حقيقة أن "الأمن لا يُستورد"، وأن الاستقرار المستدام يقتضي شجاعة في تقديم التنازلات الداخلية لتمتين العقد الاجتماعي الوطني؛ باعتباره حائط الصد الذاتي الأول ضد التحديات والتدخلات الخارجية.
كما يفرض الواقع الجديد ضرورة الانتقال نحو احترافية عالية في معرفة وإدارة العلاقات الخارجية، ترتكز على توازن المصالح بدلاً من صيغ التبعية والارتهان، مع تعزيز العمل الإقليمي المشترك كضرورة جيوسياسية ملحة، وتفعيل العمل العربي المشترك كركيزة أساسية لصد محاولات الهيمنة، وتحويل المنطقة من مجرد ساحة لتصفية حسابات القوى إلى فاعل استراتيجي في النظام العالمي. إن الإيمان بأن القوة الحقيقية تنبع من التلاحم بين الدولة والمجتمع، ومن القدرة على بناء كتلة إقليمية متماسكة أمنية بقرار سيادي مستقل، هو السبيل الوحيد للتحرر من ارتهانات القوى الكبرى التي لا تعترف إلا بلغة المصالح المتغيرة، والضمانة الوحيدة لولادة نظام إقليمي يحقق السيادة والكرامة لشعوب ودول المنطقة قبل فوات الأوان.



#أحمد_شيخو (هاشتاغ)       Ahmed_Shekho#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متلازمة -قادش- والعبور نحو الجمهورية الديمقراطية: قراءة بنيو ...
- نوروز الحرية والوحدة الديمقراطية
- اليوم التالي في إيران بعد الحرب: قراءة في التحولات المحتملة
- الشرق الأوسط بين صراعات الهيمنة وضرورة البديل الديمقراطي الذ ...
- سوريا بين الإسلاموية والديمقراطية
- المرحلة الانتقالية في سوريا: مسار متعثر وسط تحديات هائلة
- عملية السلام والمجتمع الديمقراطي: نحو الجمهورية الديمقراطية
- بين المبادرة والمماطلة: مستقبل عملية السلام والمجتمع الديمقر ...
- تحديات المرحلة الانتقالية فى سوريا وتجاوزها
- نحو إعادة صياغة العلاقة بين الكرد والدولة التركية
- سوريا من الأسد إلى الشرع… ماذا تغير؟
- شعوب الشرق الأوسط بين المجتمعية والدولة القومية
- جدلية المجتمع والدولة: منبع الأزمة وطريق الحل
- سوريا بين الأمس واليوم: هل تم التغيير؟
- الشرق الأوسط بين السلام والحرب
- ترتيبات المشهد وتقاسم النفوذ ونداءعودة العلاقات التاريخية
- نوروز... مسيرة الشعوب نحو السلام والمجتمع الديمقراطي
- المؤامرة الدولية ومشروع القائد عبدالله أوجلان للحل الديمقراط ...
- تكامل ميزوبوتاميا والأناضول.. العلاقة الكردية-التركية
- مستقبل سوريا بين التشاركية الديمقراطية والاحادية الدكتاتورية


المزيد.....




- هذه 10 من أشهر أنواع الفطائر حول العالم
- عراقجي يتحدث عن -معاناة حقيقية- لتداعيات حرب إيران على أمريك ...
- الجيش الإسرائيلي يدعو لإخلاء تسع قرى في جنوب لبنان قبل شن هج ...
- عاجل.. وسائل إعلام عراقية: دوي انفجارات في منطقة الكرادة ببغ ...
- في ظل الحصار الأمريكي.. استعادة الكهرباء بكوبا بعد انقطاع وا ...
- مستقبل الروبوتاكسي.. 16 حادثا تهز ثقة العالم بالقيادة الذاتي ...
- رقبتك تتألم من الهاتف؟ الحلول عند سائقي -فورمولا 1-
- شهيد برصاص الاحتلال في جنين وإصابات بهجمات مستوطنين في الخلي ...
- بعد جولة ترامب.. بوتين يحدد موعد زيارة الصين
- العراق.. كشف حقيقة أصوات الانفجارات في بغداد


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أحمد شيخو - جيوسياسية الانكسار والتحول: الشرق الأوسط في أعقاب -حرب الخليج الرابعة-