أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - رائد الجحافي - انهيار القانون وقواعد الأخلاق














المزيد.....

انهيار القانون وقواعد الأخلاق


رائد الجحافي
كاتب ومحامي

(Raed Al-jhafi)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 08:08
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


في اللحظة التي يتحول فيها ميثاق الأمم المتحدة إلى وثيقة مؤطرة على جدار التاريخ، ويغدو مجلس الأمن منصة للفيتو بدل أن يكون منبرا للعدالة، نكون قد رجعنا بإرادتنا إلى ما سماه توماس هوبز حالة الطبيعة. هناك تتجلى حرب الكل ضد الكل، ويصبح الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان.

القانون الدولي ولد من رماد حربين عالميتين. كان العهد الذي قطعته الإنسانية على نفسها بعد عام 1945 واضحا: لا غالب إلا القانون. وقد تجسد ذلك في المادة الثانية فقرة أربعة من الميثاق التي تحرم اللجوء إلى القوة. غير أن الواقع الراهن يعيد إلى الأذهان تحذير ثوسيديدس قبل أربعة وعشرين قرنا في حوار الميلين: القوي يفعل ما يستطيع، والضعيف يقاسي ما لا بد منه.

اليوم نشهد عودة صريحة لمنطق القوي يأكل الضعيف. يجري تبرير الاحتلال تحت لافتة الأمن القومي، ويتحول الضم إلى حقائق على الأرض، وتفرض العقوبات على الدول الضعيفة بينما تعفى منها الدول الحليفة. المسألة لم تعد مجرد تعثر في تطبيق القانون، بل هي إعلان صريح عن موت فلسفته. يقول كارل شميت: صاحب السيادة هو من يقرر حالة الاستثناء. ويبدو أن القوى الكبرى قررت أننا نعيش في استثناء دائم.

كان إيمانويل كانط يبشر بسلام دائم يقوم على الواجب الأخلاقي وعلى الجمهوريات التي تنبذ الحرب. كان يرى في القانون الدولي ترجمة عملية للضرورة الأخلاقية التي يمليها العقل. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة. عاد ميكافيللي ليتصدر المشهد: الغاية تبرر الوسيلة، ومن الأفضل أن يهابك الناس على أن يحبوك. تحولت الأخلاق إلى ترف خطابي، وصارت القيم تستدعى فقط حين تكون مفيدة في بيانات الشجب. أطلقت هانا آرندت على هذا الوضع وصف تفاهة الشر، حين يصبح انتهاك القانون عملا روتينيا تبرره المصلحة العليا.

النتيجة عالم بلا بوصلة. حين يشاهد الطفل في غزة أو الخرطوم أو كييف عجز مجلس الأمن، ويدرك أن حقوق الإنسان تطبق بانتقائية، فإنه يخرج بدرس واحد: البقاء للأقوى. وهنا يكمن جوهر التوحش.

يقول جان جاك روسو إن أساس أي مجتمع هو العقد الاجتماعي. نتنازل طوعا عن جزء من حريتنا لننال في المقابل الأمن والعدل. والقانون الدولي هو العقد الاجتماعي الذي يربط البشرية. لكن ماذا يحدث حين تخرق الدول الكبرى هذا العقد؟ حين يستخدم الفيتو لحماية الحليف المعتدي؟ حين يكال بمكيالين؟ يجيب جون لوك بوضوح: حيثما ينتهي القانون يبدأ الطغيان. والطغيان لا ينتهي إلا بالعنف. فالشعوب والدول التي تفقد إيمانها بالعدالة لا تجد أمامها سوى عدالة اليد.

تحدث فريدريك نيتشه عن موت الإله بوصفه موت القيمة العليا. اليوم نشهد موت القانون بوصفه قيمة عليا. وحين تموت القيمة يصبح كل شيء مباحا. التوحش هنا ليس انفلاتا غريزيا، بل نتيجة منطقية لعالم أقنع الضعيف بأن القانون لن يحميه.

