أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة














المزيد.....

عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة


عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8680 - 2026 / 4 / 17 - 16:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يعد ممكنًا قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد انحراف شعبوي في السياسة الأمريكية، بل باتت أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة هندسة النظام الدولي، يقوم على الانتقال من نموذج الهيمنة التوافقية إلى نموذج الهيمنة القسرية. هذا التحول لا يستهدف الخصوم فقط، بل يطال الحلفاء قبل غيرهم، ويدفع العالم دفعًا نحو ما يمكن تسميته بـ "الفِطام القسري" عن الولايات المتحدة.
أولًا: من الهيمنة الناعمة إلى الإكراه الصريح
في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، خاصة ضمن المدرسة الواقعية البنيوية، تُمارس القوة المهيمنة نفوذها عبر مزيج من الردع والاحتواء وبناء المؤسسات. غير أن ما نشهده اليوم هو تفكيك ممنهج لهذه الأدوات لصالح منطق أكثر بدائية يقوم على نظام الإخضاع المباشر.
إدارة ترامب لا تسعى إلى الحفاظ على النظام الدولي، بل إلى تفريغه من مضمونه، وتحويله إلى شبكة من العلاقات الثنائية غير المتكافئة، حيث تصبح السيادة الوطنية للدول الأخرى مشروطة بالامتثال للرغبات الأمريكية. وهنا، تتحول المؤسسات الدولية من أدوات تنظيم إلى أدوات ابتزاز.
ثانيًا: أوكرانيا كنموذج لـ"اقتصاد الإكراه"
الضغط على أوكرانيا للتوقيع على اتفاقيات استراتيجية تحت وطأة الحرب يكشف عن نمط يمكن تسميته بـ"اقتصاد الإكراه"، حيث تُستخدم الأزمات الأمنية لإعادة تشكيل البنى الاقتصادية للدول بما يخدم مصالح القوة المهيمنة.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد صراع جيوسياسي، بل أداة لإعادة توزيع الموارد العالمية. أوروبا، من جهتها، تُدفع لتحمل الكلفة دون أن تمتلك قرار الحرب أو السلام، ما يعكس تراجع مكانتها من شريك استراتيجي إلى تابع وظيفي.
ثالثًا: إيران ومضيق هرمز - تسييس الجغرافيا الاستراتيجية
يشكل التصعيد مع إيران مثالًا صارخًا على ما تسميه الدراسات الجيوسياسية "تسييس الممرات الحيوية". فمضيق هرمز، بوصفه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
الرواية السائدة حول "إغلاق المضيق" تخدم هدفًا مزدوجًا:
تبرير الوجود العسكري، وخلق صدمة في أسواق الطاقة ترفع الأسعار، بما يعيد تموضع الولايات المتحدة كمورد مهيمن.
لكن الأخطر من ذلك هو توظيف هذا التوتر لإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا تلك المرتبطة بالصين، التي تعتمد بشكل حيوي على هذه الممرات.
رابعًا: خنق الصين عبر الجغرافيا والاقتصاد
وفقًا لمنطق "احتواء الصعود" في النظرية الواقعية، تسعى القوى المهيمنة إلى تطويق المنافسين الصاعدين. غير أن ما يحدث مع الصين يتجاوز الاحتواء إلى محاولة خنق متعددة الأبعاد:
• السيطرة على الممرات البحرية (مثل مضيق ملقا)
• رفع كلفة الطاقة
• تعطيل سلاسل التوريد
• الدفع نحو بدائل صناعية (الهند نموذجًا)
هذه الاستراتيجية، وإن بدت عقلانية من منظور القوة، تحمل في طياتها مخاطر تفكيك الاقتصاد العالمي نفسه، نظرًا للتشابك العميق بين الأسواق.
خامسًا: إنهاك أوروبا—تفكيك الحليف من الداخل
السياسات الأمريكية لا تستهدف الخصوم فقط، بل تعمل على إعادة تشكيل الحلفاء. أوروبا الغربية، التي كانت ركيزة النظام الليبرالي، تُدفع اليوم نحو استنزاف مزدوج: حرب مكلفة مع روسيا، واحتمال انخراط في صراع مع إيران.
هذا المسار ينسجم مع فرضية "إضعاف الشريك القوي" لمنع تحوله إلى منافس مستقل. والنتيجة المتوقعة هي قارة منهكة، أقل قدرة على الفعل، وأكثر اعتمادًا.
سادسًا: عسكرة الاقتصاد العالمي
تتجه الولايات المتحدة، في ظل هذه السياسات، إلى إعادة بناء الاقتصاد العالمي حول ثلاثية: السلاح، الطاقة، التكنولوجيا. وهي قطاعات تملك فيها تفوقًا نسبيًا.
هذا التحول يعني نقل مركز الثقل من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد الصراع، حيث تصبح الحروب—المباشرة أو بالوكالة—أداة لتنشيط الأسواق، لا تهديدًا لها.
سابعًا: الفِطام العالمي—بداية التشكل
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل بذور تقويضها. فالإفراط في استخدام القوة، خاصة ضد الحلفاء، يدفع الدول إلى البحث عن بدائل. وهنا يظهر مفهوم "الفطام" ليس كخيار، بل كضرورة وجودية.
التمايز في مواقف دول مثل كندا، وإسبانيا، وفرنسا، وحتى الحذر البريطاني، يعكس بداية تشكل وعي استراتيجي جديد: الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة، بل مخاطرة.
ثامنًا: حدود القوة - حين تنقلب الأدوات على صانعها
تُظهر التجارب التاريخية أن الهيمنة حين تتحول إلى إكراه تفقد مشروعيتها، ومعها فعاليتها. فالقوة التي لا تُغلف بشرعية، تتحول إلى عبء.
إطالة أمد الصراعات، وتوسيع نطاقها، قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يسرّع في الوقت نفسه من تشكل نظام دولي مضاد، حتى لو كان ذلك ببطء.
تاسعا: الضعفاء يكتشفون قوتهم
لقد ساعدت الولايات المتحدة " دون ان تقصد وبعكس ما ترغب " الضعفاء المستهدفين الى ادراك مكامن قوتهم وقدرتهم على احداث تغيير جوهري وفاعل باستخدام وعي ضعفهم وتجليات هذا الضعف كجاذب للأعداء والسعي لتحويلة كطارد ومقاوم لهم ولأهدافهم وقد ظهر ذلك بوضوح في حرص دول الخليج العربي بعدم تصعيد الصراع مع ايران والإبقاء على بوابات التواصل المحتمل قائمة، وهو ما قد يؤسس لمستقبل للمنطقة لا تشتهيه سفن الصهيونية العالمية عبر ممثلتها الاكبر الولايات المتحدة.
خاتمة: بين الفوضى والتعددية
العالم اليوم لا يتجه نحو نظام مستقر جديد، بل نحو مرحلة انتقالية مضطربة، تتصارع فيها رؤيتان:
رؤية أحادية قسرية، تسعى لفرض الهيمنة بأي ثمن،
ورؤية تعددية لم تتبلور بعد، لكنها تتشكل في رحم الأزمات.
في هذا السياق، لا يكون السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض مشروعها، بل ما إذا كان العالم مستعدًا لدفع كلفة مقاومته.
لأن "الفِطام" في السياسة الدولية، كما في البيولوجيا، ليس عملية سلسة - بل صراع مؤلم بين الاعتماد والاستقلال.



#عدنان_الصباح (هاشتاغ)       Adnan_Alsabbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حرب أيام أربعة أم آلاف اربعة؟
- موسكو، غزة، طهران، … إخذلوهم ولن ينجو منكم أحد
- فلسطين: حين يصير الحق سؤالاً لا يقين
- قبل أن نلعن العالم… لنجرؤ على النظر في المرآة
- روسيا وإيران رأس الحربة في مواجهة أمريكا
- غزة التي في خاطري تستغيث
- العالم يحتاج الدور المصري فورا
- إيران في مواجهة أمريكا مصد أم بوابة؟
- غزة وزفة الكذابين
- بصراحة إذا لم نتحد فإننا ننتحر
- هل تحارب أمريكا ايران بنفسها؟
- عالم من الحروب لا حرب عالمية
- ترامب وأمة المضبوعين
- خلافاتنا لنا وتوافقنا لاعدائنا
- أوهام ترامب التي نعرفها ونشتريها     
- لنكسر زجاجتهم لا لنخرج من عنقها
- سوريا بوابة البلقنة الأبعد من المُدرك
- محاذير على طريق ما بعد الطوفان
- الفلسطينيون والتنازل عن الحق لصالح الأوهام
- ماذا لو قررت القارة العجوز استعادة شبابها


المزيد.....




- البرهان يرحب بانضمام أحد مؤسسي الدعم السريع للقوات السودانية ...
- إسرائيل تحْيي مستوطنة بعد إخلائها وحماس تحذّر من التمدد الاس ...
- باكستان تقرع الأجراس وإيران وأمريكا تنتظرهما ساعات عصيبة
- صنداي تايمز: هل يصبح السلاح النووي بوليصة تأمين للأنظمة المغ ...
- -الشانغل- الهجين.. الولد الشقي الذي صنع الفكاهة والاندماج بك ...
- ترمب يعلن مهاجمة سفينة شحن إيرانية بخليج عُمان وطهران تتوعد ...
- أوكرانيا تقترح مظلة صاروخية أوروبية وتدعو لقمة بين زيلينسكي ...
- نائب رئيس -المؤتمر السوداني-: لا حسم عسكريا للصراع ولا بديل ...
- قبيل جولة المفاوضات.. هذه أبرز مطالب واشنطن وطهران
- جائزة مولاي الحسن للألعاب الرياضية الجامعية.. الدورة ال15 ره ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عدنان الصباح - عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة