أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رزكار عمر - المِحكّ القطبي: غرينلاند وانهيار النظام العالمي















المزيد.....

المِحكّ القطبي: غرينلاند وانهيار النظام العالمي


رزكار عمر

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 09:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لقد وصل تأكل المعايير العالمية إلى مركز زلزال شديد البرودة في غرينلاند. إن المصالح الإقليمية الأمريكية تهدد باختزال السيادة الغرينلاندية إلى مجرد أصل عسكري. وفي نهاية المطاف، فإن الفشل في حماية الإرادة الديمقراطية للجزيرة يمثل الإشارة النهائية لانهيار القانون الدولي والعودة إلى حكم القوة.

* * *

عندما عبرت الدبابات الروسية الحدود الأوكرانية، فعلت قوة الصدمة أكثر من مجرد تحطيم حدود سيادية؛ لقد هزت الأساس الميتافيزيقي لعالم ما بعد عام 1945. كانت تلك إشارة إلى التراجع عن سيادة القانون والعودة نحو حكم القوة. اليوم، يجد هذا التآكل في الأعراف العالمية مركزاً جديداً ومثيراً للقلق في القطب الشمالي. غرينلاند، التي كانت ذات يوم مصدر قلق جغرافي هامشي، برزت كنقطة ارتكاز معاصرة لـ "لعبة كبرى" جديدة.
هذا التحول مدفوع بواقع مادي صارخ: فبينما تتراجع الطبقة الجليدية في القطب الشمالي بمعدل غير مسبوق، فإنها تكشف عن كنز دفين من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة الضرورية للتحول العالمي نحو التكنولوجيا العالية والطاقة الخضراء.
هذا "الانفتاح" الجيولوجي غذّى بشكل مباشر أجندة إدارة ترامب للقطب الشمالي. فمن خلال النظر إلى غرينلاند من منظور "عقيدة مونرو" المتجددة، تسعى الولايات المتحدة إلى فرض هيمنة مطلقة على نصف الكرة الغربي، حيث تتعامل مع الجزيرة ليس كشريك سيادي، بل كـ "قبة ذهبية" دفاعية ضد التوسع القطبي الروسي والصيني. وقد سلطت الانتخابات العامة الأخيرة في مارس 2025 الضوء على توتر هذا الواقع الجديد؛ فبينما أشارت نهضة حزب "ديموقراطيت" (Demokraatit) إلى شعب يبحث عن البراغماتية الاقتصادية، وجدوا أنفسهم محاصرين في كماشة: فكلما زادت قيمة أرضهم للاقتصاد العالمي، زاد استهدافها من قبل "واقعية سياسية" (Realpolitik) مفترسة تسعى لجريدهم من إرادتهم.
عندما افتتحت غرينلاند مطارها الدولي الجديد في "نوك" أواخر عام 2024، كان ذلك يرمز إلى أمة تحاول بناء مستقبلها الخاص. ومع ذلك، فإن هذا "الجسر القطبي" يُبنى تحت ظل سيناريو إمبراطوري يفرض الملكية كشرط مسبق للأمن. هذا الانتقال من إقليم معرض لمخاطر المناخ إلى جائزة استراتيجية عالية المخاطر يقودنا إلى تحول أظلم: التجريد المنهجي للمسرح القطبي من إنسانيته.
من شريك إلى أصل: أنسنة القطب الشمالي المفقودة
إن النظرة المتجددة نحو غرينلاند تمثل خروجاً عن الخطاب النفعي لرجل الأعمال؛ إنها لغة نابليون بونابرت، وعودة إلى عصر الغزو الإقليمي وترسيخ العقلية العسكرية. ومن خلال تصوير غرينلاند كفسحة شاسعة وفارغة، أو "أرض بلا صاحب" (Terra Nullius)، يتجاهل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإرادة الديمقراطية لمجتمع حي. هذا الخطاب هو السمة المميزة للإمبريالية العسكرية ذات التقنية العالية؛ حيث يسعى لتحويل أمة إلى مسرح للعمليات، وأصل استراتيجي يجب الاستيلاء عليه بدلاً من شريك يجب التعامل معه.
وصلت المخاطر إلى ذروتها في أوائل عام 2026، عندما حولت التهديدات بضم أحادي الجانب وفرض رسوم جمركية هائلة على الاتحاد الأوروبي نزاعاً دبلوماسياً إلى أزمة أمن عالمية. إذا قامت إدارة أمريكية باحتلال إقليم تابع لعضو زميل في ناتو بشكل أحادي، فلن تكون تلك مجرد أزمة دبلوماسية؛ بل ستكون المسمار الأخير في نعش العلاقات الدولية كما نعرفها. مثل هذا العمل سيجعل ميثاق الأمم المتحدة عتيقاً، ويعيد البشرية إلى "حالة الطبيعة" حيث القوة هي العملة الوحيدة الصالحة.
في هذا السياق، يقدم التاريخ درساً مريراً عن أضرار الاحتلال والندوب النفسية للعسكرة. لقد علمتنا مآسي القرن العشرين أنه عندما تعطي دولة الأولوية للعمق الاستراتيجي على حساب الاعتراف الأخلاقي بالشعوب الأخرى، فإن النتيجة هي تجريد كل من المحتَل والمحتِل من إنسانيتهما. بدأ توسع أدولف هتلر بمحو الحدود وانتهى بمحو حياة البشر.
علاوة على ذلك، فإن الاحتلال يفعل أكثر من مجرد الاستيلاء على الأرض؛ إنه يزرع منهجاً عسكرياً صارماً في الثقافة، ويستبدل التطور العضوي للمجتمع بـ "انضباط" تمليه احتياجات آلة حرب أجنبية. ومن الأمثلة على ذلك أن إنشاء القواعد وتدفق القوات الأجنبية يؤدي ببطء إلى تآكل النسيج الاجتماعي الأصلي، تاركاً وراءه سكاناً معتمدين وظيفتهم الأساسية هي خدمة سلسلة التوريد اللوجستية.
يشير هذا المسار نحو الضم إلى تحول جوهري في النفسية الأمريكية — انتقال من جمهورية تحميها المحيطات إلى إمبراطورية يحددها مدى وصولها. عندما تبدأ قوة عظمى في رؤية القطب الشمالي ليس كملاذ بيئي أو وطناً سيادياً، بل كـ "أرض مرتفعة" على خريطة رقمية، يتم حذف العنصر البشري فعلياً. هذه هي إعادة ترسيم حدود العالم، حيث تُعامل تفاصيل الثقافة الغرينلاندية والحكم الذاتي الذي نالته حكومة غرينلاند (Naalakkersuisut) بشق الأنفس كعقبات ثانوية يتم تجاوزها بمرسوم تنفيذي.
فخ السيادة: مقاومة العقلية العسكرية في الشمال الأقصى
المعضلة الفلسفية للمشهد السياسي عام 2025 هي أن الغرينلانديين يسعون للاستقلال للحصول على صوت، وليس لاستبدال مراقب بـ "سيد" أكثر عدوانية. تشير بيانات استطلاعات الرأي إلى أنه بينما يرغب الكثيرون في الانفصال عن الدنمارك، فإن أغلبية ساحقة بلغت 85% من الغرينلانديين يرفضون الانضمام إلى الولايات المتحدة.
علاوة على ذلك، فإن بديلهم هو الرغبة في وجود سلمي متعدد الأطراف إلى جانب كندا أو النرويج، وهي دول تحترم التوازن الدقيق للتعاون في القطب الشمالي. إن احتمال وجود أمن أمريكي يشبه الاحتلال ليس بديلاً؛ إنه إبادة للمشروع السياسي الغرينلاندي.
إذا سمح العالم للمنطق العسكري للقوى العظمى بتجاوز التطلعات الديمقراطية للشعب الغرينلاندي، فإننا ندخل "نسخة أحدث" من الإمبريالية، نسخة تستخدم أدوات التكنولوجيا الحديثة لفرض الاستبداد القديم. قد يستيقظ شعب غرينلاند ليجد بلاده محكومة من قبل قوة ترى وطنهم كمجرد "حاملة طائرات ثابتة".
في ملاحظة ختامية، يعتمد مستقبل البشرية على قدرتنا على رفض هذا العودة إلى "العقلية العسكرية". إذا كان القانون الدولي لا يستطيع حماية جزيرة مسالمة يقطنها 57 ألف نسمة من أهواء قوة عظمى، فإن القانون الدولي غير موجود أصلاً. يظل السؤال الجوهري هو ما إذا كان القطب الشمالي سيكون جسراً لعصر جديد من التعاون العالمي، أم سيكون الموقع الذي تُدفن فيه قيم حقوق الإنسان والسيادة أخيراً تحت الجليد.
نُشر هذا المقال باللغة الإنجليزية بتاريخ ١٧ فبراير ٢٠٢٦ على موقع Fair Observer



#رزكار_عمر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على حافة كل شيء!
- -إريك فروم- والأبطال المنفردون: سيكولوجية الاختلاف والتقدم ا ...
- الرسالة قد وصلت!
- منطق النهب: لماذا غزو الولايات المتحدة لفنزويلا سيتجاوز مجرد ...
- فوکو في مستشفی الرشاد
- تعقیب جومسکي علی اعتقال جولیان أسانج
- العالم بلا فیسبوك
- حمایة الغرب
- الأغنية البيضاء
- عودة الشبح
- حلم ألمسافات البعيدة
- ألبحث عن صدام


المزيد.....




- كلب عائلة مُرحّلة يجد منزلًا جديدًا.. إليكم ما حدث
- -يأتي طواعية وليس تذللا-.. علاء مبارك يرد على مطالبة برلماني ...
- فيديو - وجبة الإفطار في غزة.. لمن استطاع إليها سبيلًا
- الملك تشارلز الثالث بشأن توقيف شقيقه أندرو: -العدالة يجب أن ...
- دييغو غارسيا في صلب تصعيد ترامب ضد إيران: ماذا نعرف عن هذه ا ...
- بلاغ من أهالي المنيل القديمة ضد إجلائهم القسري عن منازلهم
- ماذا نعرف عن إيقاف الأمير السابق أندرو في بريطانيا؟
- 1984: العام الذي صامت فيه السعودية 28 يوماً
- شهر رمضان في فرنسا.. طلب مضاعف على السلع الغذائية ومبيعات قي ...
- إيران تعتزم إجراء مناورة ‌بحرية مع روسيا وواشنطن تحشد قواتها ...


المزيد.....

- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى
- اليسار الثوري في القرن الواحد والعشرين: الثوابت والمتحركات، ... / رياض الشرايطي
- رواية / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رزكار عمر - المِحكّ القطبي: غرينلاند وانهيار النظام العالمي