أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - إمبريالية المعرفة 18















المزيد.....

إمبريالية المعرفة 18


عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 14:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" 18 الحلقة "

الحرية لمعابر الكاز … لا لمعابر الخبز والصلاة




لم يعد العالم الحديث يقيس الكوارث بعدد الضحايا، بل بحجم التهديد الذي قد يصيب الأسواق.
فحين تهتز إمدادات النفط، ترتفع حالة التأهب الدولية، وتتحرك الأساطيل، وتنعقد الاجتماعات الطارئة، وتُفتح شاشات العالم على مدار الساعة خوفًا على " الاقتصاد العالمي ".
أما حين يُحاصر شعب كامل، ويُمنع عنه الخبز والماء والدواء، ويُترك الأطفال تحت الركام والجوع، فإن العالم نفسه يكتفي بإصدار بيانات باردة عن " القلق " و" ضبط النفس ".
هنا لا نتحدث عن ازدواجية معايير فقط، بل عن انهيار المعنى الأخلاقي للحضارة المعاصرة.
معبر رفح… من بوابة حدود إلى شريان حياة:
لقد كشف العدوان على قطاع غزة حقيقة النظام العالمي بصورة ربما لم تحدث بهذا الوضوح من قبل.
فالعالم الذي اعتبر حرية الملاحة في مضيق هرمز مسألة تستحق الحشد العسكري الدولي، فتاتي الولايات المتحدة بكل ترسانتها العسكرية وتجرب فرنسا حظها بإرسال حاملة طائرات وتشكل بريطانيا حلفا دوليا وتعتبر إسرائيل نفسها حامية لحريات الشعب الإيراني وهي تمارس فعل القتل بدم بارد في فلسطين ولبنان وتعتدي على اليمن الذي يحاول حماية حق غزة بالغذاء والماء والدواء، هذا العالم المنتفض من اجل خطوط الكاز لم يعتبر إغلاق معبر رفح، أو تعطيله، كارثة إنسانية تستوجب الغضب الكوني نفسه، رغم أن هذا المعبر لم يكن مجرد حدود جغرافية، بل الشريان الأخير للخبز والماء والدواء والحياة لمليوني انسان.
وبذا فقد تحوّل معبر رفح إلى الاختبار الأخلاقي الأكثر قسوة للعالم المعاصر، فهناك، لم يكن الناس ينتظرون رفاهية الحياة، بل مجرد فرصة للبقاء على قيد الحياة.
شاحنات الغذاء كانت تُعامل كما لو أنها تهديد أمني، فيما كان الجوع يُستخدم أداة ضغط جماعي ضد أكثر من مليوني إنسان في حين لم تكن كل الحشود العسكرية والعمليات الحربية في منطقة الشرق الأوسط والعدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران عملا عدوانيا او خطرا على حياة البشر واستقلال الدول وحظ الشعوب بثرواتها في زمن الماء لم يعد فيه الماء حقًا طبيعيًا للغزيين، بل امتيازًا نادرًا، والدواء أصبح حلمًا، لا خدمة إنسانية أساسية.

وفي المقابل، كان العالم يُجنّد كل قوته السياسية والعسكرية والإعلامية لضمان ألا تتعطل ناقلات الغاز والنفط ولا يكترث ابدا لكل عذابات الغزيين أطفالا ونساء وشيوخ بحيث بات بلا خبز ولا ماء ولا دواء ولا إيواء.
إنها لحظة تاريخية تكشف بوضوح مخيف ترتيب القيم في الحضارة الحديثة بحيث باتت معابر الطاقة أهم من معابر الحياة واحتياجات السوق اهم من احتياجات الناس لمواصلة العيش على ارضهم بعد ان باتت الأرض نفسها ملك لمن يملك القوة وصار الحق في الحياة حقا في الكتب الورقية القديمة لا اكثر ولا اقل خصوصا وان أحدا لم يعد يقرأ الكتاب الورقي حتى بل يعتمد على ما يقدم له عبر الشبكة العنكبوتية المسيطر عليها من أصحاب المال والقوة وهم ما يؤكد تدخلهم وسعيهم لإعادة صياغة الوعي البشري يما يضمن وصول الناس الى قناعات جديدة قد تقلب نظرية مالثوس راسا على عقب.
من حصار الجسد إلى حصار الروح:
لكن المأساة لم تتوقف عند " معبر الخبز " بل امتدت إلى ممر السماء نفسه ففي القدس، حيث المدينة التي تمثل في الوعي الإنساني أرض الرسالات السماوية، لم تُستهدف الجغرافيا فقط، بل المعنى الروحي ذاته.
لقد أُغلقت ابواب المسجد الأقصى أمام المصلين مرارًا، ومُنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إليه، وقُمعت الصلوات، وتعرض المصلون للاعتداء داخل أقدس مكان إسلامي في المدينة.
وفي الوقت ذاته، تعرضت كنيسة القيامة ومحيطها لإجراءات منعت كثيرين من الوصول الحر لإحياء الشعائر الدينية، فيما جرى التضييق على الاحتفالات الدينية المسيحية، بما في ذلك احتفالات الأعياد، تحت ذرائع أمنية وسياسية.
هنا لم يعد الاستهداف موجّهًا ضد الإنسان فقط، بل ضد علاقته بالسماء.
لقد أصبح الفلسطيني محرومًا حتى من حقه في الصلاة، وكأن السيطرة لم تعد تكتفي بالأرض والجسد، بل تريد إخضاع الروح نفسها.
إمبريالية المعرفة " احتلال الوعي لا احتلال الأرض ":
هنا تتجلى أخطر مراحل الإمبريالية الحديثة؛ إذ لم تعد الهيمنة مقتصرة على السياسة والاقتصاد، بل امتدت إلى إعادة تشكيل المجال الروحي والأخلاقي للإنسان ووعيه.
لقد فهمت الإمبريالية القادمة " امبريالية المعرفة " أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق فقط عبر احتلال الجغرافيا، بل عبر احتلال الوعي، وتجريد الإنسان من المعنى الذي يمنحه القدرة على المقاومة.
ولذلك لم يكن ما قاله ميشيل فوكو مجرد توصيف فلسفي حين أكد أن " المعرفة ليست من أجل المعرفة، بل من أجل ممارسة السلطة" فالسلطة الحديثة لا تريد إخضاع الإنسان بالقوة وحدها، بل بإعادة تعريف ما يجب أن يشعر به، وما يجب أن يغضب له، وما ينبغي أن يعتبره طبيعيًا.
ولهذا أصبح العالم قادرًا على مشاهدة المجازر مباشرة دون أن يتحرك، لا لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الوعي نفسه يجري تشكيله بطريقة تجعل الإنسان أكثر حساسية تجاه اضطراب الأسواق من اضطرابه تجاه انهيار القيم الإنسانية.
غزة… لحظة انكشاف الضمير العالمي:
لقد دخل العالم مرحلة جديدة من " تشيئ الإنسان " الذي لم يعد قيمة عليا، بل رقمًا داخل معادلات الاقتصاد والطاقة والجغرافيا السياسية، ولذلك فإن أخطر ما كشفته غزة ليس وحشية الحرب فقط، بل انهيار الضمير العالمي.
فالحضارة التي تهتز من أجل ناقلة نفط، ولا تهتز بالقدر نفسه من أجل طفل يموت جوعًا خلف حدود مغلقة، ليست حضارة مأزومة أخلاقيًا فقط، بل حضارة أعادت تعريف الإنسان نفسه بوصفه قيمة ثانوية أمام السوق، بل يمكن القول انها حضارة رق متجددة من تلك التي استعبدت الانسان جسدا الى هذه التي تسعى لاستعباد وعيه تمهيدا لجعله راضخا بوعي يقبل حالة الرضوخ هذه ويبررها ويقدم لها التنظيرات والثقافة الضرورية.
وحين يصبح فتح ممرات الغاز أولوية دولية عاجلة، بينما يبقى فتح ممرات الخبز والماء والدواء خاضعًا للتفاوض والابتزاز السياسي، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسية عابرة، بل أمام تحول عميق في بنية العالم الأخلاقية.
التجويع وسيلة للتركيع:
