أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحيم الحلي - رحيل الشاعر صادق الصائغ حين يمشي الشاعر على حافة اللون














المزيد.....

رحيل الشاعر صادق الصائغ حين يمشي الشاعر على حافة اللون


رحيم الحلي

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


رحيل الشاعر صادق الصائغ
حين يمشي الشاعر على حافة اللون
الكاتب رحيم الحلي
غادرنا قبل يومين في لندن، شاعرٌ قرأت قصائده في السبعينات. هو خال زميلتي لمى الآلوسي، التي عملتُ معها في فرقة كمال السيد الموسيقية في دمشق في بداية الثمانينات. كانت تتحدث عن خالها صادق الصائغ، وكيف استطاع النجاة من مصائد السلطة التي كانت تطارد الشيوعيين بعد انفكاك عقد التصالح معهم.
تعرّفتُ على صادق الصائغ من خلال جريدة "طريق الشعب"، جريدة الحزب الشيوعي العراقي التي كانت تصدر في السبعينات قبل انفراط عقد التحالف بين حزب البعث والحزب الشيوعي، وهو تحالف لم يدم أكثر من خمس سنوات، وكانت جريدة "طريق الشعب" أفضل بكثير من صحافة البعث التي بدت صفحتها الأدبية فقيرة.
برحيل الشاعر والفنان التشكيلي العراقي صادق الصائغ، نفقد صوتاً شعرياً جميلاََ و عيناً كانت ترى العالم مرتين: مرة بالكلمة، ومرة باللون. كان من أولئك القلائل الذين لم يكتفوا بأن يكتبوا القصيدة، بل رسموها أيضاً، فجاءت تجربته مزيجاً نادراً بين الصورة المرسومة يدوياََ وتلك التي تقبع في الوجدان الشعري، حيث تتداخل المفردة مع الظل، والصورة مع الإيقاع، حتى يصعب الفصل بين ما يُقال وما يُرى.
لم يكن الصائغ شاعراً يبحث عن الزخرفة، بل كان ينحت كلماته كما ينحت رسامٌ تفاصيل لوحته. في قصائده، لا تبدو اللغة وسيلة للتعبير بقدر ما تبدو محاولة لالتقاط ما يتسرب من الروح قبل أن يتبدد. يقول في أحد نصوصه:
أمشِي على ظلّي
كي لا أوقظَ الطريق،
وأحملُ وجهي
مثل نافذةٍ مكسورةٍ
تطلُّ على الغياب.
هكذا كان صوته: هادئاً، عميقاً، يقترب من الهَمْس لكنه يحمل ثِقَل التجربة. لم يكن يصرخ، بل يكتفي بأن يترك كلماته تنزلق في وجدان القارئ، فتستقر هناك دون ضجيج. وفي هذا الهدوء تكمن قوة نصّه، تلك التي تجعلك تعود إليه مراراً، لا لتفهمه، بل لتشعر به.
في تجربته التشكيلية، كما في قصيدته، كان مشغولاً بفكرة الذاكرة: كيف تُحفظ، وكيف تتشظى، وكيف تتحول إلى شذراتٍ من الضوء. لذلك كثيراً ما بدت لوحاته امتداداً لنصوصه، وكأنهما كُتبا باليد ذاتها، وبالقلق ذاته.
يقول في مقطع آخر:
كلُّ ما أملكُهُ
حفنةُ ضوءٍ
وأسماءٌ رحلتْ
قبل أن تتعلّمَ البقاء.
هذه العلاقة بين الخسران والضوء، بين الغياب والأثر، كانت واحدة من أبرز ملامح عالمه. لم يكن يكتب عن الحزن بوصفه حالة عابرة، بل كقدرٍ إنسانيّ يتسلل إلى التفاصيل الصغيرة، إلى الأشياء التي لا ننتبه لها إلا حين نفقدها.
ولأنه عاش في زمنٍ صعب ومر مثقلٍ بالتبدلات العنيفة ، فقد انعكس ذلك على نصوصه، حيث تتجاور الحساسية الفردية مع الهمّ العام. لم يكن سياسياً بالمعنى المباشر، لكنه كان إنسان مغمس بالشعر والجمال، انسان رقيق عاشق للحياة، يكتب بإحساسٍ مرهف وهو يتطلع لما يحدث حوله.
يقول:
أكتبُ كي لا أضيع،
وأرسمُ كي أرى
ما الذي تبقّى منّي
في هذا الخراب.
في هذا الاعتراف تختصر تجربته كلها: الكتابة بوصفها نجاة، والرسم بوصفه محاولة لرؤية ما لا يُرى. لذلك لم تكن قصيدته ترفاً لغوياً، بل ضرورة وجودية، ولم تكن لوحته زينة وترف ، بل محاولة لفهم العالم.
برحيله، يخسر المشهد الثقافي العراقي صوتاً متفرداً، واحداً من أولئك الذين اشتغلوا بصمت، بعيداً عن الضجيج، لكن أثرهم ظلّ يتسع في العمق. لم يكن من الأسماء التي تملأ الواجهات، لكنه كان من الأسماء التي تبقى، لأن ما كتبه لم يكن عابراً.
سيبقى صادق الصائغ حاضراً في تلك المسافة بين الكلمة واللون، في القصائد التي تشبه اللوحات، وفي اللوحات التي تشبه القصائد. سيبقى في ذلك الضوء الخافت الذي يمرّ بين السطور، وفي ذلك الصمت الذي يتكلم أكثر من أي خطاب.
رحل الجسد، لكن ما تركه من أثرٍ سيظل يتنفس في ذاكرة من قرأه ورآه، لأن بعض المبدعين لا يغيبون، بل يتحولون إلى حضورٍ آخر… أكثر هدوءاً، وأكثر عمقاً.



#رحيم_الحلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في ذكرى رحيله… الفنان جعفر حسن عود طري لم ينحنِ
- الشاعر ذياب گزار أبو سرحان قنطرة البنفسج البعيدة
- الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد
- ميشيل كيلو مناضل يساري وطني
- نجيب سرور.. شاعر الثورة والمأساة
- الفيلم السويدي فاني وألكسندر Fanny and Alexander للمخرج السو ...
- القط الاعمى - قصة قصيرة
- كاظم الرويعي شاعر الغناء الشعبي العراقي وإرثه الخالد
- المنفى الطويل
- في الذكرى الخامسة لرحيل الأديبة السويدية سارة دانيوس
- جائزة نوبل في الأدب لعام 2024 تُمنح للروائية الكورية الجنوبي ...
- النملة التي اصبحت فراشة
- رحلة في مركب القاص مهدي عيسى الصقر
- الذكرى العشرين لرحيل الملحن كمال السيد
- رضيّة قصة قصيرة كتابة رحيم الحلي
- الفنان فاروق هلال نقيب الفنانين الأسبق هل تأخر في العودة إلى ...
- اذا كان هذا
- المستنقع الاسن قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي
- ذياب كزار ابو سرحان الشاعر الغائب كتابة رحيم الحلي
- بيت النداف قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحيم الحلي - رحيل الشاعر صادق الصائغ حين يمشي الشاعر على حافة اللون