أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - السلطة الفلسطينية بين حصار المقاصة وتآكل الوظيفة: نحو انفجار اجتماعي أم إعادة تعريف للدور؟














المزيد.....

السلطة الفلسطينية بين حصار المقاصة وتآكل الوظيفة: نحو انفجار اجتماعي أم إعادة تعريف للدور؟


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 14:30
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم تعد الأزمة المالية التي تعصف بالسلطة الوطنية الفلسطينية أزمة عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ترقيعية أو حلول مؤقتة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر النظام السياسي ووظيفته، وتضع المجتمع الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير، تتقاطع فيه الضغوط السياسية مع الاختناقات الاقتصادية، في ظل غياب أفق حقيقي للحل.
في قلب هذه الأزمة، يبرز استمرار حجز أموال المقاصة من قبل إسرائيل كأداة ضغط ممنهجة، تتجاوز البعد المالي لتشكّل رافعة سياسية لإعادة تشكيل السلوك الفلسطيني، وضبط إيقاعه وفق محددات الاحتلال. ومع اعتماد المالية الفلسطينية بشكل كبير على هذه الإيرادات، باتت السلطة رهينة لقرار خارجي، يفقدها القدرة على التخطيط المالي المستقل، ويضع مؤسساتها في حالة شلل تدريجي.
لكن الأخطر من ذلك، هو انعكاس هذه السياسات على الواقع الاجتماعي والمعيشي، حيث أصبح الموظف الفلسطيني—الذي كان يشكّل صمام أمان للاستقرار—في مواجهة انهيار تدريجي في قدرته على الصمود. فتقبيض الرواتب بمعدل لا يتجاوز نحو ألفي شيقل، في ظل غلاء فاحش وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، لم يعد يفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة، بل بات يدفع شريحة واسعة من الموظفين إلى دائرة العجز المالي، والاستدانة، والتآكل الاجتماعي.
إن هذا الواقع لا يمكن قراءته فقط كأزمة دخل، بل كتحول خطير في البنية الاجتماعية، حيث تتآكل الطبقة الوسطى، وتتسع فجوة الفقر، وتضعف القدرة الشرائية، ما ينعكس سلبًا على مجمل النشاط الاقتصادي. ومع تراجع الخدمات الأساسية—الصحية والاجتماعية—وتقليص الدوام في المؤسسات الحكومية، وتدني مستوى التعليم نتيجة الإضرابات ونقص الموارد، تتكامل عناصر أزمة مركبة تنذر بانفجار اجتماعي وشيك، قد يتجاوز في تداعياته البعد الاقتصادي ليطال الاستقرار العام.
ورغم التزام الحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى بجملة من الشروط والإصلاحات التي فرضتها كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، إلا أن هذا الالتزام لم يُترجم إلى أي اختراق حقيقي، لا على المستوى المالي ولا السياسي. وهو ما يكشف عن خلل عميق في معادلة “الالتزام مقابل الدعم”، حيث يُطلب من السلطة تقديم تنازلات وإصلاحات، دون أن يقابل ذلك ضمانات فعلية للاستقرار أو تخفيف القيود المفروضة عليها.
إن الصمت الدولي إزاء هذا التدهور لا يمكن اعتباره حيادًا، بل هو تعبير عن مقاربة ترى في الاستقرار الأمني أولوية تتقدم على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني، ما يترك السلطة في مواجهة مفتوحة مع أزمتها، دون شبكة أمان حقيقية.
وفي ظل تضخم مديونية السلطة لتتجاوز خمسة عشر مليار دولار، تدخل المالية العامة مرحلة حرجة، تتسم بارتفاع الالتزامات مقابل تآكل الإيرادات، ما يهدد بانهيار تدريجي لقدرة المؤسسات على أداء وظائفها. ويُضاف إلى ذلك اهتزاز الثقة في النظام المالي، وتزايد الضغوط على القطاع المصرفي، وتنامي الاقتصاد غير الرسمي، بما يحمله من مخاطر بنيوية على المدى المتوسط والبعيد.
أمام هذا المشهد، تتصاعد الدعوات المطالبة باستقالة الحكومة، باعتبارها تعبيرًا عن حالة غضب وإحباط شعبي متزايد. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته السياسية، يظل قاصرًا عن معالجة جوهر الأزمة، التي تتجاوز أداء الحكومة إلى طبيعة الإطار الذي تعمل ضمنه. فالمشكلة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في القيود المفروضة على القرار السياسي والاقتصادي الفلسطيني.
وعليه، فإن أي تغيير حكومي، في غياب مراجعة استراتيجية شاملة للعلاقة مع إسرائيل، وإعادة تعريف الالتزامات الاقتصادية والسياسية، لن يكون سوى إعادة إنتاج للأزمة بأدوات مختلفة. فالحكومات تتغير، لكن القيود تبقى، ما لم يتم كسر الحلقة البنيوية التي تحكم هذا الواقع.
إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق إعادة بناء النموذج، عبر تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على: تقليل الاعتماد على أموال المقاصة، وتعزيز الإيرادات الذاتية، وتفعيل أدوات الضغط القانوني والدبلوماسي دوليًا، وإجراء إصلاحات داخلية حقيقية تعيد الاعتبار لمفاهيم الشفافية والمساءلة والكفاءة.
وفي الخلاصة، فإن استمرار الوضع القائم، بكل ما يحمله من تآكل في الرواتب، وتدهور في الخدمات، وتصاعد في المديونية، ينذر بتحول الأزمة المالية إلى أزمة مجتمع، وربما إلى أزمة نظام سياسي بأكمله. وهو ما يتطلب قرارات جريئة تعيد تعريف وظيفة السلطة، ليس كجهاز إداري هش، بل كأداة صمود وطني قادرة على مواجهة الضغوط، واستعادة ثقة المواطن، ومنع الانزلاق نحو انفجار اجتماعي باتت ملامحه تلوح في الأفق.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية توظيف النص الديني في الخطاب السياسي وانعكاساته القان ...
- في يوم الأسير الفلسطيني: نحو مساءلة دولية وإنصاف قانوني مستح ...
- تحولات ما بعد هرمز: تآكل عقيدة الحسم الإسرائيلية وإعادة تشكي ...
- غضب داخل إسرائيل بعد وقف إطلاق النار في لبنان: أزمة قرار وتد ...
- الديون المتراكمة على بلدية طولكرم: بين اختلالات الهيكل المال ...
- مفاوضات تحت النار: هل تُعيد واشنطن رسم قواعد الاشتباك بين لب ...
- صراع الكرامة من أجل لقمة العيش: قراءة قانونية واستراتيجية في ...
- انتخابات المجر: تحولات الداخل ورسائل الخارج في ميزان الاسترا ...
- بعد فشل أوسلو والتوسع الاستيطاني: الدولة ثنائية القومية كخيا ...
- مضيق هرمز تحت المجهر: هل الحصار الأمريكي يسبق الحرب أم يمنعه ...
- تضخم فاتورة الرواتب في البلديات الفلسطينية بين غياب المساءلة ...
- الانتخابات البلدية والوحدة الوطنية: معيار الكفاءة في زمن الت ...
- مضيق هرمز على حافة الانفجار: تعثر المفاوضات الأمريكية الإيرا ...
- انتخابات الهيئات المحلية في فلسطين بين الطابع الخدمي وتحديات ...
- لبنان على مفترق الطرق: بين ضغوط التسوية واستحقاقات السيادة
- الاستعطاف والتزلف في المجال العام: حين تتحول القيم إلى أدوات ...
- لبنان خارج معادلة التهدئة: صمت عربي وعجز دولي يفتحان أبواب ا ...
- المؤتمر الثامن لحركة فتح: بين استحقاق التجديد وإعادة تأسيس ا ...
- وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة: تسوية الضرورة و ...
- حرب إيران وتداعياتها على النظام الدولي


المزيد.....




- زلزال عنيف يضرب اليابان.. محررة CNN تصف ما حدث بالطابق الـ18 ...
- مصدر يكشف لـCNN عن جهود مصرية لإعادة أمريكا وإيران إلى طاولة ...
- مصادر: مفاوضات أمريكا وإيران الأربعاء مع توجه فانس إلى باكست ...
- -لا قرار باستئناف المفاوضات-.. إيران تشكك في جدية واشنطن: ما ...
- مسعفون ينقذون مئات الاشخاص بعد عاصفة ثلجية في أقصى شرق روسيا ...
- -لا نشعر بالأمان-.. نازحون لبنانيون عالقون بين الرغبة في الع ...
- بعد احتجاز سفينة شحن إيرانية ورفض طهران للتفاوض.. عودة للحرب ...
- غموض يلف الجولة الثانية من المفاوضات بعد اشتراط إيران فك الح ...
- فاتورة الحرب على دول الخليج.. من سيتحمل كلفتها؟
- بيانات ملاحية.. عين الناتو فوق البحر الأسود مع تصاعد استهداف ...


المزيد.....

- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - السلطة الفلسطينية بين حصار المقاصة وتآكل الوظيفة: نحو انفجار اجتماعي أم إعادة تعريف للدور؟