أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الجحافي - التآكل المزدوج.. إخفاق السياسة السعودية والدفع بالشعوب إلى القبول بخصوم الرياض.. حالة التعاطي السعودي مع جنوب اليمن انموجاً..














المزيد.....

التآكل المزدوج.. إخفاق السياسة السعودية والدفع بالشعوب إلى القبول بخصوم الرياض.. حالة التعاطي السعودي مع جنوب اليمن انموجاً..


رائد الجحافي
كاتب ومحامي

(Raed Al-jhafi)


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 03:40
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ان مقاربة الإكراه المادي التي تنتهجها الرياض في جنوب اليمن لا يمكن عزلها عن سياق أشمل، نمط من السلوك الاستراتيجي تجاه الجوار العربي اتسم، على مدى عقود، بـفائض القوة وعجز الشراكة. وهنا تكمن المفارقة الجيوسياسية الأخطر، وهي إن سياسة سعودية فاشلة تجاه الشعوب العربية، والمجاورة لها تحديداً، هي التي تعيد إنتاج شروط قبول تلك الشعوب بأي امتداد خارجي، حتى لو كان معادياً للمملكة. فالقوة التي تفشل في كسب العقول، تدفع القلوب قسراً إلى أحضان الخصوم..

فمن مبدأ عدم التدخل إلى مأزق التدخل المولد للتدخل المضاد يشكل اللجوء إلى الخيار العسكري ضد مكون جنوبي ذي مشروعية تاريخية وتمثيل واقعي انتهاكاً مركباً لمبدأ التسوية السلمية للنزاعات المنصوص عليه في المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، ونسفاً للركيزة التعاقدية التي شرعنت التدخل أصلاً وهي طلب حكومة معترف بها. فالتحول من إسناد الشرعية الدستورية إلى هندسة الإرادات الشعبية بالقوة يخرج الفعل من دائرة الدفاع عن النفس الجماعي المشروع بموجب المادة 51، ويدخله في نطاق استخدام القوة لغايات سياسية المحظور بموجب المادة 2/4..

لكن الإشكالية الأعمق هي قانونية استراتيجية،من حيث إن التدخل الذي يفتقر إلى الإجماع المحلي يُنتج بالضرورة فراغ شرعية لا يلبث أن يملؤه طرف خارجي آخر. وهكذا تتحول سياسة منع التمدد الإيراني إلى سياسة استدعاء التمدد الإيراني بفعل فاعل. فحين تغلق الرياض أبواب الحل السياسي أمام الجنوبيين، فإنها تفتح، موضوعياً، نوافذ عواصم إقليمية واجنبية. هذه هي ديالكتيك الإكراه، أي كل فعل إخضاع يولد رد فعل قبول للخصوم .

هذا بالإضافة إلى إخفاق عقيدة الجوار وتداعياته على الأمن القومي السعودي من حيث أن الكلفة التي تتحملها المملكة تتجاوز البعد القانوني الضيق إلى تآكل العقيدة الاستراتيجية برمتها..

وهنا تظهر انهيار سردية، المملكة كعمق عربي، وفق ما قامت عليه العقيدة الأمنية السعودية تاريخياً على اعتبار الجوار العربي عمقاً استراتيجياً، وحزام أمان. لأن سياسة قوامها الاحتواء الأمني بدل الاحتواء السياسي، وشراء الولاءات بدل بناء الشراكات، أنتجت نتيجة عكسية، تتمثل في تحول الجوار من مصدّ إلى خاصرة رخوة.
إن إخفاق الرياض في إدارة علاقتها بالشعوب العربية المجاورة هو الذي حول رغبة هذه الشعوب من الحياد الإيجابي إلى القبول الضمني بأي مشروع إقليمي مناوئ للسعودية، كنوع من توازن الضعف. هذا هو جوهر الارتداد الاستراتيجي حين تتحول سياستك إلى مصنع لأعدائك..

وكذلك تفكك رأس المال الدبلوماسي وصعود المساءلة العابرة للسيادة، وهذا في النظام الدولي ما بعد حداثي، لم تعد السيادة درعاً مصمتاً. إن مفهوم المسؤولية عن الحماية والولاية القضائية الدولية وسلطة الرأي العام العابر للحدود شكّلت مجتمعة منظومة مساءلة ما فوق وطنية..
استخدام القوة لفرض واقع سياسي على شعب الجنوب يعد في العرف الدبلوماسي إفلاساً في القوة الناعمة ويترجم عملياً إلى وصم أخلاقي يضعف الموقف التفاوضي للمملكة في كل ملف، من النووي الإيراني إلى أمن البحر الأحمر..
فالدولة التي تتهم بقمع شعب مجاور، تفقد أهليتها الأخلاقية لقيادة محور الاعتدال..

هذا بالإضافة إلى معضلة الاستنزاف المزدوج، وهو استنزاف الموارد واستنزاف الشرعية، وتبرز سردية المستنقع اليمني اليوم إلى توصيف استخباراتي، ولم تعد استعارة صحفية، في عواصم القرار. لكن الاستنزاف الأخطر ليس المادي، بل الرمزي. فكل طلقة تطلق في الجنوب هي رصاصة في رصيد الشرعية الإقليمية للرياض. وهذا يقود إلى معادلة صفرية قاتلة، تساوي نتيجة مفادها انه كلما كسبت المملكة متراً على الأرض، خسرت كيلومتراً في الوعي الجمعي العربي. والنتيجة هي عزلة استراتيجية مُغلفة بتحالفات شكلية..

أما إذا نظرنا إلى المسؤولية الدولية وأثر الفراشة الجيوسياسي من منظور القانون الدولي، فإن الأفعال غير المشروعة دولياً ترتب المسؤولية الدولية للدولة، وفق ما كرسته لجنة القانون الدولي. وحتى مع تعذر تفعيل آليات المساءلة القضائية بسبب الفيتو والحصانات، فإن المسؤولية السياسية والتاريخية لا تسقط..
إن تحول المملكة من حامية للشرعية اليمنية كما تزعم إلى طرف في النزاع على تقرير مصير الجنوب يُسجل كـسابقة قانونية في أرشيف الدبلوماسية، تستدعى لاحقاً لتقويض أي خطاب سعودي حول السيادة ورفض التدخلات الخارجية..

لكن الأخطر هو أثر الفراشة الجيوسياسي، وهو إن وجود سياسة سعودية فاشلة في الجنوب لا تنتج ارتهان الجنوبيين فقط، بل تعطي المبرر الأخلاقي والغطاء السياسي لتدخلات إقليمية أخرى في خاصرة المملكة، من البحر الأحمر إلى الخليج. لان الشعوب التي تسد أمامها أبواب الرياض، ستفتح نوافذ عواصم أخرى معادية للرياض. وهكذا تصبح السياسة السعودية، بغير قصد، الحاضنة الموضوعية لمشاريع الخصوم..

واجمالاً: لا يمكن كسب الجغرافيا بخسارة التاريخ،
لأن الرهان على كسر الإرادة الجنوبية بالقوة هو رهان على انتحار استراتيجي. فالتاريخ يُثبت أن الشعوب قد تهادن القوة، لكنها لا تنسى القهر. وكل سياسة تنتج إجماعاً ضدها في محيطها المباشر، هي سياسة تحفر قبرها بيدها..

المخرج الاستراتيجي الوحيد هو إعادة تعريف الأمن القومي السعودي، فهو لا يتحقق بإخضاع الجوار، بل بتحويله إلى حزام ولاء طوعي. وهذا لن يتم إلا عبر الانتقال من عقيدة الإملاء إلى عقيدة الشراكة، ومن منطق الوصاية إلى منطق الاعتراف المتبادل..

إن الدرس الجيوسياسي الأهم هو الشعوب العربية المجاورة ليست ملفاً أمنياً يدار من غرف العمليات، بل عمقاً استراتيجياً يكسب بالسياسة العادلة. وطالما استمرت سياسة إفشال الآخر بدل إنجاح الذات، فإن النتيجة الحتمية هي أن الرياض ستجد نفسها محاصرة ليس بأعدائها، بل بضحايا سياساتها..

فالفشل في الجنوب ليس فشلاً تكتيكياً في معركة، بل إعلان إفلاس لعقيدة إقليمية كاملة. والاستقرار لا يجب ان يستنبت في تربة العدالة والاعتراف..



#رائد_الجحافي (هاشتاغ)       Raed_Al-jhafi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لغة التنين.. عبور إلى أعرق حضارة ومفتاح لمستقبل عظيم يعيد تش ...
- لماذا ايران تستهدف دول الجوار بمن فيها صديقتها المقربة عمان؟
- جنوب اليمن.. حين يعود التاريخ إلى طاولة مجلس الأمن..
- قيام دولة مستقلة في جنوب اليمن، مفتاح الاستقرار لليمن والعال ...
- ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بين زيارتين في واشنطن..
- مبادرة الرئيس الأمريكي ترامب حول القضية الفلسطينية ومأس اة غ ...
- جيوش وأسلحة العرب: لمن تجهز، ولماذا لم تستخدم بعد؟
- التحول الكبير في مواقع التواصل الاجتماعي وتنامي أهميتها يوما ...
- قمة ألاسكا واحتمالات تعاطي قطبي القوة العالمية مع أبرز الملف ...
- العرب وإيران.. عندما يصبح التقارب خير من التنافر والقطيعة
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- بداية نشاط جماعة الإخوان في الكويت
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على الفرار السياسي ...
- ماذا تريد واشنطن من مصر؟
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...
- إمبراطورية الإخوان المسلمين وخطة السيطرة على القرار السياسي ...


المزيد.....




- بلدة -لبنان- في أمريكا.. كيف تبدو الحياة في مركزالولايات الم ...
- تحاكي أحداثًا شهدناها.. لعبة -أركيد- مستوحاة من الحرب الإيرا ...
- صور معدلة ودعوات للملاحقة القضائية: ترامب يشعل -تروث سوشيال- ...
- عشية المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.. غارات وإنذارات وتفجيرات ...
- -طلقة واحدة إصابة واحدة-: الجيش الأمريكي يتزود بأنظمة ذكاء ا ...
- كنزُ أم ممتلكات مسروقة؟ طفل يعثر على ثروة كبيرة في روضة بألم ...
- كيف مات جيفري إبستين.. انتحر أم قُتِل؟ تفاصيل جديدة
- استراتيجية الصمت التكتيكي .. هكذا غيّر الألماني فليك وجه برش ...
- بريطانيا: عاصفة سياسية تطالب ستارمر بالتنحي بعد النتائج الكا ...
- العوا يتحدث للجزيرة نت حول: وهم الحماية الأمريكية والردع الإ ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رائد الجحافي - التآكل المزدوج.. إخفاق السياسة السعودية والدفع بالشعوب إلى القبول بخصوم الرياض.. حالة التعاطي السعودي مع جنوب اليمن انموجاً..