أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رزكار عمر - ذكرى ثورة 1968 في فرنسا















المزيد.....

ذكرى ثورة 1968 في فرنسا


رزكار عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 11:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في أيار من هذا العام (٢٠١٨)، تمر نصف قرن على ثورة الطلاب والعمال في فرنسا. لفهم هذه الثورة، يجب علينا تسليط الضوء على العناصر الأساسية المكونة للعالم في ذلك العصر. في ذلك الوقت، كان العالم يعيد تعريف نفسه وسط موجة من الأحداث الكبرى، خاصة من الناحية السياسية وانبعاث "الأمل" مجدداً في الحركة اليسارية، التي لم تكن تهيمن فقط على حركة الطبقة العاملة والفئات الأخرى، بل أصبحت الراية السياسية والمنظور العالمي لحركة الطلاب، ليس في فرنسا فحسب، بل في معظم الدول التي شهدت صراعات كبرى.
إحدى الخصائص الهامة لهذه الثورة، خاصة في جوهرها الإداري، كانت تمثلاً في تمرد دقيق ليس فقط ضد النظام الرأسمالي، بل كان تمرداً أيضاً ضد الكتلة التاريخية التي احتكرت هوية اليسار على مستوى العالم. فعلى الصعيد الدولي، وضمن سلسلة الأحداث التاريخية التي سبقت الثورة، وقع حدث مفصلي كسر تابوهاً كبيراً، وهو "تقرير خروتشوف" ضد نمط حكم ستالين في عام 1956 بعد وفاته. هذا التقرير، الذي صدر من مركز ذلك النموذج للشيوعية في القرن العشرين، أحدث شرخاً في الجدار البيروقراطي الذي كان يمنع جيلاً جديداً من الشباب الشيوعيين من إعادة بناء البديل الشيوعي رؤيةً وممارسةً. بعد تقرير خروتشوف، كان هناك نوعان من التعامل معه: العالم الرأسمالي في الكتلة الغربية حوله إلى أداة بروباغندا في الحرب الباردة ضد الشيوعية، أما النوع الآخر فكان استغلال هذه الفرصة لصالح الشيوعية.
كان الموقف الرسمي لمعظم نضالات الطلاب والحركة العمالية في أوائل الستينات يتمثل في تجديد وإغناء الشيوعية وتطعيمها برؤى جديدة وأفعال جريئة، ليس فقط على المستوى المحلي، بل وعلى المستوى الدولي أيضاً تجاه القضايا ذات البعد العالمي مثل: الأزمات الاقتصادية، الحروب كحرب فيتنام، وكفاح الشعوب المستعمرة من أجل الاستقلال.

ورغم أن الحركة التي أشعلت ثورة فرنسا لم تكن تمتلك هرماً سياسياً متيناً، إلا أن رؤيتها السياسية تجاه كل القضايا المذكورة كانت واضحة جداً. فالحركة المناهضة للحرب، التي انتشرت في أمريكا أيضاً، لم تتردد في الوقوف ضد حرب فيتنام وتصنيفها كحرب إمبريالية ومعادية للحرية. وبالمقابل، تجاه النضال من أجل استقلال الشعوب المقهورة، كانت لهذه الحركة رؤية واضحة تطالب بالانسحاب الفوري لجيوش بلدانهم من تلك الدول ودعم الثورة فيها. وعندما حققت هذه الثورات انتصاراتها، أصبحت مباشرة حافزاً معنوياً لهذه الحركة، ليس في فرنسا وحدها بل في المدن الرئيسية عبر العالم مثل بلفاست، برلين، ملبورن، ومكسيكو سيتي.

قبل أشهر قليلة من انطلاق ثورة 1968 في فرنسا، وتحديداً في شهري كانون الثاني وشباط من نفس العام، عقدت الحركة الطلابية في مدينة برلين مؤتمراً دولياً لتبادل الآراء وصياغة المواقف تجاه قضايا العصر. كانت أهم قضايا ذلك المؤتمر: ما هو دور الربط بين نضال العمال والحركة الطلابية في إحداث التغيير؟ والموقف من ثورة فيتنام، ودور "العنف" في الثورة. ومباشرة بعد ذلك المؤتمر، نفذ الطلاب أول تحرك ميداني واسع وشامل في إيطاليا.
ثورة 1968 في فرنسا لم تكن مهمة فقط لـ "اليسار الجديد" كفرصة وأمل، بل كانت تشكل صداعاً تاريخياً كبيراً لخصمين عالميين: الكتلة الرأسمالية من جهة، والكتلة التي كانت تمثل الشيوعية في القرن العشرين (القطب السوفيتي) من جهة أخرى. كلاهما كان يشعر بقلق شديد تجاه هذه الثورة واعتبرها "تهديداً" مباشراً، سواء في العالم الليبرالي أو في عالم البيروقراطية الشيوعية، وهذا كان أحد الأسباب الرئيسية لإفشال الثورة.
اتخذ القطبان نوعاً من الموقف غير المكتوب أو غير الرسمي بضرورة عدم نجاح هذه الثورة. وتُوجه التهم تاريخياً للحزب الشيوعي الفرنسي بأنه، إلى جانب عوامل العنف التي مارسها النظام العرفي والعسكري آنذاك، لعب دوراً في ترتيب هذا الاتفاق الدولي ضد الثورة. كان ذلك الحزب حينها من أكبر الأحزاب في فرنسا، وكانت معظم النقابات والاتحادات العمالية تحت نفوذه، ويمتلك صحفاً يومية وأسبوعية ودور نشر. ورغم أن أعضاء الحزب انخرطوا يومياً في الثورة، إلا أن مصادر تاريخية عديدة تشير إلى أن قيادة الحزب، وتحت ضغط سوفيتي، كانت تتفاوض سراً مع حكومة "ديغول" لإنهاء الثورة.

حدث هذا في وقت وصلت فيه الإضرابات العامة للعمال والفلاحين والطلاب وموظفي الدولة في أواخر أيار 1968 إلى ذروتها، حيث كانت المرة الأولى في التاريخ التي يشارك فيها 10 ملايين شخص في إضراب عام بدولة واحدة. قدمت حكومة ديغول عرضاً بزيادة الأجور بنسبة 20% للنقابات العمالية الإصلاحية؛ بعضها رفض والبعض الآخر وافق ودعا لإنهاء الإضراب، لأن ذلك كان شرط ديغول. كما اقترح ديغول على الحزب الشيوعي حسم هذا الصراع عبر الانتخابات، واعداً إياهم بحصة أكبر في السلطة، وكان الحزب واثقاً من الحصول على الأغلبية، وكان ثمن هذا "الضمان" المشروط هو إنهاء الإضراب والثورة.

تعتبر بعض مصادر الحزب الشيوعي الفرنسي هذا الموقف حقناً للدماء وتجنباً لحرب أهلية، معتقدين أن تجربة إسبانيا كانت ستتكرر في فرنسا ويتم سحق اليسار والعمال بالدماء. هناك من يصف هذا الموقف بالعقلاني، وهناك من يراه مساومة على الثورة.
صحيح أن عمر ثورة 1968 في فرنسا كان أقصر من عمر "كومونة باريس" عام 1871، وصحيح أنها قُمعت وانتهت بزجر النظام، ولكن من الناحية المبدئية والتاريخية، فإن حقيقة "الفرصة والأمل" لا تزال حية ومستمرة. حتى أن معظم نقاد الجناح اليساري اليوم يعرفون التعاون الحالي بين حركات الطلاب والعمال (في عام 2018) بأنه يمثل ثقافة وروح تلك الثورة. ولهذا السبب دعا الرئيس الفرنسي الحالي "ماكرون" الدولة للاحتفال رسمياً بذكرى هذه الثورة؛ ليس لتبني أهدافها طبعاً، بل لسرقة قيمها الأساسية وتفسيرها كـ "حريات فردية" وفق المفهوم الليبرالي.
في عام 1968 في فرنسا، لم تقتصر الأمور على سيطرة العمال والموظفين على المصانع، بل طُرحت قضية "الإدارة الذاتية" للمصانع والمؤسسات من قبل الطبقة العاملة كقضية إدارية للثورة، وحتى قبل أيام من القمع النهائي، كانت العديد من المصانع تُدار ذاتياً.
في تلك الثورة، ولأول مرة في التاريخ الحديث، خرجت "الجامعة" من إطارها الأكاديمي الأرستقراطي الفارغ لتنزل إلى الميدان. احتُلّت الجامعات من قبل الطلاب، وأقيمت فيها يومياً عشرات الندوات الفكرية والفلسفية والسياسية. لم يكن السؤال الأساسي للحركة في الجامعة هو "ما هو دور اليسار في الجامعة؟"، بل كان سؤالاً أعمق: "كيف يمكن للجامعة أن تصبح أداة لإحداث تغيير جذري وثوري في المجتمع؟".

هذا هو السؤال الجوهري الذي يجب على اليسار اليوم أن يطرحه على نفسه؛ ليس فقط لكون الشباب في الجامعات يشكلون كتلة اجتماعية مؤثرة، بل كتمهيد لظروف مشابهة لتلك الثورة في مجال التعاون الطبقي والقيادي. فقيادات الحركة العمالية في ذلك الوقت، إلى جانب كونهم من اليسار المثقف والواعي سياسياً، كان يجمعهم من الناحية الديموغرافية والاجتماعية صفتان: "التمرد" و"الشباب".

نُشر هذا المقال في جريدة (ڕێگای کوردستان)، العدد 1127، بتاريخ 15 أيار 2018.



#رزكار_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المِحكّ القطبي: غرينلاند وانهيار النظام العالمي
- على حافة كل شيء!
- -إريك فروم- والأبطال المنفردون: سيكولوجية الاختلاف والتقدم ا ...
- الرسالة قد وصلت!
- منطق النهب: لماذا غزو الولايات المتحدة لفنزويلا سيتجاوز مجرد ...
- فوکو في مستشفی الرشاد
- تعقیب جومسکي علی اعتقال جولیان أسانج
- العالم بلا فیسبوك
- حمایة الغرب
- الأغنية البيضاء
- عودة الشبح
- حلم ألمسافات البعيدة
- ألبحث عن صدام


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رزكار عمر - ذكرى ثورة 1968 في فرنسا