يرى يورغن هابرماس أن المخرج يكمن في الأخلاق الحوارية وفي فضاء عام عالمي تقوم فيه الشرعية على الإقناع لا على القوة. غير أن هذا الطرح يفترض وجود إرادة سياسية حقيقية. الخطر الأكبر ليس في وجود قوي وضعيف، بل في تطبيع شريعة الغاب. حين يصبح احتلال الأرض أمرا واقعا، ويغدو حصار المدنيين دفاعا عن النفس، ويوصف قصف المستشفيات بأنه أضرار جانبية، نكون قد دخلنا فعلا عصر ما بعد القانون.

مالك بن نبي كان يرى أن الحضارة لا تقوم إلا على فكرة. وكانت فكرة عالم ما بعد 1945 هي أن القانون فوق القوة. إذا انهارت هذه الفكرة، فإن الحضارة ذاتها تصبح مهددة. سنعود إلى جدلية السيد والعبد عند هيجل، لكن بنسخة كونية: سادة مدججون بالسلاح، وعبيد ينتظرون مصيرهم.

انتهاك القانون الدولي ليس مجرد مخالفة قانونية. إنه اغتيال فلسفي لفكرة الإنسان. حين نستبدل سيادة القانون بقانون السيادة، فإننا نفتح الباب واسعا أمام التوحش. والتاريخ يخبرنا أن الغابة لا تنتج سلاما، بل تنتج وحوشا أشد ضراوة. كتب ألبير كامو ذات يوم: في غياب العدالة، ما قيمة أن يكون الإنسان على حق؟ واليوم يصبح السؤال أكثر قسوة: في غياب القانون، ما قيمة أن تكون إنسانا؟.



#رائد_الجحافي (هاشتاغ)       Raed_Al-jhafi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجنوب.. ثلاث محافظات لا توجد لديها موارد.
- صوماليلاند في عيدها الوطني، صمود دولة تتقاطعها المصالح الإقل ...
- الـ3 من مايو اليوم العالمي لحرية الصحافة ومحتوى التفاهة والت ...
- التآكل المزدوج.. إخفاق السياسة السعودية والدفع بالشعوب إلى ا ...
- لغة التنين.. عبور إلى أعرق حضارة ومفتاح لمستقبل عظيم يعيد تش ...
- لماذا ايران تستهدف دول الجوار بمن فيها صديقتها المقربة عمان؟
- جنوب اليمن.. حين يعود التاريخ إلى طاولة مجلس الأمن..
- قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن، مفتاح الاستقرار لليمن والعال ...
- ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بين زيارتين في واشنطن..
- مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب حول القضية الفلسطينية ومأس اة غ ...
- جيوش وأسلحة العرب: لمن تجهز، ولماذا لم تستخدم بعد؟
- التحول الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي أهميتها يوما ...
- قمة ألاسكا واحتمالات تعاطي قطبي القوة العالمية مع أبرز الملف ...
- العرب وإيران.. عندما يصبح التقارب خير من التنافر والقطيعة
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- بداية نشاط جماعة الإخوان في الكويت
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على الفرار السياسي ...


المزيد.....




- الأمم المتحدة: -إسرائيل- تقتل طفلاً فلسطينياً كل أسبوع في ال ...
- برعاية الأمم المتحدة.. لجنة 4+4 الليبية تعقد اجتماعها الثاني ...
- العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش تحذران من تضييق غير مسبوق عل ...
- القمة الفرنسية الأفريقية المشتركة -أفريقيا إلى الأمام-... آف ...
- 78 عامًا على النكبة.. الفلسطينيون يستحضرون ذاكرة التهجير بمس ...
- الكويت: اعتقال 4 من الحرس الثوري الإيراني -حاولوا التسلل- إل ...
- يونيسف: هجمات المستوطنين الإسرائيليين تهدد سلامة الأطفال الف ...
- العفو الدولية تتهم اتحاد البث الأوروبي بالجبن تجاه جرائم إسر ...
- الأمم المتحدة: 880 قتيلا مدنيا على الأقل بالمسيّرات منذ بداي ...
- مناقشات خليجية بريطانية لتذليل المعوقات المتعلقة باتفاقية ال ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - رائد الجحافي - انهيار القانون وقواعد الأخلاق