أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحيم الحلي - في ذكرى رحيله… الفنان جعفر حسن عود طري لم ينحنِ















المزيد.....

في ذكرى رحيله… الفنان جعفر حسن عود طري لم ينحنِ


رحيم الحلي

الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 14:41
المحور: الادب والفن
    


في ذكرى رحيله… جعفر حسن، عود طري لم ينحنِ
في يوم 19 نيسان عام 2021، خسرنا فارس الأغنية العراقية، واليوم نستعيد صورة ذلك الفنان الناعم، والموسيقي الشفاف العذب، الذي جمعتني به صداقة طويلة. كنت أخاف عليه كثيراً، فلم أحاول أن أطرق بابه، لكنه كان يسمع دقات قلبي حين أمرض أو أحزن، فيفاجئني باتصاله… وكان آخر اتصال بيننا قبل بضعة أسابيع من رحيله حين أصابته جائحة كورونا.
الفنان جعفر حسن كان نادراً في نقائه وطيبته وجمال روحه، لم يكن عابراً في تاريخ الأغنية العراقية، بل كان تجربة كاملة تختصر صراع الإنسان مع القهر، وصمود الفن في وجه النسيان. ذلك الصوت الذي حمل وجع وطنه في نبراته، ومضى به عبر المنافي دون أن يفقد صفاءه أو ينكسر أمام الريح، ليبقى واحداً من أبرز رموز الأغنية الإنسانية في العراق.
فنان عانى الظلم والتهميش، لا من قوى الاستبداد وحدها، بل حتى من بعض من شاركهم الطريق، ومع ذلك ظل وفياً لفنه، يعمل بصمت ويمنح الكثير دون أن ينتظر مقابلاً. أغانيه راسخة في ذاكرة عشاق الوطن، وفي وجدان الحالمين بعراق بلا سجان ولا قمع. عاش حياة مثقلة بالأوجاع بين سجن وحرمان وفصل وهجرة طويلة، لكنه بقي مؤمناً بأن الفن موقف، وأن الغناء يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة.
وُلد جعفر حسن في مدينة خانقين، في بيئة ثقافية متعددة وغنية، حيث بدأ شغفه بالموسيقى مبكراً. عزف الناي بشكل فطري، واستمع عبر جهاز الكراموفون في بيت العائلة إلى القبانجي وأسمهان ومحمد عبد الوهاب وزكية جورج وحضيري أبو عزيز وسليمة مراد وأم كلثوم، فانبثق عشقه للفن منذ الطفولة، وأصبح حديث مدينته قبل أن يبلغ سن الدراسة.
في الصف الرابع الابتدائي انتقل إلى بغداد، حيث سكن قرب جسر الأحرار في منطقة الصالحية، وكان يتابع من هناك حفلات ناظم الغزالي وفائزة أحمد وغيرهما، في مشهد غذّى حلمه بالدخول إلى عالم الإذاعة. وبعد الانقلاب العسكري في 14 تموز 1958 عاد إلى خانقين، وأكمل دراسته المتوسطة، وأسهم في تأسيس فرقة خانقين الموسيقية، وقدم أولى حفلاته نهاية العام ذاته، ثم لحن أول أغنية وطنية عام 1959.
عام 1960 عاد إلى بغداد ليلتحق بمعهد الفنون الجميلة، حيث صقل موهبته، وتميّز بقدرته على العزف على عدة آلات، إلى جانب صوته المتفرد. وفي عام 1962 التحق رسمياً بالمعهد، وعمل مع فرقة أبناء دجلة بإشراف الأستاذ روحي الخماش، رغم معارضة والده الذي كان يتمنى له مساراً مختلفاً.
في منتصف الستينيات أصبح من مطربي الإذاعة والتلفزيون، لكن مسيرته اصطدمت مبكراً بالواقع السياسي، إذ فُصل من المعهد ومُنع من دخول الإذاعة بعد انقلاب شباط 1963. ومع ذلك لم يتوقف، بل سجل أغانيه في إذاعة الكويت، قبل أن يُعاد اعتماده في بغداد، ويسجل أولى أغانيه هناك بعنوان كلما أتمعن برسمك، وهي الأغنية التي كانت معدّة لناظم الغزالي قبل رحيله، لتصبح لاحقاً واحدة من بداياته المهمة رغم كل المضايقات.
شارك في المسرح والسينما، وكان من مؤسسي فرقة الرشيد للفنون الشعبية، ثم أسس دار الموسيقى عام 1967، وشارك في فيلم طريق الظلام عام 1968. كما أسهم في تأسيس الفرقة القومية للفنون الشعبية، وأنشأ أول كورال غنائي متعدد الأصوات في العراق، وضم أصواتاً أصبحت لاحقاً من نجوم الغناء.
لكن مسيرته تعرضت لضربات قاسية بسبب مواقفه السياسية، ففُصل من المؤسسات، ومُنع من دخول الإذاعة، وأُتلفت تسجيلاته. عمل لاحقاً في الصحافة، وأسّس فرقاً موسيقية مثل بيلز والرواد، وقدم من خلالها أغانيه الشهيرة: لا تسألني عن عنواني، يا بو علي، عمي يا بو جاكوج، عمال نطلع الصبح، قبليني للمرة الأخيرة، وغيرها من الأعمال التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الشعبية.
كان من أوائل من لحنوا قصيدة الريل وحمد لمظفر النواب عام 1965، في تجربة سبقت غيرها، لكنها لم تأخذ فرصتها بسبب المنع. كما لحن عام 1970 قصيدة اغضب كما تشاء لنزار قباني، في عمل حمل رؤية موسيقية متقدمة تمزج بين الحس العاطفي والبعد الاحتجاجي. كانت النية أن تؤديها نجاة الصغيرة بعد اتفاق جرى في بيروت، لكن الظروف السياسية والملاحقات حالت دون ذلك، لتذهب الأغنية لاحقاً إلى صوت أنوار عبد الوهاب التي قدمتها بشكل جميل، لكنها لم تحظَ بالانتشار الذي تستحقه، لتبقى شاهداً على فرصة فنية ضائعة في مسيرته.
في السبعينيات اشتد التضييق عليه، فمُنع من العمل الفني، وفُصل من المؤسسات، بل وصل الأمر إلى إتلاف تسجيلاته، قبل أن يُعتقل عام 1978، ويضطر بعدها إلى الهروب خارج العراق مشياً على الأقدام إلى اليمن الديمقراطية، في رحلة شاقة فتحت له فصلاً جديداً من حياته.
في عدن لم يكن مجرد فنان مهاجر، بل أصبح مؤسساً ومجدداً. أسس فرقة أشيد، وقدم عشرات الأعمال التي مزجت بين الروح العراقية والنكهة اليمنية، حتى أصبحت أغانيه جزءاً من الذاكرة الفنية هناك. كما أسس أول استوديو تسجيل حديث في عدن عام 1989، وشارك في إنتاج أعمال إذاعية وتلفزيونية، وصوّر أولى الأغاني المصورة في تلك البيئة.
كانت عدن محطة إنسانية وثقافية غنية، التقى فيها بكبار المبدعين العرب مثل الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم وعبد الرحمن الأبنودي ومحمد منير وغيرهم، وتحول بيته إلى ملتقى فني مفتوح، وجسر للتواصل بين الفنانين العرب.
من عام 1997 حتى 2004 عمل مستشاراً فنياً في المجمع الثقافي بأبو ظبي، وقدم أعمالاً موسيقية ومسرحية، وأصدر ألبومات عدة، وشارك في مهرجانات عربية وعالمية. وهو من رواد الأغنية السياسية والإنسانية في العراق، وقدم أكثر من عشرين ألبوماً، إضافة إلى عشرات الأعمال المسرحية والتلفزيونية.
تميّز جعفر حسن بكونه فناناً شاملاً: ملحن، مغنٍ، عازف على عدة آلات، مخرج، مهندس صوت، ومنتج. أسس استوديوهات في أكثر من بلد، وقدم أعماله بلغات ولهجات متعددة، وظل يواصل عطائه حتى سنواته الأخيرة. وكان يؤمن بأن الموهبة لا تُصنع بالشهادات، بل بالتجربة والصدق.
كان شديد النقد لواقع الإعلام والثقافة في العراق، محملاً إياه مسؤولية تراجع الذائقة وانتشار الفن السطحي، في مقابل تهميش الفن الحقيقي، وداعياً إلى إعادة الاعتبار للأغنية الإنسانية التي تمس وجدان الناس.
عاد إلى العراق عام 2004 بعد أكثر من ربع قرن من المنفى، واستقر في إقليم كردستان، حاملاً تجربة طويلة، لكنه عاد بمرارة واضحة تجاه واقع الفن، ومع ذلك ظل مؤمناً بأن إنقاذ الثقافة ممكن إذا تضافرت جهود المبدعين الحقيقيين.
في ذكرى رحيله، لا نستعيد سيرة فنان فحسب، بل نستعيد زمناً كاملاً من الأحلام والأوجاع، زمناً كان فيه الغناء رسالة، وكان الفنان ضميراً. جعفر حسن لم يكن مجرد صوت، بل كان موقفاً، ولم يكن مجرد ملحن، بل كان شاهداً على مرحلة كاملة من تاريخ العراق… ولهذا سيبقى.



#رحيم_الحلي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشاعر ذياب گزار أبو سرحان قنطرة البنفسج البعيدة
- الانقلابات العسكرية جسر الشعارات نحو الاستبداد
- ميشيل كيلو مناضل يساري وطني
- نجيب سرور.. شاعر الثورة والمأساة
- الفيلم السويدي فاني وألكسندر Fanny and Alexander للمخرج السو ...
- القط الاعمى - قصة قصيرة
- كاظم الرويعي شاعر الغناء الشعبي العراقي وإرثه الخالد
- المنفى الطويل
- في الذكرى الخامسة لرحيل الأديبة السويدية سارة دانيوس
- جائزة نوبل في الأدب لعام 2024 تُمنح للروائية الكورية الجنوبي ...
- النملة التي اصبحت فراشة
- رحلة في مركب القاص مهدي عيسى الصقر
- الذكرى العشرين لرحيل الملحن كمال السيد
- رضيّة قصة قصيرة كتابة رحيم الحلي
- الفنان فاروق هلال نقيب الفنانين الأسبق هل تأخر في العودة إلى ...
- اذا كان هذا
- المستنقع الاسن قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي
- ذياب كزار ابو سرحان الشاعر الغائب كتابة رحيم الحلي
- بيت النداف قصة قصيرة كتبها رحيم الحلي
- القمر والصحراء وزائر الليل قصة قصيرة


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا ...
- المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن ...
- رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
- طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟ ...
- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...
- هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با ...
- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى- ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رحيم الحلي - في ذكرى رحيله… الفنان جعفر حسن عود طري لم ينحنِ