لم تعد العقوبات الاقتصادية والحصار أدوات ضغط مؤقتة تُستخدم لتحقيق أهداف سياسية محدودة، بل تحولت في العقيدة السياسية الأمريكية والإسرائيلية إلى وسيلة ممنهجة لإعادة تشكيل مواقف الدول والشعوب، عبر استهداف قدرتها على الصمود الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي. فالتجويع هنا لا يُستخدم بوصفه نتيجة جانبية للصراع، وإنما كأداة ضغط مباشرة تهدف إلى إنهاك المجتمعات ودفعها نحو القبول بالإملاءات الخارجية.
تقوم هذه السياسة على فرض معادلة قاسية مفادها: إما الخضوع الكامل للشروط السياسية والاستراتيجية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها، أو البقاء تحت وطأة الحصار والعقوبات والعزل المالي والتجاري. وبهذا تصبح الاحتياجات الأساسية للشعوب — من الغذاء والدواء والطاقة والعمل — جزءًا من أدوات الصراع والابتزاز السياسي.
وقد ظهرت ملامح هذه الاستراتيجية بوضوح في أكثر من ساحة عربية وإقليمية. ففي العراق خلال سنوات الحصار الطويلة، أدى التضييق الاقتصادي إلى تدمير واسع للبنية الاجتماعية والصحية والاقتصادية، ودفع ملايين العراقيين إلى الفقر والمعاناة. وفي إيران، استُخدمت العقوبات الاقتصادية لعزل الدولة وإضعاف قدرتها الاقتصادية والتكنولوجية بهدف التأثير على قرارها السياسي والسيادي.
أما في فلسطين، فقد تحول الحصار، خصوصًا على قطاع غزة، إلى نموذج صارخ لاستخدام التجويع والعزل ومنع الموارد الأساسية كوسائل لإخضاع شعب كامل، عبر التحكم في الغذاء والدواء والطاقة وحرية الحركة، بما يجعل الحياة اليومية نفسها أداة ضغط مستمرة.
وفي لبنان واليمن، برزت العقوبات والحصار المالي والاقتصادي كجزء من صراع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية الداخلية والإقليمية، حتى لو كان الثمن انهيار الاقتصاد، وتفكك المؤسسات، واتساع رقعة الفقر والجوع والمعاناة الإنسانية.
إن خطورة هذه السياسات لا تكمن فقط في آثارها الاقتصادية المباشرة، بل في كونها تسعى إلى تحويل الإنسان وحاجاته الأساسية إلى ورقة ضغط سياسية، بما يهدد مفهوم السيادة والاستقلال الوطني، ويجعل معيشة الشعوب وأمنها الغذائي رهينة للقرار الدولي وموازين القوة العالمية.
إغلاق السماء قبل إغلاق الأرض:
أما حين تُغلق أبواب الصلاة، وتُمنع الأعياد، ويُحاصر الناس في علاقتهم مع مقدساتهم، فإن القضية تتجاوز الصراع على الأرض، لتصبح صراعًا على روح الإنسان نفسها.
لقد كان الإنسان، عبر التاريخ، يقاتل دفاعًا عن خبزه وعن إيمانه معًا، لكن عالم اليوم يبدو مستعدًا لحماية خطوط الطاقة أكثر من استعداده لحماية حق البشر في الخبز والصلاة والحياة.
وهذه ليست مجرد مفارقة سياسية فقط، بل لحظة سقوط حضاري وانحطاط أخلاقي كامل، بعد ان أصبحنا امام نظام عالمي يقدس المال وجبروته، ولا يقيم وزنا لحياة البسطاء من بني البشر، ذلك ان العنصرية الأخطر، هي العنصرية القادمة بصناعة طبقية جديدة، تقوم على قاعدة الاذكى هو الأعلى، وهي العنصرية التي تمثلها امبريالية المعرفة.



#عدنان_الصباح (هاشتاغ)       Adnan_Alsabbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النصر للمقاومة… الوحدة لفتح… وطول العمر للرئيس
- إمبريالية المعرفة 17
- عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة
- حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟
- موسكو، غزة، طهران، … إخذلوهم ولن ينجو منكم أحد
- فلسطين: حين يصير الحق سؤالاً لا يقين
- قبل أن نلعن العالم… لنجرؤ على النظر في المرآة
- روسيا وإيران رأس الحربة في مواجهة أمريكا
- غزة التي في خاطري تستغيث
- العالم يحتاج الدور المصري فورا
- إيران في مواجهة أمريكا مصد أم بوابة؟
- غزة وزفة الكذابين
- بصراحة إذا لم نتحد فإننا ننتحر
- هل تحارب أمريكا ايران بنفسها؟
- عالم من الحروب لا حرب عالمية
- ترامب وأمة المضبوعين
- خلافاتنا لنا وتوافقنا لاعدائنا
- أوهام ترامب التي نعرفها ونشتريها     
- لنكسر زجاجتهم لا لنخرج من عنقها
- سوريا بوابة البلقنة الأبعد من المُدرك


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - إمبريالية المعرفة 18