|
|
روسيا وإيران رأس الحربة في مواجهة أمريكا
عدنان الصباح
(Adnan Alsabbah)
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 15:15
المحور:
العولمة وتطورات العالم المعاصر
لم تكن الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي وليدة لحظة تاريخية عابرة، بل جاءت نتيجة مسار طويل من التحولات العالمية بدأ مع نهاية الحرب العالمية الأولى. فقد خرجت أوروبا من تلك الحرب منهكة سياسيًا واقتصاديًا، بينما أخذت الولايات المتحدة تتقدم تدريجيًا لتصبح مركز الثقل المالي والصناعي في العالم. غير أن التحول الحاسم في موازين القوة الدولية جاء بعد الحرب العالمية الثانية، حين قادت واشنطن عملية إعادة بناء النظام الدولي عبر منظومة مؤسسات سياسية واقتصادية وأمنية ما تزال تشكل الإطار الحاكم للعلاقات الدولية حتى اليوم. ففي تلك المرحلة نشأت المؤسسات المالية العالمية في إطار مؤتمر بريتون وودز، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما تأسست المنظومة الأمنية الغربية عبر حلف شمال الأطلسي. أما الإطار السياسي الدولي فقد تجسد في إنشاء منظمة الأمم المتحدة، التي يفترض بها أن تمثل مرجعية القانون الدولي، وإن كانت موازين القوى الفعلية قد ظلت تميل إلى الدول الكبرى. بلغت الهيمنة الأمريكية ذروتها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي عام 1991، حين دخل العالم مرحلة الأحادية القطبية. ففي تلك اللحظة أصبحت الولايات المتحدة القوة العسكرية والاقتصادية الأكبر بلا منافس حقيقي، وهو ما انعكس في سلسلة من التدخلات العسكرية والسياسية في مناطق مختلفة من العالم، كان من أبرزها غزو العراق عام 2003. غير أن العقود الأخيرة شهدت مؤشرات متزايدة على تراجع تدريجي لهذه الأحادية، مع صعود قوى دولية جديدة وعودة قوى كبرى إلى المسرح العالمي، وعلى رأسها روسيا والصين. وقد جاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 لتكشف بوضوح عمق التحولات الجارية في النظام الدولي، إذ لم تكن تلك الحرب مجرد نزاع حدودي بين دولتين، بل تعبيرًا عن صراع أوسع حول مستقبل التوازنات في أوروبا ومكانتها في النظام العالمي. سعت الولايات المتحدة إلى توحيد أوروبا خلف قيادتها من خلال الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا، في حين رأت روسيا أن توسع حلف شمال الأطلسي نحو حدودها يمثل تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي. وقد كشفت هذه الحرب أيضًا حقيقة مهمة تتعلق بطبيعة القوة الأوروبية. فعلى الرغم من أن أوروبا تمتلك قدرات اقتصادية هائلة وتشكل أحد أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم، فإنها ما تزال عاجزة عن التحول إلى قوة جيوسياسية مستقلة، إذ يعتمد أمنها الاستراتيجي إلى حد كبير على التحالف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة. ولو تمكنت أوروبا في المستقبل من صياغة سياسة استراتيجية مستقلة وإعادة بناء علاقة متوازنة مع روسيا، فقد تتحول إلى قطب عالمي قادر على المساهمة في إعادة التوازن إلى النظام الدولي. في هذا السياق تبرز روسيا بوصفها لاعبًا محوريًا في معادلات التحول العالمي. فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا يجعلها جسرًا بين أوروبا وآسيا، إضافة إلى امتلاكها احتياطات هائلة من الطاقة والموارد الطبيعية. وقد نجحت موسكو خلال السنوات الأخيرة في تعزيز شراكاتها مع قوى آسيوية كبرى، وفي مقدمتها الصين، الأمر الذي يعزز فكرة تشكل محور أوراسي قادر على موازنة النفوذ الغربي. غير أن إعادة تشكيل النظام الدولي لا يمكن أن تتم دون أخذ دور القوى الإقليمية الكبرى في آسيا بعين الاعتبار، وهي قوى أخذ وزنها الاقتصادي والعسكري يتزايد بصورة متسارعة خلال العقود الأخيرة. فالهند، على سبيل المثال، تعد إحدى أكبر القوى الصاعدة في القرن الحادي والعشرين، إذ تجاوز عدد سكانها 1.4 مليار نسمة وأصبحت من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم، مع توقعات بأن تتحول خلال العقد القادم إلى ثالث أكبر اقتصاد عالمي. كما تمتلك قدرات عسكرية ونووية متقدمة، وتشارك في تكتلات اقتصادية وسياسية مؤثرة مثل مجموعة بريكس. أما تركيا، فتتمتع بموقع جغرافي فريد يجعلها جسرًا استراتيجيًا بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إضافة إلى تحكمها بممرات بحرية حيوية بين البحر الأسود والبحر المتوسط. وعلى الرغم من عضويتها في حلف شمال الأطلسي، فإن سياساتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة اتجهت نحو قدر أكبر من الاستقلالية، ما يمنحها هامشًا أوسع للحركة بين الشرق والغرب. وتبرز إيران بدورها كإحدى القوى الإقليمية الأكثر تأثيرًا في غرب آسيا، بفضل امتلاكها احتياطات ضخمة من النفط والغاز، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل على مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. كما تعزز حضورها الدولي عبر انضمامها إلى منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، إضافة إلى مشاركتها في مشاريع الربط الاقتصادي المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق. وفي جنوب آسيا تمثل باكستان قوة استراتيجية مهمة بفضل موقعها الجغرافي بين الصين والهند والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فضلًا عن كونها دولة نووية تمتلك جيشًا كبيرًا. كما تلعب دورًا محوريًا في مشروع الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني الذي يشكل أحد أهم مشاريع مبادرة الحزام والطريق. أما العالم العربي فيمثل بدوره كتلة جيوسياسية ذات أهمية استثنائية في معادلات النظام الدولي. فهذه المنطقة تمتد على مساحة جغرافية تربط بين ثلاث قارات وتشرف على أهم الممرات البحرية في العالم مثل قناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وهي ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة. كما يمتلك العالم العربي جزءًا كبيرًا من احتياطات النفط والغاز العالمية، خصوصًا في منطقة الخليج. إن تلاقي مصالح هذه القوى ضمن شبكة واسعة من التعاون الاقتصادي والسياسي قد يؤدي إلى تشكل كتلة دولية ضخمة تمتد من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، وتضم نسبة كبيرة من سكان العالم وأهم الموارد الطبيعية وممرات التجارة العالمية. يقف العالم اليوم أمام لحظة تحول تاريخي، إذ يواجه النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية تحديات غير مسبوقة مع صعود قوى جديدة وتزايد النزعة نحو التعددية القطبية. وفي هذا السياق قد يصبح توسيع نطاق التعاون بين أوروبا وروسيا وآسيا والعالم العربي أحد المسارات الممكنة لإعادة التوازن إلى النظام الدولي. غير أن الانتقال من نظام عالمي إلى آخر لا يحدث بصورة سريعة أو مستقيمة، بل يمر عادة بمراحل طويلة من الصراعات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كما حدث في مراحل الانتقال التاريخية بين أنماط الإنتاج المختلفة عبر التاريخ. ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى الصراعات الدولية الراهنة، بما فيها الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات في الشرق الأوسط وغرب آسيا، باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي. ولا يغيب عن المراقبين أن الصراع على الطاقة يشكل أحد الأبعاد الأساسية لهذه التحولات، إذ إن التحكم في تدفقات النفط والغاز وأسواق الطاقة العالمية يظل عنصرًا حاسمًا في موازين القوة الدولية، كما يرتبط بشكل مباشر بمكانة الدولار في النظام المالي العالمي. في ضوء هذه المعطيات، يبدو التنسيق الاستراتيجي بين روسيا وإيران والصين أحد المسارات الأكثر فاعلية لإعادة التوازن إلى النظام الدولي والحد من الهيمنة الأحادية. ومع ذلك، فإن نجاح هذا المسار مشروط بتحول الصين من موقفها التقليدي المحايد والمنتظر إلى دور فاعل مؤثر في تحديد السياسات الدولية وصياغة التحالفات الاستراتيجية. فالصين، بقدراتها الاقتصادية الضخمة ونفوذها السياسي المتصاعد، تشكل عنصرًا حاسمًا في تحقيق توازن القوى، حيث يمكن لمساهمتها الفاعلة أن تضع سقفًا للتصرفات الأحادية، وتدعم آليات متعددة الأطراف تضمن العدالة والإنصاف في النظام العالمي. هذا التنسيق ليس مجرد مواجهة رمزية للهيمنة الأمريكية، بل يشمل إعادة هندسة التفاعلات الاقتصادية والسياسية والأمنية على الصعيد الدولي. فمن خلال تعاون مدروس، يمكن للكتلة الروسية–الإيرانية–الصينية أن تحد من ميل القوى الكبرى إلى فرض إرادتها بشكل منفرد، وتخلق آليات لضمان احترام سيادة الدول الصغيرة والمتوسطة، والحفاظ على مصالح الشعوب عبر منظومة أكثر عدلاً وتوازنًا. وبالتالي، يكتسب هذا التحرك بعدًا استراتيجيًا مزدوجًا: أمنيًا من خلال تقليل احتمالات اندلاع صراعات إقليمية وعالمية واسعة، واقتصاديًا عبر مواجهة الضغوط الأحادية وفتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار بعيدًا عن هيمنة الدولار ونفوذ المؤسسات المالية الغربية. وفي هذا الإطار، يصبح الحفاظ على المنظومة الدولية الإنسانية، وخاصة منظومة العدل والحق، هدفًا محوريًا يضمن استقرار النظام العالمي ويصون مصالح الدول والشعوب، ويحول دون استسلام العالم لإمبريالية شاملة قد تسعى الولايات المتحدة لتكون اداتها الوحيدة ان وانتهاز الفرصة بغياب الاخرين ا تخليهم عن دورهم.
#عدنان_الصباح (هاشتاغ)
Adnan_Alsabbah#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
غزة التي في خاطري تستغيث
-
العالم يحتاج الدور المصري فورا
-
إيران في مواجهة أمريكا مصد أم بوابة؟
-
غزة وزفة الكذابين
-
بصراحة إذا لم نتحد فإننا ننتحر
-
هل تحارب أمريكا ايران بنفسها؟
-
عالم من الحروب لا حرب عالمية
-
ترامب وأمة المضبوعين
-
خلافاتنا لنا وتوافقنا لاعدائنا
-
أوهام ترامب التي نعرفها ونشتريها
-
لنكسر زجاجتهم لا لنخرج من عنقها
-
سوريا بوابة البلقنة الأبعد من المُدرك
-
محاذير على طريق ما بعد الطوفان
-
الفلسطينيون والتنازل عن الحق لصالح الأوهام
-
ماذا لو قررت القارة العجوز استعادة شبابها
-
إمبريالية المعرفة 16
-
غزة تكتب منهاج التعليم الفلسطيني
-
الإنقسام الفلسطيني من النكبة الى المقتلة وحتى المهلكة
-
إستدعاء صدام حسين ورفاقه للمحاكمة
-
أمريكا ومشروع سرقة غزة بمظلة مجلس الأمن
المزيد.....
-
بين المغادرين والقادمين.. شاهد ما يفعله أثرياء العالم وسط اض
...
-
كيف علق وزير الدفاع الأمريكي على حادث تحطم طائرة تزود بالوقو
...
-
ماذا نعرف عن هجوم -معبد إسرائيل- في ميشيغان ومُنفّذه؟
-
ماذا ستفقد إيران إذا ما سيطرت الولايات المتحدة على جزيرة خرج
...
-
لبنان الى اين؟
-
الرئيس ماكرون يؤكد أن موقف فرنسا بشأن حرب الشرق الأوسط -دفاع
...
-
مصر.. حالة من الغضب بعد رفع أسعار الوقود
-
انفجارات في القدس وصفارات الإنذار تدوي في تل أبيب وعسقلان وأ
...
-
كوريا الجنوبية: المجزرة المنسية في جزيرة جيجو
-
هذه القطع المقلدة قد تقتل أطفالك.. احذر فخ التوفير
المزيد.....
-
ألمانيا..الحياة والمجهول
/ ملهم الملائكة
-
كتاب : العولمة وآثارها على الوضع الدولي والعربي
/ غازي الصوراني
-
نبذ العدمية: هل نكون مخطئين حقًا: العدمية المستنيرة أم الطبي
...
/ زهير الخويلدي
-
Express To Impress عبر لتؤثر
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
التدريب الاستراتيجي مفاهيم وآفاق
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
Incoterms 2000 القواعد التجارية الدولية
/ محمد عبد الكريم يوسف
-
النتائج الايتيقية والجمالية لما بعد الحداثة أو نزيف الخطاب ف
...
/ زهير الخويلدي
-
قضايا جيوستراتيجية
/ مرزوق الحلالي
-
ثلاثة صيغ للنظرية الجديدة ( مخطوطات ) ....تنتظر دار النشر ال
...
/ حسين عجيب
-
الكتاب السادس _ المخطوط الكامل ( جاهز للنشر )
/ حسين عجيب
المزيد.....
|