أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رحيم الحلي - الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد














المزيد.....

الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد


رحيم الحلي

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 17:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن موقفي الرافض للانقلابات العسكرية موقفاً انفعالياً، ولا هو اصطفافاً مع قوى رأسمالية أو إقطاعية كما قد يتوهم البعض، ولا خذلاناً لفكرة العدالة الاجتماعية التي حملتها شعارات تلك الانقلابات. بل هو موقف تشكّل عبر قراءة عميقة لتلك التجارب المريرة، رأيت فيها كيف تحولت الشعارات البراقة إلى أدوات للهيمنة، وكيف استُخدمت فكرة “الثورة” لتصبح جسراً نحو الاستبداد.
لقد بدأت الحكاية مع انقلابات رفعت شعارات براقة، من القاهرة في 23 يوليو 1952، إلى بغداد في 14 تموز 1958، ثم دمشق في 8 آذار 1963. يومها، بدت هذه التحولات في أعين كثيرين، خاصة في أوساط اليسار العالمي، كأنها فجر جديد يبشر بانتصار الفقراء وانكسار الإقطاع، فحظيت بدعم واسع من قوى رأت فيها امتداداً لمشروع العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني.
ولا يمكن إنكار أن بعض تلك التجارب قدّمت بالفعل إجراءات أنصفت فئات مهمشة، ولامست أحلام البسطاء، كما في تجربتي جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم. لكن تلك الإنجازات، على أهميتها، لم تخلُ من العنف والفوضى والقسوة، إذ انتشرت فيها السجون، وتحولت قصور الزهور إلى معتقلات، وغابت حريات التعبير، وانتشر المخبرون والوشاة. إنها لوحة امتزجت فيها الطموحات الفردية بالصراعات الإيديولوجية، وتداخلت فيها حسابات القوى الدولية مع نزعات الضباط الذين لم يكونوا كتلة واحدة، بل فسيفساء من التوجهات المتناقضة.
سرعان ما انكشف التصدّع في داخل هذه “الثورات”، فبدلاً من أن تتجه نحو بناء دولة حديثة، دخلت في صراعات دموية بين رفاق الأمس، حيث تحوّلت البنادق التي رُفعت باسم الشعب إلى صدور بعضهم البعض. وشهدت الساحات مشاهد مأساوية من التصفيات والانقلابات المضادة، حيث سجن الضباط الصغار في مصر زعيمهم اللواء محمد نجيب، وفي العراق انتهى الزعيم عبد الكريم قاسم مقتولاً على يد أعوانه داخل استوديو إذاعة بغداد، في مشهد جسّد قسوة الصراع على السلطة حين يغيب القانون.
أما القوى الكبرى، فلم تكن يوماً بريئة في دعمها لتلك الانقلابات، إذ لم يكن همّها تحقيق العدالة الاجتماعية لشعوبنا، بقدر ما كان ترسيخ نفوذها في مناطق استراتيجية، وتحويل بلداننا إلى ساحات حرب خسرنا فيها مواردنا في صراع دولي لا مصلحة لنا فيه. وفي المقابل، انصرف همّ القادة العسكريين إلى الدفاع عن الحاكم لا عن الوطن، فقمعوا المواطنين حين خرجوا في مظاهرات سلمية ضد الفساد والاستبداد، وانتفعوا من الحروب وأثروا على حساب فقر الناس، حتى غدوا تجار حرب. وهكذا تبخرت مواردنا المالية في تلك الحروب العبثية، وصارت بلداننا سوقاً لشراء السلاح، وقنواتٍ لنقل أموالنا إلى حساب شركات السلاح في الدول العظمى، بدلاً من أن تُسخَّر لبناء المساكن والمشافي والمدارس.
وفي ظل هذا الواقع، تراجعت الدولة بوصفها مؤسسة، وتقدّم الحاكم بوصفه قدراً. عُطلت الدساتير، وأُفرغت القوانين من مضمونها، وغابت الحياة السياسية الحقيقية، لتحل محلها أنظمة تقوم على الفرد الواحد، وعلى خطاب تعبوي يخلط بين القومية المتشددة والدين المؤدلج، ما عمّق الانقسامات وأعاق تشكّل هوية وطنية جامعة.
إن رفضي للانقلابات العسكرية لا يعني رفضي للعدالة الاجتماعية، بل هو دفاع عنها في صورتها الأعمق والأكثر ثباتاً. فالعدالة لا تُفرض بالدبابة، ولا تُحمى بالبيانات العسكرية، بل تُبنى عبر مؤسسات راسخة، وقوانين عادلة، ومجتمع يشارك في صنع قراره. ما نحتاجه اليوم هو قوى تؤمن بالدولة المدنية، وتُسخّر ثروات البلاد للبناء لا لصناعة الجيوش وشراء السلاح، وأن نسعى نحو السلام والحفاظ على حياة الإنسان باعتبارها أعلى قيمة، وأن نجعل الموارد المالية جسراً لسعادته ورفاهيته، فالسلطة التي تؤسسها الدبابة لا تبني حكماً مدنياً ديمقراطياً ولا دولة ناجحة.
لقد آن الأوان أن نتحرر من وهم “المنقذ العسكري”، وأن نعيد تعريف الثورة بوصفها عملاً تراكمياً يبدأ من وعي الإنسان، وينتهي ببناء دولة تحترم مواطنيها لا تخشاهم. لقد أدت تلك التجارب إلى تراجعات وانتكاسات خطيرة، حيث تراجعت شعبية الأفكار الاشتراكية، وتزايد نفوذ الأحزاب الدينية والطائفية والقومية الانفصالية، واشتد الفقر في بلداننا، وضاعت حقوق المرأة، وانتشرت الأفكار المتطرفة المعادية للعدالة والمساواة التي تنبش في مقابر التاريخ، وتمزقت أوطاننا وشعوبنا.



#رحيم_الحلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميشيل كيلو مناضل يساري وطني
- نجيب سرور.. شاعر الثورة والمأساة
- الفيلم السويدي فاني وألكسندر Fanny and Alexander للمخرج السو ...
- القط الاعمى - قصة قصيرة
- كاظم الرويعي شاعر الغناء الشعبي العراقي وإرثه الخالد
- المنفى الطويل
- في الذكرى الخامسة لرحيل الأديبة السويدية سارة دانيوس
- جائزة نوبل في الأدب لعام 2024 تُمنح للروائية الكورية الجنوبي ...
- النملة التي اصبحت فراشة
- رحلة في مركب القاص مهدي عيسى الصقر
- الذكرى العشرين لرحيل الملحن كمال السيد
- رضيّة قصة قصيرة كتابة رحيم الحلي
- الفنان فاروق هلال نقيب الفنانين الأسبق هل تأخر في العودة إلى ...
- اذا كان هذا
- المستنقع الاسن قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي
- ذياب كزار ابو سرحان الشاعر الغائب كتابة رحيم الحلي
- بيت النداف قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي
- القمر والصحراء وزائر الليل قصة قصيرة
- قصة وردة كتابة رحيم الحلي
- قصة قصيرة / الغجر يسرقون الماعون


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رحيم الحلي - الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد